تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
حَتَّىٰٓ إِذَا مَا جَآءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَـٰرُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ ﴿٢٠﴾
حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ﴾ إلى آخره [فصلت: ٢٠].
﴿حَتَّى إِذَا مَا﴾ قال المؤلف: (زائدة) يعني كلمة ﴿مَا﴾ زائدة؛ لأنها وقعت بعد (إذا)، وكلما وقعت (ما) بعد (إذا) فهي زائدة، وعليك بحفظ البيت:
يَا طَالِبًا خُذْ فائِدَه ∗∗∗ (مَا) بَعْدَ (إِذَا) زَائِدَه
﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا﴾ يقول: ﴿مَا﴾ زائدة ﴿جَاءُوهَا﴾ أي: وصلوا إليها ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قبل أن يدخلوها تُستَشْهد عليهم هذه الجوارح حتى يدخلوا وهم موقنون أنهم عُوملوا بالعدل والإنصاف، يشهد عليهم سمعُهم هل يشهد بما سمعوا من اللغو والكلام المُحَرَّم أو يشهد السمع بجميع الأعمال؟
يحتمل وجهين: إما أن يكون المعنى: شهد عليهم سمعُهم بما سمعوا من الباطل، وأبصارهم بما شاهدوا من الباطل، وجلودهم بما لمسوا من الباطل، أو أن هذه الأعضاء تشهد على كل عَمَلٍ عملوه، يحتمل هذا وهذا، والثاني أعظم: أن يكون السمع يشهد بما حصل عن طريقه، وبما حصل عن طريق البصر، وبما حصل عن طريق اللمس، هذا أعظم مما لو شهد بما حصل منه فقط.
﴿سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وهل هذا بعد إنكارٍ أو للتحقيق والتوكيد؟ ليس في الآية ما يدل على ذلك، لكن قيل: إن هذه الأعضاء ﴿وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ﴾ [النور ٢٤] كما في آية أخرى إنما يكون بعد إنكارهم أن يكونوا أشركوا، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام ٢٣].
وقوله: ﴿جُلُودِهِمْ﴾ بما مَسَّتْ وهي أعم من شهادة السمع والبصر؛ لأنه يدخل في ذلك اليد والرجل والشم وغير ذلك، كل هذا عن طريق الملامسة.
﴿