×

الزلزلة

الآيات ٤–٦

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا ﴿٤﴾

بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا ﴿٥﴾

يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ ٱلنَّاسُ أَشْتَاتًا لِّيُرَوْا۟ أَعْمَـٰلَهُمْ ﴿٦﴾

يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾. ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يعني: يومَ إذْ تُزَلْزَلُ الأرضُ زِلزالَها ﴿يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا﴾ [الزلزلة ٦] أي: جماعاتٍ متفرِّقين، كلٌّ يتجه إلى مأواه، فأهلُ الجنة -جَعَلنا الله وإيَّاكم منهم- يتَّجهون إليها، وأهلُ النار -والعياذ بالله- يُساقون إليها؛ ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦) لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم ٨٥ - ٨٧]، فيَصْدر الناسُ جماعاتٍ وزُمَرًا على أصنافٍ متباينةٍ تختلف اختلافًا كبيرًا كما قال الله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء ٢١]. ﴿لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ [الزلزلة ٦] يعني: يَصْدرون أشتاتًا فيُرَوْنَ أعمالَهم؛ يُريهم الله تعالى أعمالَهم إنْ خيرًا فخيرٌ وإنْ شَرًّا فشَرٌّ، وذلك بالحساب وبالكتاب، فيُعطَى الإنسانُ كتابَه إمَّا بيمينه وإمَّا بشِماله، ثم يُحاسَب على ضوء ما في هذا الكتاب، يحاسبه الله عز وجل؛ «أمَّا المؤمن فإن الله تعالى يخلو به وحدَهُ ويُقَرِّره بذُنُوبه ويقول: فعلْتَ كذا وفعلْتَ كذا وفعلْتَ كذا. حتى يُقِرَّ ويعترف، فإذا رأى أنه هلك قال الله عز وجل: إني قد سترتُها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم. وأمَّا الكافر -والعياذ بالله- فإنه لا يُعامَل هذه المعاملة، بلْ يُنادى على رؤوس الأشهاد:» ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود ١٨][[أخرج البخاري (٤٦٨٥) -واللفظ له- ومسلم (٢٧٦٨ / ٥٢) عن صفوان بن محرز قال: بينا ابن عمر يطوف إذْ عَرَض رجلٌ فقال: يا أبا عبد الرحمن - أو قال: يا ابن عمر - سمعتَ النبيَّ ﷺ في النجوى؟ فقال سمعتُ النبيَّ ﷺ يقول: «يُدنَى المؤمنُ من ربِّه -وقال هشام: يدنو المؤمن- حتى يَضَع عليه كَنَفه فيقرِّره بذنوبه: تعرفُ ذَنْب كذا؟ يقول: أعرفُ. يقول: ربِّ أعرفُ. مرَّتين. فيقول: سترتُها في الدنيا، وأغفرها لك اليوم. ثم تُطوى صحيفة حسناته، وأمَّا الآخرون -أو الكفار- فيُنادى على رؤوس الأشهاد: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨].]]. وقوله: ﴿لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ هذا مضافٌ، والمضاف يقتضي العموم، وظاهره أنهم يُرَون الأعمالَ الصغيرةَ والكبيرةَ، وهو كذلك، إلا ما غَفَرَه الله مِن قَبْلُ بحسناتٍ أو دُعاءٍ أو ما أشبهَ ذلك فهذا يُمحى؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود ١١٤]، فيُرَى الإنسانُ عملَه، يُرَى عملَه القليلَ والكثيرَ حتى يتبيَّن له الأمرُ جَلِيًّا ويُعطى كتابَه ويُقال: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء ١٤]، ولهذا يجب على الإنسان ألَّا يُقْدِم على شيءٍ لا يُرضي اللَّهَ عز وجل؛ لأنه يعلم أنه مكتوبٌ عليه وأنه سوف يُحاسَب عليه. ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة ٧، ٨] (مَن) شرطيَّة تفيد العموم؛ يعني: أيُّ إنسانٍ يعمل مثقالَ ذرَّةٍ فإنه سيراه سواءٌ من الخير أو من الشر. و﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ يعني وَزْن ذَرَّة، والمراد بالذرَّة صِغار النَّمل كما هو معروف، وليس المرادُ بالذرَّةِ الذرَّةَ المتعارفَ عليها اليوم كما ادَّعاه بعضُهم؛ لأن هذه الذرَّة المتعارف عليها اليوم ليستْ معروفةً في ذاك الوقت، والله عز وجل لا يخاطب الناسَ إلا بما يفهمون، وإنما ذَكَر الذرَّةَ لأنها مَضْرِب الْمَثَل في القِلَّة؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ [النساء ٤٠]، وإنَّ من المعلوم أن مَن عَمِل ولو أدنى مِن الذرَّة فإنه سوف يجده، لكن لَمَّا كانت الذرَّة مَضْرِب الْمَثَل في القِلَّة قال الله تعالى: ﴿