تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
وَقَالُوا۟ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا ۖ قَالُوٓا۟ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِىٓ أَنطَقَ كُلَّ شَىْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴿٢١﴾
وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا﴾ [فصلت ٢١] ولم يقل: لأبصارهم وسمعهم؛ لأن شهادة الجلود أعظم وأعم.
﴿قَالُوا﴾ أي: أعداء الله ﴿لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا﴾، وهذا الاستفهام استفهام إنكار كأنهم يقولون: نحن نجادل عنكم، فكيف تشهدون علينا؟!
﴿قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ يعني: أننا شهدنا؛ لأن الله أنطقنا، والله عز وجل بيده ملكوت السماوات والأرض، يُنْطِق كل شيء.
قال المؤلف: (أي: أراد نطقه) ولا حاجة إلى هذا القيد؛ لأن الله تعالى لا يُكْرِهْهُ أحدٌ حتى نقول: إن هذا الفعل مقيد بالإرادة، نقول: أَنْطَقَ كل شيء، ولا نقول: أراد نطقه؛ لأنه لا يمكن أن ينطق الشيء إلا بعد إرادة الله، ومثل هذا القيد غير مناسب؛ لأننا لو اعتبرناه لقلنا: كل فعل ذكره الله عن نفسه يجب أن نُقَيِّدَه بالإرادة، وهذا أمر مُسْتَكْرَه؛ إذ إننا نعلم أن كل فعل فعله الله فإنما هو عن إرادة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢]، فالله تعالى أنطق كل شيء، هل أنطق الحجر؟ نعم، أْنْطَقَ الحجرَ والشجرَ، «وسُمِعَ تسبيحُ الحصى والطعامِ بين يدي النبيِّ ﷺ»[[أخرجه الطبراني في الأوسط (١٢٤٤)، والبزار (٤٠٤٠) من حديث أبي ذر الغفاري.]]، بل قال الله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء ٤٤]، كل شيء يسبح الله بلسان المقال إلا الكافر فإنه لا يُسبِّح الله بلسان المقال؛ لأنه كافر بالله، يصف الله تعالى بكلِّ نقص وعيب، وكل شيء يُسبِّح الله بلسان الحال حتى الكافر يسبح الله بلسان الحال، كيف ذلك؟ الكافر ما أودع الله فيه من الآيات في الخِلْقة والخلق، وما أشبه ذلك كله يسبح الله عز وجل، أي: يستدل به على تنزيه الله عن كل نقص وعيب.
قال: ﴿وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (قيل: هو من كلام الجلود، وقيل: هو من كلام الله تعالى كالذي بعده، وموقعه قريب مما قبله بأن القادر على إنشائكم ابتداءً وإعادتكم بعد الموت أحياءً قادر على إنطاق جلودكم وأعضائكم).
قوله: ﴿وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ يحتمل أنه من كلام الله يخاطب به هؤلاء المكذبين والأعداء، ويحتمل أنه تتمة كلام الجلود؛ يعني أن الجلود تستدل على قدرة الله تعالى على إنطاقها بأنه خلقهم أول مرة، يقول المؤلف في بيان ذلك: (قيل: هو من كلام الجلود، وقيل: هو من كلام الله) أيهما قَدَّم؟
* طالب: الجلود.
* الشيخ: لا، إذا قال المؤلفون: قيل كذا، وقيل كذا، فالخلاف هنا مطلق، لا تقديم فيه ولا تأخير، وإذا قيل: هو من كلام الجلود، وقيل: من كلام الله، هنا يكون قدم الأول، انتبهوا لهذا، أما إذا قال المؤلفون: قيل وقيل، فهذا ليس فيه تقديم، بل هو نقل خلاف على وجه الإطلاق.
(قيل: هو من كلام الجلود، وقيل: هو من كلام الله) وعلى هذا فالقولان لدى المؤلف متساويان، فأيهما أقرب: أن نجعله من كلام الجلود حتى يتصل الكلام بعضه ببعض أو من كلام الله؟ الأول من حيث اللفظ أقرب؛ أن الجلود تقول: ﴿أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾، وتقول لهؤلاء: هو الذي خلقكم أول مرة وإليه ترجعون، لكن القول الثاني أقوم للمعنى؛ يعني أن الله لما بَيَّن أن هؤلاء يُعادَوْن يوم القيامة ويُحاسبون، وتشهد عليهم السمع والأبصار والجلود بيَّنَ عزَّ وجل أنه قادر على الإعادة؛ لأن هؤلاء الذين كذبوا ينكرون البعث فقال: ﴿وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، والقادر على الخلق أول مرة قادر على إعادته واضح؟ دليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم ٢٧]، فهو يقول: هو خلقكم أول مرة، والقادر على ذلك قادر على الإعادة.
وقوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ هذا فيه أيضًا إشارة إلى الحكمة مِنْ خلق الخلق؛ أنهم يبتلون فيُؤمَرون ويُنْهَون، ومآلهم إلى من؟ إلى الله عز وجل يجازيهم بحسب أعمالهم التي كلَّفَهم بها.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾ إلى آخره، هذا هو معنى قول المؤلف: (كالذي بعده) ويش الذي بعده؟ ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾ هذا لا شك أنه من كلام الله، وليس من كلام الجلود.
وقول المؤلف رحمه الله: (وموقعه قريب مما قبله) يعني: موقع هذا الكلام ﴿وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ (قريب مما قبله)، يعني يبين المناسبة مناسبة هذه الجملة لما قبلها؛ (وهو أن القادر على إنشائكم ابتداءً وإعادتكم بعد الموت أحياءً قادر على إنطاق جلودكم وأعضائكم).
(﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾ عن ارتكابكم الفواحش من ﴿أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾ ) يعني: ما كنتم تستخفون في معاصيكم وكفركم وغير ذلك مما يستترون به خوفًا من أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم؛ يعني أن الكفار يستترون أحيانًا بالمعاصي، ليسوا يستترون خوفًا من أن تشهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم؛ لأن هذه الأشياء لا استتار عنها إطلاقًا؛ إذ إنها هي الإنسان، ولا يمكن الاستتار عنها، وأيضًا هم لا يؤمنون بأنها سوف تشهد عليهم يومًا من الأيام، فصاروا لا يستترون عن هذه الأشياء لوجهين:
الأول: أنه لا انفكاك عنها، وجهه أنها هي مكوناته.
الوجه الثاني: أنه ما كان يطرأ على بالهم يومًا من الأيام أن هذه سوف تشهد عليهم؛ لأنهم ينكرون البعث، وإنكار البعث يستلزم ألا يؤمنوا بأنها تشهد عليهم.
﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ﴾ معنى تستترون (تستَخْفُون)، وقوله: ﴿أَنْ يَشْهَدَ﴾ هي على تقدير محذوف، التقدير: خوف أن يشهد عليكم سمعكم وأبصاركم إلى آخره.
يقول: (لأنكم لم توقنوا بالبعث) هذا التعليل أضفنا إليه تعليلًا آخر وهو عدم انفكاك جلودهم وسمعهم وأبصارهم.
(﴿وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ﴾ عند استتاركم ﴿أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ ) هذا الذي ظنوه بالله، فظنوا بالله تعالى ظن السوء، وأنهم إذا استتروا عن الخلق استتروا عن الله؛ ولهذا قال: ﴿كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ الكثير الثاني ما يفعلونه علانية ولا يهتمون به.
(﴿وَذَلِكُمْ﴾ مبتدأ ﴿ظَنُّكُمُ﴾ بدل منه ﴿الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ﴾ نعت، والخبر ﴿أَرْدَاكُمْ﴾ ) المؤلف أعرب الآية على وجه التفصيل؛ ﴿وَذَلِكُمْ﴾ (ذا) اسم إشارة، واللام للبُعْد، والكاف حرف خطاب، وجاءت بالجمع؛ لأن المخاطب جماعة، وهنا يجب عليكم أن تعرفوا أن اسم الإشارة يعود إلى المشار إليه، والكاف تعود إلى المخاطب، فكيف تقول إذا خاطبت ذكرًا تشير إلى شيء مذكر؟
ذلك. وكيف تقول إذا أشرت إلى اثنين مخاطبًا ذكرًا؟
* طالب: ذانك.
* الشيخ: ذانك؛ صح، ذانك؛ لأنك تشير إلى اثنين تخاطب واحد، وماذا تقول إذا أشرت إلى واحد تخاطب اثنين؟
* طالب: ذلكما.
* الشيخ: ذلكما، صح، تشير إلى واحد تخاطب اثنين تقول: ذلكما، وماذا تقول إذا أشرت إلى واحد تخاطب جماعة نساء؟ ذلكن، طيب، تشير إلى واحدة تخاطب جماعة إناث؟
* طالب: ذلكن.
* الشيخ: ذلكن خطأ.
* طالب: تلكما.
* الشيخ: أنت تخاطب جماعة إناث، تشير إلى واحدة تخاطب جماعة إناث؟
* طالب: ذلكن.
* الشيخ: خطأ.
