تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
فَأَهْلَكْنَآ أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشًا وَمَضَىٰ مَثَلُ ٱلْأَوَّلِينَ ﴿٨﴾
قال الله تعالى: ﴿فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا﴾ [الزخرف ٨]. ﴿أَهْلَكْنَا﴾ يعني: بالموت، ﴿أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا﴾ ﴿أَشَدَّ مِنْهُمْ﴾ أي: من كفار قريش، ﴿بَطْشًا﴾ أي: قوة.
(﴿وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: سبق في آيات ﴿مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾ ) ﴿أَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا﴾ يعني: قوةً كقوم هود وقوم صالح ومن أشبههم، أهلكهم اللهُ وهم أشد من هؤلاء الذين كذَّبوا محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلَّم أشد بطشًا وأكثر أموالًا وأولادًا، ومع ذلك ما أغنتهم شيئًا.
* وفي هذه الآية: بيان شِدَّة صبر الرسل عليهم الصلاة والسلام؛ حيث إنهم يُستهزأ بهم وهم صابرون حتى يأتي أمر الله، وإلَّا فمن الذي يطيق أن يدعو الناس وهم يستهزئون به، لولا أن يثبت الله عز وجل الإنسان بالقول الثابت، كما قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ [الإسراء ٧٤، ٧٥].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تحذير قريش لرد دعوة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لأن الله تعالى توعدهم بذكر إهلاك من سبق، وكل إنسان له قلب، إذا ذُكِر له حال الأمم السابقة وأنهم أهلكوا فلا بد أن يتعظ، ولا بد أن يخاف ويخشى.
* ومن فوائد هذه الآية: جوازُ التحويل على شيء سابق؛ لقوله: ﴿وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾؛ أي: حالهم وصفاتهم. والتحويل فيه فائدة؛ وهو أن يتذكَّر الإنسان ما مضى وأن يعود إليه.
وقد عاب قوم على الحافظ ابن حجر رحمه الله بكثرة حَوالاته في فتح الباري، والحقيقة أن لا عيب، ولا يَرِد على هذا أنه أحيانًا يُحيلُ ولا نجد ما أحال إليه، أحيانًا يقول: يأتي في باب كذا ولا تجده؛ لأنه قد يكون معذورًا بنسيان، أو ألحقه بنسخة لم تصل إلينا، أو ما أشبه ذلك.
المهم فائدة الإحالات تذكيرُ الإنسان ما سبق واهتمامُه بالكتاب ورواج الكتاب كله؛ لأنه إذا كان هناك إحالات فلازم هذا أن يكون عندك كل الكتاب؛ لأنه سيُحال عليه، فلا بد أن يكون عندك.