تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
بَلْ مَتَّعْتُ هَـٰٓؤُلَآءِ وَءَابَآءَهُمْ حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلْحَقُّ وَرَسُولٌ مُّبِينٌ ﴿٢٩﴾
ثم قال الله عز وجل: ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ﴾ [الزخرف ٢٩]، ﴿بَلْ﴾ هذه للإضراب، إضراب إبطال أو انتقال.
* طالب: انتقال.
* الشيخ: إضراب انتقال؛ لبيان مِنَّةِ الله عز وجل على قريش، (﴿مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ﴾ المشركين، أي: أَبْقَيْتُهُم، ﴿وآباءهم﴾، ولم أعاجلهم بالعقوبة)، بل أبقاهم بدون عقوبة مع شركهم وكفرهم واتخاذ الأصنام كاللات والعزى وهبل ومناة، ﴿حَتَّى﴾ للغاية، يعني: إلى أن جاءهم الحق ﴿وَرَسُولٌ مُبِينٌ﴾، ﴿حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ﴾ يقول: (القرآن)، والصواب ما هو أعم؛ القرآن والإسلام والسُّنَّة، فهو أعم مما قاله المؤلف، ونحن نقول بالقاعدة التي أشرنا إليها قبل قليل، وهي أيش؟
* طلبة: لا نخصصه.
* الشيخ: إبقاء القرآن على عمومه لا نخصصه، فنقول: ﴿جَاءَهُمُ الْحَقُّ﴾ أي: الذي أتى به رسول ﷺ من القرآن والسُّنَّة وغير ذلك من الشرعية، (﴿﴿وَرَسُولٌ مُبِينٌ﴾ ﴾: مُظْهِرٌ علم الأحكام الشرعية، وهو محمد ﷺ)، ﴿رَسُولٌ﴾ نَكَّرَهُ للعلم به، ونَكَّرَهُ للتعظيم، وقوله: (﴿مُبِينٌ﴾ أي: مُظْهِرٌ للأحكام الشرعية)، والأمر كما قال الله عز وجل.
* في هذه الآية الكريمة: بيان أن الله عز وجل بيده كل شيء، إن شاء مَتَّعَ الناس وأبقاهم، وإن شاء أهلكهم؛ لقوله: ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ﴾، فالتمتيع عائد إليه وحده.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله عز وجل له حكمة في إبقاء الكافر على وجه الأرض، وإلا لأهلكه، لكن له الحكمة، من الحكمة أن يأتي حق فيؤمن به فيسعد في الدنيا والآخرة، ومن الحكمة في بقاء الكفار أن يكون في ذلك امتحان للمؤمنين مع هؤلاء الكفار بجهاد الكفار وظهور نعمة الله عز وجل على المسلمين بالإسلام.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن ما جاء به النبي ﷺ فهو حق، إن كان أخبارًا فهي أيش؟ صِدْق، وإن كانت أحكامًا فهي عدل، وليس فيما جاء به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم باطل، كله حق.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وسلم رسول الله حقًّا.
* ومن فوائدها: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بَيَّنَ كل ما تحتاج أمته إليه؛ من خير فتفعله، ومن شر فتتركه.
قال أبو ذر رضي الله عنه: لقد تُوُفِّيَ رسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم وما طائر يُقَلِّبُ جناحيه في السماء إلا ذَكَرَ لنا منه علمًا[[أخرجه أحمد (٢١٣٦١) عن أبي ذكر بلفظ: لقد تَرَكَنَا محمد ﷺ وما يحرك طائر جناحيه في السماء إلا أذكرنا منه علمًا.]].
وإذا شئت مِصْدَاق هذا القول فانظر، الشريعة الإسلامية جاءت لتقرير التوحيد، وهذا أعظم ما يكون، جاءت ببيان الصلاة والزكاة والحج والصيام، جاءت بآداب الأكل والشرب، جاءت بآداب التَّخَلِّي منهما؛ من الأكل والشرب، جاءت بآداب اللباس، حتى لبس الثوب جاءت الشريعة ببيانه، تُدْخِلُ الكُمَّ الأيمن قبل الأيسر، وتخلع الأيسر قبل الأيمن، جاءت بآداب معاملة الناس بعضهم مع بعض، كل شيء دقيق أو جليل فالشريعة جاءت ببيانه، ولله الحمد، لكن يَضِلُّ مَن يَضِلُّ، ويهتدي مَن يهتدي.