* طالب: تلكما.
* الشيخ: أنت تخاطب جماعة إناث، تشير إلى واحدة تخاطب جماعة إناث.
* طالب: تلكن.
* الشيخ: تلكن، صح؟ تلكن، المهم انتبهوا لهذا، لا يلتبس عليكم المشار إليه في المخاطب، اسم الإشارة يكون بحسب المشار إليه، والكاف بحسب المخاطب، واضح؟ طيب، تشير إلى جماعة مخاطبًا جماعة ذكور؟
* طالب: أولئكم.
* الشيخ: أولئكم في القرآن: ﴿وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ [النساء ٩١]، طيب، تمام، تشير إلى مؤنثتين تخاطب اثنتين؟
* طالب: تانكما.
* الشيخ: تانكما، صح، طيب على كل حال الأمثلة كثيرة، بس تَحَرَّوا الدقة، وهل الأفصحُ في كاف المخاطب في الإشارة أن تكون حسب المخاطب أو أن تكون بالإفراد المذكَّرِ دائمًا، أم بالإفراد المفتوح المذكر للمذكر، والمؤنث للمؤنث؟
أقوال ثلاثة، وكلها لغات؛ يعني: الكاف هل نلزمها طريقةً واحدة بالإفراد والفتح فنقول: ذلك تانك ذانك؟ أو نلزمها الإفراد مع الفتح للمذكر والكسر للمؤنث، هذا وجهان، أو نقول: هي حسب المخاطب المفرد المذكر له كاف مفتوحة، والمفردة المؤنث كاف مكسورة، والمثنى كاف مقرونة بعلامة التثنية، وجماعة النساء كاف مقرونة بنون النسوة، وجماعة الذكور كاف مقرونة بميم الجمع، الأخير هو الأفصح. لكن يجوز الوجهان الآخران.
يقول الله عز وجل: ﴿وَذَلِكُمْ﴾ قال المؤلف: (مبتدأ ﴿ظَنُّكُمُ﴾ بدل منه ﴿الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ﴾ نعت، والخبر ﴿أَرْدَاكُمْ﴾ ) يعني معناه أن قوله: ﴿ذَلِكُمْ﴾ وما عطف عليها أو صار صفةً لها في مقام المبتدأ، و﴿أَرْدَاكُمْ﴾ في مقام الخبر، هل يمكن احتمال وجه آخر؟ نعم، يمكن، يمكن أن نجعل (ذا) مبتدأ و﴿ظَنُّكُمُ﴾ خبره، و﴿أَرْدَاكُمْ﴾ خبر ثانٍ، وهذا الوجه أقوى في المعنى؛ يعني: ذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم؛ يعني: لم تظنوا به سواه، وأنه لن يعيدكم، ثم أخبر عن هذا الظن خبرًا آخر، فقال: ﴿أَرْدَاكُمْ﴾، فهذا المعنى أقوى من قول المؤلف رحمه الله تعالى أن ﴿ظَنُّكُمُ﴾ بدل من ﴿ذَلِكُمْ﴾، وأن ﴿الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ﴾ نعت له، وأن ﴿أَرْدَاكُمْ﴾ خبر له.
﴿ذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ﴾ وهو الله عز وجل وأضاف الربوبية إليهم؛ لأنهم يُقِرُّون بربوبية الله لا ينكرونها ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ [المؤمنون ٨٦، ٨٧]، وفي قراءة أخرى سبعية ﴿﴿سَيَقُولُونَ اللَّهَ﴾ ﴾.
﴿أَرْدَاكُمْ﴾ يعني: أهلككم ﴿فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ﴿فَأَصْبَحْتُمْ﴾ أي: صرتم من الخاسرين، وهنا أصبح لو نظرنا إلى مجرد لفظها لكانت دالةً على الإصلاح، لكنها تُسْتَعمل في اللغة العربية بمعنى الصيرورة تقول: أصبح لا يعلم شيئًا، أي: صار لا يعلم شيئًا.
وهنا ﴿أَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ليس المعنى دخلتم في الصباح خاسرين، ولكن المعنى: صِرْتُمْ من الخاسرين، والخاسر ضد الرابح، وإنما قال: ﴿مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ لأن هؤلاء الذين أنكروا البعث خسروا الدنيا والآخرة في الواقع؛ فدنياهم لم تنفعهم، وهم في الآخرة في النار، وهذا غاية الخسران.
(﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا﴾ على العذاب ﴿فَالنَّارُ مَثْوًى﴾ مأوى ﴿لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا﴾ يطلبوا العُتْبى أي: الرضا ﴿فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ من المرضيين).
