تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
وَقَالَ ٱلْإِنسَـٰنُ مَا لَهَا ﴿٣﴾
وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا﴾ ﴿قَالَ الْإِنْسَانُ﴾ المراد به الجنس؛ يعني أن الإنسان البَشَر يقول: ما لها؟! أيُّ شيءٍ لها، هذا الزلزال؟! لأنه يخرج وكأنه -كما قال الله تعالى- كأنه سكران، فيقول: ما الذي حَدَثَ لها؟! وما شأنها؟! لشدة الهول.
﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أي: في ذلك اليوم إذا زُلْزِلت ﴿تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ أي: تُخبر عمَّا فعل الناسُ عليها من خيرٍ أو شرٍّ، وقد ثَبَتَ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم «أنَّ المؤذِّن إذا أذَّن فإنه لا يسمع صوتَه شجرٌ ولا مَدَرٌ ولا حَجَرٌ ولا شيءٌ إلا شَهِدَ له يوم القيامة»[[أخرج ابن خزيمة (٣٨٩) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: إذا كنتَ في البوادي فارفعْ صوتَك بالنداء؛ فإني سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «لا يسمعُ صوتَه شَجَرٌ ولا مَدَرٌ ولا حَجَرٌ ولا جِنٌّ ولا إنسٌ إلا شَهِد له».]]، فتشهد الأرضُ بما صُنِعَ عليها من خيرٍ أو شرٍّ، وهذه الشهادة من أجْل بيان عَدْل الله عز وجل وأنَّه سبحانه وتعالى لا يؤاخِذُ الناسَ إلا بما عَمِلوه، وإلا فإن الله تعالى بكلِّ شيءٍ محيطٌ، ويكفي أن يقول لعباده جلَّ وعلا: عَمِلتم كذا وعَمِلتم كذا، لكن من باب إقامة العدل وعدم إنكار المجرم؛ لأن المجرمين يُنكرون أن يكونوا مشركين؛ قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام ٢٣]؛ لأنهم إذا رَأَوْا أهلَ التوحيد قد خلصوا من العذاب ونجوا منه أنكروا الشِّرك لعلَّهم ينجون، ولكنهم يُخْتَم على أفواههم، وتُكَلِّم الأيدي، وتشهد الأرجُلُ، والجلودُ أيضًا، والألسُن، كلُّها تشهد على الإنسان بما عَمِل، وحينئذٍ لا يستطيع أن يَبْقى على إنكاره، بلْ يُقِرُّ ويعترف، إلا أنه لا ينفع الندم في ذلك الوقت.
وقوله: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة ٥] أي: بسبب أنَّ الله أوحى لها؛ يعني: أَذِنَ لها في أن تُحَدِّث أخبارَها، وهو سبحانه وتعالى على كلِّ شيءٍ قدير، إذا أَمَر شيئًا بأمْرٍ فإنه لا بُدَّ أن يقع؛ يخاطب اللهُ الجمادَ فيتكلَّم الجمادُ؛ كما قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت ١١]، «وقال الله تعالى للقلم: اكْتُبْ. قال: رَبِّ، وَمَاذَا أَكْتُبُ؟ قال: اكْتُبْ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»[[أخرج الطبراني في مسند الشاميين (١٥٧٢) عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ أول ما خَلَق اللَّهُ القلم، فقال: اكتُبْ. قال: وما أكتبُ. قال: اكتبْ ما هو كائنٌ إلى يوم القيامة». وأخرجه أبو داود (٤٧٠٠) والترمذي (٣٣١٩) من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه بنحوه.]]، وقال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس ٦٥] فالله عز وجلَّ إذا وجَّه الكلامَ إلى شيءٍ ولو جمادًا فإنه يخاطبُ اللَّهَ ويتكلَّم، ولهذا قال: ﴿