×

الزخرف

الآية ٧

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

وَمَا يَأْتِيهِم مِّن نَّبِىٍّ إِلَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ ﴿٧﴾

وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الزخرف ٧] شوف -والعياذ بالله- ما يأتيهم إلا استهزؤوا، ﴿إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ هذه حالهم لا يقبلونه ولا يسكتون بل يستهزئون. والاستهزاء السخرية؛ بمعنى أنهم يسخرون بهم ويحتقرونهم؛ ليحذِّروا الناس منهم. فانظر إلى رحمة الله عز وجل كيف يرسل الرسل وهو يعلم أن هؤلاء المزعومين سيقابلونهم بالاستهزاء، ولكن إقامة للحجة. * من فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى أرسلَ عددًا كثيرًا من الأنبياء في السابقين، وقد جاء في بعضِ الأحاديث أنهم مئة وأربعة وعشرون ألفًا[[أخرج أحمد (٢٢٢٨٨) بسنده عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، كم وَفَّى عدة الأنبياء؟ قال: «مئة ألف وأربعة وعشرون ألفًا، الرسل من ذلك ثلاث مئة وخمسة عشر جمًّا غفيرًا..» ]]، فالله أعلم؛ لأنَّ هذا يحتاج إلى دليل صحيح صريح، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر ٧٨]، ومعلوم أنَّ مَن لم يُقْصَصْ علينا فلن نستطيع أن نعرف عددهم. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى أقام الحجة على جميع الخلق، ويؤيِّد هذا قولُه: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤]. * ومن فوائد هذه الآية: تسلية النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لقوله: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾؛ فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا علم أنَّ الرسل من قبله يُسْتَهزأ بهم فإنه يتسلى، ولا شكَّ، وأنت تجد هذا من نفسك؛ إذا أصبت بمصيبة وأصيب غيرك بمثلها أو أشد ألست تتسلى بهذا وتهون عليك المصيبة؟ * طلبة: بلى. * الشيخ: طيب صحيح، وفي هذا يقول الله عز وجل: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف ٣٩]؛ يعني أن اشتراكهم في العذاب لا يخفِّف العذاب عنكم ولا يحصل لكم به تسلٍّ؛ لأن كل واحد من أهل النار -أعاذنا الله وإياكم منها- لا يرى أن أحدًا منه أخف عذابًا، ولذلك يشتد حزنه -والعياذ بالله- إذا رأى أنه هو أشد الناس عذابًا وهو أهونهم. * ومن فوائد هذه الآية: أن الاستهزاء بالرسل تكليف لهم وزيادة؛ لقوله: ﴿إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾. واعلم أن الاستهزاء بالرسل كفر، والاستهزاء بالكتب كفر، والاستهزاء بالله كفر؛ قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة ٦٥، ٦٦]. واختلف العلماء رحمهم الله فيمن استهزأ بالله أو آياته أو رسوله، أو سبَّ الله أو كتابه أو رسوله، هل تُقبل توبته أو لا تقبل؟ على قولين. والصحيح: التفصيل في هذا؛ وهو أنه إن وُجِد ما يدل على استقامته وصحة توبته فإنها تُقبل، وإلَّا فلا. وذلك أن لهذا المستهزئ أو الساخر أو الساب ثلاث حالات: الحال الأولى: أن يستمرَّ في ذلك، فهذا لا توبةَ له، ويقتل ردةً. الثانية: أن نعلم أنه تاب توبة نصوحًا؛ لأنه استقام وصلحت حاله، فهذا تقبل توبته بلا إشكال. والثالثة: أن نتردد؛ هل هو صادق في توبته أو غير صادق؟ فهذا يُقْتَل، ويكون أمره إلى الله عز وجل، نقتله لظاهر حاله؛ لأننا لم نتيقنْ أن هذه الحال قد تغيَّرت إلى ما يمنع قتله فنقتله، أما في الآخرة فأمره إلى الله. فإن قال قائل: الاستهزاء بالله وسبِّ الله عز وجل ذنبٌ عظيم لا يتحمَّل أن تقبل توبة فاعله؟ فالجواب: أن نقرأَ قول الله عز وجل في نفس الآية: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً﴾ [التوبة ٦٦]؛ يعني: إن عفونا عن طائفة بتوبتهم عذبنا الطائفة الأخرى التي لم تَتُبْ، واقرأ قول الله عز وجل: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر ٥٣].