انتبهوا لهذا الوعيد الشديد ﴿إِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ لم يقل: إن يصبروا فلينتظروا الفرج، بل قال: ﴿فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ أي: ليس لهم إلا النار، وهذا كقوله تعالى: ﴿اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الطور ١٦] العذاب سوى عذاب الآخرة ينتظر الفرج له؛ لأن دوام الحال من المحال، فإذا صبر الإنسان على البلاء فالنهاية الزوال، لكن في الآخرة إن يصبروا فلن يسلموا من العذاب، فالنار مثوًى لهم، وهي مثوًى لهم قبل الصبر وبعد الصبر، لكن هذا من باب التيئيس لهم، وأن صبرَهم لا يفيدهم شيئًا، ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا﴾ أي: يطلبوا العتبى أي الرضا.
﴿فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ لأنهم يَسْأَلون الله تعالى؛ يقولون: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون ١٠٧]، والجواب: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون ١٠٨]، لكن في الدنيا لو طلبوا العتبى وتابوا إلى الله لحصل لهم ذلك، لكن في الآخرة قد فات الأوان.
وقوله: ﴿فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ أي: مأوى، وكل إنسان مأواه النار، فلا حظَّ له في الجنة.
* في الآيات هذه فوائِد: أولًا: إثبات حقيقة النار؛ لقوله: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ﴾.
* ومن فوائدِها: إثبات أعداء لله كما أن له أولياء، وعدو الله عز وجل مَنْ كان كافرًا فاجرًا.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أهل النار -والعياذ بالله- يُساقون إلى النار أوزاعًا أي: متفرقين أُمَمًا؛ لقوله: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾.
* ومن فوائد الآية التي بعدها: إثبات حقيقة النار، وأن هؤلاء يصلون إليها حقيقة؛ لقوله: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا﴾.
* ومِن فوائدها: دخول التوكيد في كلام الله عز وجل؛ لقوله: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا﴾؛ لأننا قلنا: (ما) زائدة، لكنها للتوكيد.
فإن قال قائل: كلام الله عز وجل مُؤَكَّد بدون أداة توكيد، فما الفائدة من أن الله تعالى يأتي كثيرًا في كلامه بأدوات التوكيد؟
فالجواب: القرآن لا شك أنه مؤكد، وأن أخباره لا تحتاج إلى توكيد، لكن القرآن نزل بلسان عربي مبين، واللسان العربي يقتضي أن يكون الكلام الهام مؤكَّدًا بأنواع من التأكيدات، واضح؟ إذن تأكيد ما يؤكد في القرآن دليل على بلوغ القرآن الفصاحة في أعلى معانيها في أنه مُتَمَشٍّ على أيش؟ على قواعد اللغة العربية الفصحى.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات النطق للسمع والبصر والجلود؛ لقوله: ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ﴾، والشهادة تكون بالنطق، وقد تكون بغير النطق، لكنها في الأصل بالنطق، ولذلك ﴿قَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أعضاء الإنسان تكون يوم القيامة خصومًا له، وجه ذلك أن هؤلاء أنكروا على سمعهم وأبصارهم وجلودهم أن شهدوا عليهم، وما ظنك -أيها الأخ- بأعضاء تكون يوم القيامة خصومًا لك؟! يعني يتفرع على هذه الفائدة فائدة؛ أن الواجب على الإنسان أن يرعى هذه الأعضاء حق رعايتها وألا يورِّطَها فيما تكون خصمًا له به يوم القيامة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الأعضاء منفردةً تعرف ربها عز وجل؛ لقولها: ﴿أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾.
* ومن فوائدِها: عموم قدرة الله تعالى؛ لقوله: ﴿أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾.
* ومِن فوائدها: أن ابتداء الخلق من الله لم يشرك أحد رب العالمين في الخلق لا أم ولا أب ولا سلطان ولا رئيس ولا وزير، المنفرد بالخلق هو الله عز وجل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز استعمال الأدلة العقلية، من أين تؤخذ؟ من استدلال الله تعالى بالمَبْدَأ على المعاد، فإن هذا دليل عقلي.
