تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِن نَّبِىٍّ فِى ٱلْأَوَّلِينَ ﴿٦﴾
ثم قال عز وجل: ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ﴾ [الزخرف ٦] (كمْ) هذه خبرية تدل على الكثرة، عامِلُها ما بعدها: ﴿أَرْسَلْنَا﴾، والإرسال هو الإيحاء إلى بشر بشريعة ويُؤْمَر بتبليغها.
وقوله: ﴿مِنْ نَبِيٍّ﴾ بيان لـ(كم)، والمراد هنا الرسول؛ لأنه قال: ﴿كَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ﴾، والنبي يُطلق على الرسول كثيرًا في القرآن الكريم؛ ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ [مريم ٤١] وأمثال ذلك، والمراد الرسول.
﴿فِي الْأَوَّلِينَ﴾ أي السابقين على هذه الأمة.
(﴿وَمَا﴾ كان ﴿يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ) (﴿وَمَا﴾ كان ﴿يَأْتِيهِمْ﴾ ﴾) قدَّر المؤلف (كان)؛ لأن الأمر قد مضى، ولو كان على نسقِ الكلام ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ﴾ لكان هذا في المستقبل؛ لذلك قدَّر المفسِّر (كان)، وهذا يدل على عُمق علم المفسِّر.
ولكن خيرًا من ذلك أن نقولَ: لا حاجةَ إلى التقدير؛ لأنه إذا دار الأمر بين أن يكون في الكلام مقدَّر أو غير المقدَّر، فالأصل عدم التقدير، فنقول: الآية باقية على ظاهرها، لكنها على حكاية الحال؛ يعني كأن الماضي حاضر الآن، وهذا أبلغ في تخويف قريش من المخالفة.
المؤلف قَدَّر (كان) لماذا؟ لأن القرآن يتحدَّث عن شيء مضى، فلا بد مِن أن نُقَدِّر فعلًا ماضيًا، ونحن نقول: لا حاجة إلى التقدير، وجاءت الآية في سياق الفعل المضارع الدال على الاستقبال؛ حكايةً للحال، كأن الأمر واقع الآن، فيكون هذا أبلغَ في إنذار قريش وتحذيرهم.
﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ﴾ (من) هذه زائدة إعرابًا، لكنها مفيدة معنى، زائدة إعرابًا بمعنى أنها لو نُزِعَت من السياق لتمَّ بدونها؛ لو كان لفظ الآية الكريمة: وما يأتيهم نبيٌّ، يستقيم الكلام ولَّا لا؟
* طالب: يستقيم.
* الشيخ: لكن جاءت (من) زيادة في الفائدة، فما هي الفائدة؟
الفائدة يقول علماء البلاغة وعلماء النحو: إن زيادة الكلمة -يعني الحرف- في الجملة تدلُّ على التوكيد، فعليه: كل كلمة زائدة في القرآن من حيث الإعراب فهي مفيدة لمعنى.
﴿