×

فصلت

الآية ١

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ حمٓ ﴿١﴾

الطالب: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [فصلت ١ - ٤]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قبل أن نبدأ درس اليوم نرجع إلى الدرس الماضي مِن أجل أن نُكمل الفوائد، وصلنا إلى: ثم قال تبارك وتعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، البسملة تقدَّم الكلام عليها كثيرًا وبيَّنَّا أنها آيةٌ مِن كتاب الله، ولكنَّها ليست آيةً تابعة للسورة التي بعدها ولا التي قبلها، بل هي آية يؤتى بها لابتداء السور ما عدا سورة براءة، أمَّا معناها فإنَّ الإنسان يقول: أبتدئ بكلِّ اسمٍ من أسماء الله، وإنما جعلنا المعنى بكل اسم من أسماء الله؛ لأن اسم مفرد مضاف، والمفرد المضاف يفيد العموم، كل مفرد مضاف إلى معرفة فإنه يفيد العموم، ألم تروا إلى قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل ١٨]؟ ﴿نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ لو نظرنا إلى لفظِها لقلنا: إنها واحدة لكنَّها كثيرة لا تُحصَى، فيكون هذا المفرد الذي أُضِيف يكون للعموم وهذه هي القاعدة: (كل مفرد مضاف لمعرفة فإنه مُفيدٌ للعموم)؛ ولهذا قلنا: بكل اسم من أسماء الله. و(الرحمن الرحيم) صفتان للفظ الجلالة، لكن الأولى رُوعي فيها الوصْف والثانية رُوعِي فيها الفعل وهو إيصال الرحمة، أمَّا متعَلَّق هذا الجار والمجرور فإنه محذوف، ويُقدَّر مؤخَّرًا مناسبًا للمقام، فإذا كنت تريد أن تقرأ فقلت: بسم الله الرحمن الرحيم، قدِّر: أقرأ، وإنما اختير ذلك؛ أي: اختير أن يكون فعلًا؛ لأن الأصلَ في العمل الأفعال؛ ولهذا يعمَلُ الفعل بلا شرط، والأسماء التي تعمل عمل الفعل لا بد لها من شروط كما هو معروف في علم النحو، وإنما اخترنا أن يكون متأخِّرًا لفائدتين: الفائدة الأولى: تيَمُّنًا بذكر اسم الله، والفائدة الثانية: إرادة الحصر؛ لأنَّه إذا تأخر العامل كان ذلك حصرًا، فإذا قلت: زيدًا أكرِم. المعنى: لا تُكْرم غيره، لكن لو قلت: أكرم زيدًا؛ لم يمتنع أن تكرم غيره. إذن أخَّرناه لفائدتين؛ الفائدة الأولى: تيمنًا بذكر اسم الله عز وجل، والثاني: إفادة الحصر، وقدَّرناه مناسبًا؛ لأنَّه أبيَنُ للمقصود. فلو قال قائل: باسم الله أبتدئ، قلنا: صحيح، لكن لا تُبيِّنُ المراد كما تبيِّنُه (باسم الله أقرأ)؛ وذلك لأنَّ الابتداء يكون للقراءة ولغير القراءة؛ فلهذا اختير أن يكون مناسبًا للمقام، والخلاصة الآن: أين متعَلَّق الجار والمجرور؟ نقول: هو محذوف، فعل مُتَأَخِّر مناسب للمقام. قال الله تعالى: ﴿حم﴾. وقال المفسر: (الله أعلم بمراده به) وهذا هو الأدب مع كتاب الله وسُنَّة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنَّ الذي لا تعرِف معناه قُل: الله أعلم بمراده به؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء ٣٦]. ولكن قد يقول قائل: إننا نعلم أنَّه لا معنى لهذه الحروف الهجائية التي توجد في كثير من السور، نعلم ذلك بدَلَالة القرآن، فقد قال الله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء ١٩٣ - ١٩٥]، واللسانُ العربي لا يكون التعبير بمثل هذه الحروف له معنى في حدِّ ذاته لو قلت: (أ، ب، ج، ح، خ) ما لها معنى، فإذا لم يكن لها معنًى بمقتضى اللسان العربي قلنا: إن قوله: ﴿حم﴾ و﴿الم﴾ [البقرة ١] و﴿الر﴾ [يونس ١] وما أشبهها ليس لها معنى في حدِّ ذاتها، يرِدُ على هذا إذا لم يكن لها معنى صارت لغوًا، وكلام الله تعالى لا لغوَ فيه. فيُقال: إنها ليست لغوًا وإنما المراد إقامة الحجة على أولئك المشركين حيث عجَزُوا عن الإتيان بمثل القرآن ولا بآيَةٍ واحدة عجَزُوا مع أنَّ هذا القرآن هل أتَى بحرُوف لا يعرفونَها حتى يعتذروا ويقولوا: إنه جاء بحروف ليست معروفة لنا؟ الجواب: لا، القرآن جاء بحروفٍ يعرفونها. قال شيخ الإسلام رحمه الله: ولذلك لا تكاد ترى سورةً مبدوءةً بهذه الحروف إلا وبعدَها ذِكْرُ القرآن، وابْدأ مِن أول البقرة إلى أن تأتي إلى آخر السور المبدوءة بهذه الحروف، تجِد أنَّ بعدَها ذكرُ القرآن إشارةً إلى أنَّ هذا القرآن الذي أعجزَكم معشرَ العرب كان مِن هذه الحروف التي تُكَوِّنُون منها كلامَكم، وهذا الذي ذهب إليه شيخ الإسلام رحمه الله واضِح جدًّا، وأما القول بأنَّه ليس لها معنى فقد قاله مجاهد بن جَبْر أعلمُ التابعين بكتاب الله عز وجل. قال: ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ [فصلت ٢، ٣] قال المؤلف رحمه الله المفَسِّر: (﴿تَنْزِيلٌ﴾ مبتدأ، ﴿كِتَابٌ﴾ خبرُه) ولو قيل بالعكس لكان أوضح، لو قيل: (كتابٌ فُصِّلت آياته تنزيلٌ من الرحمن الرحيم)؛ لأنه يُخبَر بالمعنى عن الذات، ولا يُخبَر بالذات عن المعنى، هذا الأصل، فتقول: زيد قائم. (قائم) خبر، ولا تقول: (زيد) خبر، لكنَّ ما ذهب إليه المؤلف مِن الإعراب له وجه؛ يعني ليس باطلًا لكن لو قيل: إن ﴿تَنْزِيلٌ﴾ هو الخبر مقدَّم، و﴿كِتَابٌ﴾ مبتدأ مؤخر لكان أوضَح وأبيَن. ﴿