فإن قال قائل: وهل تُقَدَّم الأدلة العقلية على الأدلة السمعية؟
فالجواب: لا؛ لأن العقل قد يخطئ فيظن الإنسان أن هذا عقلٌ وليس بعقل، وأما الأدلة السمعية الثابتة عن الله ورسوله فهذه لا تخطئ، ولهذا أخطأ مَنِ استعمل العقل، بل قدَّمه على السمع والنقل فيما يتعلق بالله واليوم الآخر، وحَكَمُوا بعقولهم القاصرة على أمور الغيب استحالةً أو وجوبًا أو جوازًا، وأعرضوا عن نصوص الكتاب والسنة، ومن هؤلاء جميع المتكلمين من الأشاعرة، والمعتزلة، والجهمية، وغيرهم حيث جعلوا التلقي فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته على الاعتماد على العقل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الرجوع إلى الله عزَّ وجل، فاستعدَّ لهذا الرجوع، واعلم أنك ملاقٍ ربَّك، ولكن أبشر إن كنت مؤمنًا، قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة ٢٢٣]، يعني: لا يخاف المؤمن من هذه الملاقاة، بل له البَشارة في الدنيا قبل الآخرة، لكن حقيقة هذه البشارة للمؤمن خاصة. ويأتي -إن شاء الله- بقية الكلام على الفوائد.
* طالب: شيخ، هل عموم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ ينطبق على قول الصحابة أن الطعام كان يُسَبِّح بين أيديهم، ﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء ٤٤] بأن يكون سبح، ولكن لم يعلموا تسبيحهم إلا بإخبار النبي صلي الله عليه وسلم لهم، أو أنه سبَّح حقيقة يفهمه أيُّ واحد؟
* الشيخ: ظاهر النصوص أن يسبح حقيقة، لكن التسبيح ﴿لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ باعتبار المجموع، لا باعتبار كل فرد، فإنَّ مِنَ الأشياء ما نسمع تسبيحه، يسبح تمامًا ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾ [ص ١٨]، فالظاهر أنها تُرَدِّد، كما قال تعالى: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ [سبأ ١٠].
* الطالب: يا شيخ، نكمل السؤال: هل التسبيح كما نعرفه نحن أو خاصٌّ بهم بأن بعضهم..؟
* الشيخ: لا، تقول: سبحان الله.
* الطالب: بعضهم قال: صوت غدير الماء هو تسبيحه؟
* الشيخ: لا، خطأ، صوت خرير الماء ليس صوت تسبيح، هذا طبيعي، فهل نقول: حركة الإنسان بالأرض إذا وَطِئَتْ أقدامُه الأرضَ وسُمِعَ لها صوت، هل هذا تسبيح؟!
* طالب: شيخ -أحسن الله إليك- فسَّرْنا ﴿يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [الجاثية ٣٥] بمعنى الرضا، إذا فسر بالرجوع إلى الدنيا..
طالب: شيخ أحسن الله إليك، فسرنا (يستعتبون) بمعنى الرضا، إذا فسر بالرجوع من الدنيا؟
* الشيخ: أيهن؟
* الطالب: يستعتبون.
* الشيخ: الاستعتاب: طلَبُ العُتْبَى، والعتبى معناه: قبول العذر والرِّضا، فالمؤلف فسَّرَها بالنهاية؛ بالغاية التي هي الرضا؛ لأن الإنسان إذا استعتَب وقُبِل عذره رضِي عنه المُستَعْتَب.
* طالب: شيخ أحسن الله إليك، الله عز وجل إذا أخبر عن نفسه في القرآن يقول: قال الله، قال الله، ويرد هذا كثيرًا في القرآن، أليس الأفضل في اللغة أن يقول: (قل) إذا أراد أن يخبر عن نفسه؟
* الشيخ: لا، هذا يعني له أحوال، لكن يقول العلماء: إن المتكلم إذا عبَّر عن نفسِه بصِيغة الغائب فهذا دليل على العظمة والتعظيم، ففرْقٌ بين أن يقولَ المِلك مِلك الدنيا: إن الملك يأمرُكم أن تفعَلوا كذا، أو يقول: إني آمركم. الأول أعظم في التفخيم، وهذه من قاعدة البلاغة: تعبير المخاطب عن نفسه بصيغة الغائب يدل على التعظيم، لا سيما إذا كان بوصفٍ يقتضي ذلك.
* طالب: العذاب الواقع على الأعضاء هل تحس به نفس الأعضاء ولا صاحبها بسبب أنه كان (...)؟
* الشيخ: لا، الواقع أن العذاب على أهل النار واقِع على كُلِّ البدن، ولهذا قال الله تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء ٥٦]، لكن هم يتعَجَّبُون ويُوَبِّخُون السمع والأبصار والجلود: لِمَ شهدتم علينا ونحن نجادِل عنكم؟!
* * *
* طالب: ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٧) ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (٢٨) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾ [فصلت ٢٧ - ٢٩].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