تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَآءُ ٱللَّهِ إِلَى ٱلنَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ﴿١٩﴾
قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ ﴿يُحْشَرُ﴾ فيها قراءتان: ﴿يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ﴾ وعلى هذه القراءة يكون الفعل مبنيًّا لما لم يُسَمَّ فاعلُه، وكلما رأيت فعلًا مضارعًا مضموم الأول مفتوح ما قبل الآخر فهو مَبْنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعلُه، فإن رأيتَهُ مضمومَ الأوَّلِ فقط، فهل يكون مبنيًّا لما لم يُسَمَّ فاعلُه أو لا؟ لا؛ لأن المضارع من الرباعي يكون مضمومَ الأوَّلِ، مثل يُقدِم الرجل، يُكرِم الرجل، وما أشبه ذلك، إذن هذا اللفظ إحدى القراءتين ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ﴾، وعلى هذا فيكون ﴿يُحْشَرُ﴾ فعلًا مضارعًا مبنيًّا لما لم يُسَمَّ فاعلُه، ولاحظ أن قولَنا: لما لم يُسَمَّ فاعله أولى مِنْ قولِنا مبني للمجهول؛ لأنه قد يكون الفاعل معلومًا كقوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٢٨]، مَنِ الخالق؟
* طلبة: الله.
* الشيخ: معلوم ولَّا غير معلوم؟ معلوم، مع أن الفعل مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعلُه، ولهذا التعبير بقولك: (خُلِقَ) فعل ماض مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعلُه أولى من قولك: (خُلِقَ) فعل ماض مبني للمجهول، انتبه لهذا، وكذلك ﴿يُحْشَرُ﴾ فعل مضارع مبني لما لم يُسَمَّ فاعلُه، ﴿أَعْدَاءُ اللَّهِ﴾ ﴿أَعْدَاءُ﴾ نائب فاعل.
طيب، فيها قراءة أخرى ﴿﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ أَعْدَاءَ اللَّهِ﴾ ﴾ أشار إليه المؤلف، ما حاجة إلى تعليقها؛ موجودة في الكتاب ﴿﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ أَعْدَاءَ اللَّهِ﴾ ﴾، وعلى هذه القراءة تكون ﴿﴿نَحْشُرُ﴾ ﴾ فعلًا مضارعًا مبنيًّا للفاعل، والفاعل هنا مستتر، جوازًا أو وجوبًا؟
* طلبة: وجوبًا.
* الشيخ: وجوبًا، طيب، و﴿﴿أَعْدَاءَ﴾ ﴾ مفعول به منصوب، وهنا نذكر: متى يكون الفاعل مستترًا وجوبًا أو مستترًا جوازًا؟
إذا كان تقديره: أنا أو أنت أو نحن فهو مستتر وجوبًا، وإذا كان تقديره: هو أو هي فهو مستتر جوازًا، (أقوم) مستتر، تقديره أنا. (تقوم) تخاطب رجلًا تقول: أنت تقوم. وجوبًا؛ لأن تقديره أنت. (نقوم) وجوبًا؛ لأن تقديره نحن، طيب، (قام)؛ جوازًا؛ لأن تقديره هو، (قامت)؛ جوازًا؛ لأن تقديره هي. (تقوم) أنتم قلتم قبل قليل وجوبًا.
* طالب: إذا كانت (هي) فهو جوازًا.
* الشيخ: إذا كان تتحدث عن امرأة، فقلت: (هند تقوم) فهو مستتر جوازًا؛ لأن التقدير هي، وإذا كنت تخاطب رجلًا فهو مستتر وجوبًا؛ لأن التقدير أنت، إذن هذا الضابط: ما كان تقديره (أنا) أو (نحن) أو (أنت) فهو مستتر وجوبًا، وما كان تقديره: (هو) أو (هي) فهو مستتر جوازًا.
* * *
* طالب: ﴿شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١) وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣) فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ [فصلت ٢١ - ٢٤].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ في قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ﴾ إعراب وهو أن يوم ظرف وكل ظرف لا بد له من متعلق؛ لأن الظرف اسم مفعول فيه فلا بد من فعل، ولهذا قال ناظم الجمل:
لَا بُدَّ للْجَارِّ مِنَ التَّعَلُّقِ ∗∗∗ بِفِعْلٍ اوْ مَعْنَاهُ نَحْوُ مُرْتَقِي
فأين العاملُ في ﴿يَوْمَ﴾؟ العامل في ﴿يَوْمَ﴾ محذوف، التقدير: كما قال المؤلف: (﴿وَ﴾ اذكر ﴿يَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ﴾ )، و﴿يُحْشَرُ﴾ بمعنى يُجْمَع ويساق، وفيها قراءتان: (بالياء والنون المفتوحة وضم الشين وفتح الهمزة) لم يُكْمِل المؤلف -في الواقع- القراءة الثانية.
﴿يُحْشَرُ﴾ فيها قراءتان:
الأولى: ضم الياء وفتح الشين ﴿يُحْشَرُ﴾، وعلى هذه القراءة يجب أن تكون ﴿أَعْدَاءُ﴾ مرفوعة على أنها نائب فاعل.
القراءة الثانية: بفتح النون ﴿﴿نَحْشُرُ﴾ ﴾ وضم الشين، وعلى هذه القراءة يجب أن تكون ﴿أَعْدَاءُ﴾ منصوبة على أنها مفعول به، ﴿﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ أَعْدَاءَ اللَّهِ﴾ ﴾، وهنا نسأل: هل القراءتان اللتان تكونان في القرآن الذي بين أيدينا هل هما الحروف السبعة أو سواها؟
الجواب: أنها سوى الحروف السبعة؛ الحروف السبعة الآن غير معلومة؛ لأنه قضي عليها بتوحيد المصحف في عهد عثمان رضي الله عنه، لكن القراءات السبع الموجودة في حرف واحد وهو حرف قريش الذي توحدت المصاحف عليه في عهد عثمان رضي الله عنه، وعلى هذا فلا حاجة إلى التفتيش والتنقيب عن الحروف السبعة في وقتنا هذا؛ لأنها انتهت، قضي عليها.
قال: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ فمَنْ أعداء الله؟ أعداء الله يمكن أن نعرفهم بمعرفة أولياء الله، وأولياء الله تعالى قال الله في بيانهم: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس ٦٢، ٦٣] ضد الإيمان الكفر، وضد التقوى المعاصي والفسوق؛ فأعداء الله إذن هم الكفار والفَسَقة.
يحشرون إلى النار، أي: يساقون إليها ويُجْمَعون إليها.
﴿إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ يقول المؤلف: (يُساقُون)، ولها معنًى آخر أيضًا: يُساقون بالتوزيع، يعني: أنهم طوائف وأمم، كلما دخلت أمة لعنت أختها، فهم يوزعون بالسياق أي يُساقون، ويوزعون أيضًا بالتفريق، كل أمة وحدها، ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾.
﴿