×

الزخرف

الآيات ٢٧–٢٨

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

إِلَّا ٱلَّذِى فَطَرَنِى فَإِنَّهُۥ سَيَهْدِينِ ﴿٢٧﴾

وَجَعَلَهَا كَلِمَةًۢ بَاقِيَةً فِى عَقِبِهِۦ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴿٢٨﴾

إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾. * الشيخ: قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾، (إذ) هذه ويش محلها من الإعراب؟ * طالب: مفعول به. * الشيخ: لأيش؟ * الطالب: (...). * الشيخ: والتقدير: واذكر إذ قال، نعم، اذكر، يعني لهؤلاء المكذِّبين، اذكر هذا القول الذي قاله إبراهيم عليه الصلاة والسلام، والذي كانوا يفتخرون بالانتساب إليه وإلى مِلَّتِه حتى تقيم عليهم الحجة، ﴿إِذْ قَالَ﴾ ﴿لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ﴾، وأبوه هو آزر، وله معه مناظرات سبق الكلام عليها، ﴿وَقَوْمِهِ﴾ أصحابه الذين بُعِثَ إليهم، وكان إبراهيم عليه السلام كغيره من الأنبياء بُعِثَ إلى قومه خاصة، كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي»، مِنْهَا: «وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٨)، ومسلم (٥٢١/٣) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.]]. ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ الجملة هذه مُؤَكَّدَة -كما هو معلوم- بـ(إن)، و﴿بَرَاءٌ﴾ صفة مشبهة، وهي أبلغ من كلمة (بريء)؛ لأن الصفة المشبهة تقتضي الدوام والثبوت، ﴿مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾، أي: من الذي تعبدونه، ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾، والمراد بيعبدونه الأصنام التي ينحتونها هم بأيديهم ثم يعبدونها، ولهذا قال لهم إبراهيم عليه السلام في جملة مناظراته: ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات ٩٥، ٩٦]، فكيف تعبدونها وهي مخلوقة؟ كيف تعبدونها وأنتم الذين تنحتونها؟ وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾، (إلا) أداة استثناء، لكن هل الاستثناء هنا منقطع أو هو متصل؟ فالجواب: إن كانوا يعبدون الله وغيره فالاستثناء متصل، وإن كانوا لا يعبدون الله فالاستثناء منقطع، والاستثناء المنقطع هو الذي يكون ما بعد (إلا) من غير جنس الذي قبلها، هذا هو الاستثناء المتقطع، ومَثَّلَ له النحويون بقولهم: جاء القوم إلا حمارًا، حمارًا من جنس القوم أو من غيرهم؟ * طالب: من غيرهم. * الشيخ: من غير جنسهم، فيكون الاستثناء منقطعًا، أما إذا قيل: جاء القوم إلا زيدًا، فالاستثناء هنا متصل؛ لأن زيدًا من جنس الْمُسْتَثْنَى منه، فهنا نُطَبِّق هذه القاعدة، ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ إن كانوا يعبدون الله وغيره فالاستثناء؟ * طلبة: متصل. * الشيخ: متصل، وإن كانوا لا يعبدون الله فالاستثناء منقطع، وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾، لم يقل: إلا الله، من أجل أن يُقِيمَ الدليل على أنه لا يستحق العبادة إلا هو، فالذي فطرك أول مرة وأوجدك من العدم هو الذي يستحق أن يُعْبَد؛ لأنه الذي خلقك، انتبه. يعني لو قال قائل: لماذا لم يقل: إلا الله؟ فالجواب: ليقيم الحجة على أنه لا ينبغي أن يُعْبَد إلا اللهُ عز وجل، وهذا كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ [البقرة ٢١]، ومعلوم أن (رب) خالق، لكنه أتى بقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ وهو معلوم؛ ليقيم الحجة على أنه المستحق للعبادة وحده، ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ قال المؤلف: (خلقني). ﴿فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾: سيرشدني لدينه، والهداية نوعان، كما سيأتي إن شاء الله في بيان الفوائد. ﴿وَجَعَلَهَا﴾ أي: كلمة التوحيد المفهومة من قوله: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات ٩٩]، ﴿جَعَلَهَا﴾ الضمير يعود على الكلمة التي قالها، وما هي الكلمة التي قالها؟ اسمع كلام المفسِّر، قال: هي قوله: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾، وهذا غلط من المؤلف، الكلمة التي قالها هي أقرب كلمة، وهي: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾، وهي كلمة التوحيد، أما قوله: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ فلا علاقة لها في الآية، إذن ﴿جَعَلَهَا﴾ الضمير يعود على أيش؟ * طالب: قوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ﴾. * الشيخ: لا ﴿جَعَلَهَا﴾ الضمير يعود على أيش؟ على الكلمة التي قالها، وهي؟ * الطالب: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ﴾. * الشيخ: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾، ومعنى قوله: ﴿جَعَلَهَا﴾ أي: صَيَّرَهَا هي الطريقة التي يصير عليها مَن بعده، ﴿كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ عَقِبِ مَن؟ * طالب: عقب إبراهيم. * الشيخ: عقب إبراهيم، قال: أي ذريته، فلا يزال فيهم مَن يُوَحِّدُ الله، هكذا قال المؤلف، أن المعنى أن هذه الكلمة ستبقى في ذريته، ولا يمكن أن تُشْرِكَ الذرية كلها، بل لا بد أن تبقى، والصواب خلاف هذا، الصواب أن المعنى: جعل هذه الكلمة هي الكلمة الوحيدة التي يسير عليها مَن بعده، سواء التزموها أم لم يلتزموها. ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ أي: أهل مكة، ولو قيل: ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ أي: عقبه؛ لأن الآيات ما فيها ذِكْر أهل مكة، فيها العَقِب، ومعلوم أن أهل مكة مِن عَقِبِه، وأن بني إسرائيل من عَقِبِه، فإذا قلنا: إن الضمير في ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ يعود على ﴿عَقِبِهِ﴾ صار أعمَّ مما قال المؤلف؛ لأن المؤلف خَصَّهَا بجزء من العقب، وهذا قصور بلا شك، ولهذا اتَّخِذ هذه القاعدة، لا تُفَسِّر القرآن بأَخَصّ مما يدل عليه، بمعنى: إذا كان القرآن يدل على شيء عامّ فلا تُخَصِّصْه إلا إذا كان هناك دليل، وإلا فَأَبْقِهِ على عمومه، إذن ﴿جَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف ٢٨]، الضمير يعود على مَن؟ * طلبة: عقبه. * الشيخ: على العقب؛ من قريش وبني إسرائيل، لكن ما معنى ﴿جَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً﴾؟ على كلام المؤلف رحمه الله المفسِّر يعني أنها ستبقى هذه الكلمة في العقب فلا يمكن أن يُفْقَد منهم التوحيد، والصواب أنه جعلها جَعْلًا شَرْعِيًّا، بمعنى أنه عَهِدَ إلى عقبه أن يُوَحِّدوا الله عز وجل، فمنهم مَن أطاع، ومنهم مَن عصى. * في هذه الآية الكريمة: مَزِيَّة عظيمة لإبراهيم عليه السلام، وهي إعلانه بالبراءة مما يعبد قومه، ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾. * ومنها: التوحيد الخالص في إبراهيم؛ لقوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾، وهذا معنى قوله: (لا إله إلا الله)، فـ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ﴾ بإزاء (لا إله)، ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾؟ أجيبوا. * طلبة: (إلا الله). * الشيخ: بإزاء (إلا الله)، إذن هذه الكلمة ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ بمعنى (لا إله إلا الله) تمامًا، أليس كذلك؟ * طالب: إي نعم. * الشيخ: * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن يقرن الحكم بالدليل؛ لأنه أبلغ، ذلك حين قال إبراهيم: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: قوة الرجاء، أي: رجاء إبراهيم بالله عز وجل؛ لقوله: ﴿فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾، والسين هذه تدل على التحقيق، والهداية نوعان؛ النوع الأول: هداية الدلالة، وهذه تكون من الله، ومن عباد الله، والثاني: هداية التوفيق للحق، وهذه لا تكون إلا من الله عز وجل، لا أحد يَمْلِكُهَا، استمع، الهداية نوعان: الأول؟ * الطلبة: هداية الدلالة. * الشيخ: هداية الدلالة، بمعنى الدلالة على الحق، وهذه تكون من الله، ومن غيره، والثاني: هداية التوفيق، وهذه لا تكون إلا من الله وحده، لا أحد يملكها، نسأل الله أن يَهْدِيَنَا وإياكم. ثم الآيات الواردة في هذا منها ما يتعين حمله على هداية التوفيق، ومنها ما يتعين حمله على هداية الدلالة، ومنها ما يشمل الأمرين، الآيات الواردة في الهداية، فقول المصلي: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة ٦] يشمل؟ * طلبة: هداية الدلالة. * الشيخ: الأمرين: هداية الدلالة؛ وهي العلم، وهداية التوفيق؛ وهي العمل، فهل أنت أيها المصلي تشعر بهذا إذا قلت: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾؟ أو تشعر بأنك تتلو قرآنًا فقط؟ أخبرونا بالصدق. * طالب: الثاني. * الشيخ: الثاني غالبًا، ما هو كل الناس، أكثر الناس يقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ يقرؤها على أنها آية تُقْرَأ، لا يشعر بأن المعنى: اهْدِنِي عَلِّمْنِي ووَفِّقْنِي للعمل، ما يشعر بهذا، لكن استشعر هذا الشيء حتى تعرف على أي شيء تُؤَمِّن. مثال هداية الدلالة وحدها: قول الله تبارك وتعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى ٥٢] هذه هداية أيش؟ * الطلبة: دلالة. * الشيخ: الدلالة، يعني: تدل الناس إلى الصراط المستقيم، ومثال دلالة هداية التوفيق قول الله تبارك وتعالى ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص ٥٦] يقوله للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يعني: لن توفِّق أحدًا للهداية ولو كنت تحبه، ولهذا حاول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين حضر عمَّه أبا طالب وهو في سياق الموت، حاول أن يُوَحِّد اللهَ ولكن عجز، قال في سياق الموت: «يَا عَمِّ، قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ»[[أخرجه البخاري (٣٨٨٤) من حديث المسيب بن حزن رضي الله عنه.]]، وكان عنده رجلان من قريش جليسا سوء، فقالا لأبي طالب: أترغب عن مِلَّةِ عبد المطلب، شوف -والعياذ بالله- النخوة، أترغب عن مِلَّةِ عبد المطلب، يعني جده الذي تفتخر به قريش، فكان آخر ما قال: هو على مِلَّةِ عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله. فما هي الهداية التي عجز عنها النبي ﷺ في هذا؟ * الطلبة: هداية التوفيق. * الشيخ: هداية التوفيق، أما هداية الدلالة فقال: «قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ». قول الله عز وجل: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت ١٧]، من أي النوعين؟ * الطلبة: الدلالة. * الشيخ: هداية الدلالة، قوله تعالى: ﴿اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل ١٢١]. * طلبة: يشمل الأمرين. * الشيخ: يشمل الأمرين جميعًا. * من فوائد هذه الآية الكريمة: تمام نصح إبراهيم عليه السلام لِعَقِبِهِ، حيث جعل كلمة التوحيد باقية فيهم، وهذا بمنزلة الوصية للعَقِب أن يقوموا بهذه الوصية. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الرجوع إلى ما كان عليه الأسلاف من الحق؛ لقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.