تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
تَنزِيلٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ ﴿٢﴾
كِتَـٰبٌ فُصِّلَتْ ءَايَـٰتُهُۥ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴿٣﴾
تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ مَنْ يعني به؟ يعني به الربَّ عز وجل؛ أي: تنزيلٌ مِن الله الرحمن الرحيم لكنَّه أتى بهذَيْن الاسمين الكريمين إشارةً إلى أنَّ القرآن رحمة؛ لأنَّ إنزالَه مِن مقتضى رحمة الله عز وجل، أليس من الممكن أن يقال: تنزيلٌ من الله؟ كما جاء في آية أخرى لكنَّه قال: ﴿مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إشارة إلى أنَّ هذا القرآن نزَل بمقتضى رحمة الله عز وجل، وأنَّ الله رحِمَ به العباد. و(الرحمن) (الرحيم) اسمان من أسماء الله، مِن أشرف أسماء الله عز وجل، ويأتِيان مقتِرِنَين، ويأتِيان منفَصِلَيْن بعضهما عن بعض، فإن انفصلا فكلُّ واحد متضَمِّنٌ معنى الآخر، فقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه ٥] هذا منفرد عن ﴿الرَّحِيمِ﴾ فيتضَمَّن الصفة والفعل، أي: أنَّ الله تعالى موصوفٌ بالرحمة الواسعة وهو سبحانه وتعالى يرحَم بهذه الرحمة مَن شاء من عباده.
وفي قوله: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس ١٠٧] أيضًا نقول: الرحيم هنا تشْمَل الوصف والفعل؛ لأنَّها انفردت عن (الرحمن)، أما إذا اجتمع (الرحمن) و(الرحيم) كانت (الرحمن) للصفة، و(الرحيم) للفعل؛ ولهذا جاءت (الرحمن) على وزن (فعْلَان)، وهذا الوزن في اللغة العربية يقتضي الامتِلاء وتمام الوصف الذي كان مُرادًا، فمثلًا يقال: (غضبان) لِمَن امتلَأَ غضبًا، ويقال: (غاضِب) لِمَن كان غضبُه خفيفًا، وكذلك (سكران) للممتلئ سكَرًا، فكلُّ هذا الوزن يفيد الامتلاء والسَّعَة، أما ﴿الرَّحِيمُ﴾ فهي غُلِّب فيها جانب الفعل؛ أي: إيصال الرحمة إلى المرحوم؛ ولهذا جاءت في القرآن الكريم: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب ٤٣]؛ أي قد وصلت رحمتُه إلى المؤمنين على وجهٍ مطلق، أما غير المؤمنين فإنَّه يرحمُهم بالمعنى العام.
خلاصة ما قلنا في ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قلنا: إما أن يُذكر (الرحمن) مع (الرحيم)، أو يفرد أحدهما عن الآخر، فإنْ أُفرِد أحدهما عن الآخر تضمن الثاني، وإن ذُكِرَا جميعًا غُلِّبَ في (الرحمن) جانبُ الصفة، وفي (الرحيم) جانب الفعل.
واعلم أنَّ هذين الاسمين الكريمين يدُلَّان على أنَّ الله تعالى موصوفٌ بالرحمة، كما قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الكهف ٥٨] ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الأنعام ١٣٣]، فالرحْمَة صفتُه، والرحيم اسمُه، وهل هذا الاسم مما يتعَدَّى، أو مِن المصادر اللازمة؟ يتعَدَّى؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [العنكبوت ٢١].
والقاعدة في العقيدة أنَّه إذا كان الاسم لازمًا لا يتعدى فإنه يتضَمَّن أمرين: إثبات الاسم وإثبات الصفة، وإذا كان يتعدى يتضَمَّن ثلاثة أشياء: إثبات الاسم، وإثبات الصفة، وإثبات الفعل، فكلمة (العظيم) اسم من أسماء الله لازم أو متعدٍّ؟ لازم؛ ولهذا يُقال: عَظُم؛ أي صار عظيمًا، الإيمان به يتضَمَّن الإيمان بـ(العظيم) على أنَّه اسمٌ من أسماء الله، ويتضمَّن أيضًا ثبوت العظمة لله عز وجل.
(الرحمن) يتضمن ثلاثة أشياء: يتضمَّن الرحمن اسمًا مِن أسماء الله، والثاني: الرحمة صفةً من صفاته، والثالث: الفعل؛ أي أنَّه يرحم من يشاء، وعلى هذا فقِسْ، فالإيمان بالأسماء نقول: إن كانت متعدية لَزِمَ أن تُؤمِن بالاسم والصفة والفعل، وإن كانت لازمة وجَب أن تُؤمِن بالاسم والصفة، ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾، ﴿كِتَابٌ﴾ فِعَال بمعنى (مَفْعُول) أي: مكتُوب، وبماذا هو مكتوب؟ نقول: مكتوبٌ في اللوح المحفوظ، مكتوب في الصُّحَف التي بأيدي الملائكة، مكتُوبٌ بالصحف التي بأيدينا، أما الأول فدليلُه قوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج ٢١، ٢٢]، وأما الثاني فدليله قوله تعالى: ﴿مَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس ١٢ - ١٦].
وأما الثالث فواضح، فكلُّ ما جاءَ من (كتاب) فهو يتضمَّن هذه المعاني الثلاثة: كتاب؛ أي مكتوب في ماذا؟ في اللوح المحفوظ، في الصحف التي بأيدي الملائكة، في الصحف التي بأيدينا.
(﴿فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ بُيِّنَت الأحكام والقصص والمواعظ) التفْصيل ضد الإجمال؛ يعني أنَّ آيات القرآن مُفصَّلة لكنها تأتي أحيانًا مُجملة، وتأتي أحيانًا مُفصَّلة، وإذا فُصِّلَ المجمل صار الجميعُ مفصَّلًا.
وقوله: ﴿آيَاتُهُ﴾ جمع (آية)، والآية في القرآن هي كل ما فُصِلَ بينها وبين ما سبقَها ولحِقَها بفاصل؛ ولهذا تسمعون كلام العلماء، يقولون: فواصل الآيات؛ يعني الأماكن التي يُفصَل فيها الآية عما قبلَها وعما بعدها، وهي -أعني الآيات الكريمة- منها ما هو طويل، ومنها ما هو قصير، ومنها ما هو متوسط، فأطولُ آية في كتاب الله آية الدَّيْن ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ [البقرة ٢٨٢]، وأقصر آية ﴿طه﴾ [طه ١]، لكن هذه مِن الحروف التي ليس لها معنى كما قرَّرْنا.
نشوف ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ [المدثر ٢١] و﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ [الرحمن ٦٤] أيهما أكثَر حروفًا؟ ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ ستة أحرف الميم المشددة عن اثنين ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾؟
* طلبة: ثمانية يا شيخ.
* طلبة آخرون: تسعة.
* الشيخ: إذن أيُّهما أكثر؟ الستة أو الثمانية؟ إذن ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ أقصر آية في كتاب الله، والباقي متوسط، منه ما يميل إلى الطول، ومنه ما يميل إلى القصر، والسُّنة في الآيات أن تقرأها حسب ما فُصِّلت، هذه السنة فتقرأ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة ٢ - ٧] كم الآيات؟ سبع آيات تقرأها كذا مُفَصَّلَة، وإن أدرجْتَ فلا بأس؛ لأنَّه لم يرد النهي عن ذلك إلا أنَّه لا ينبغي للإنسان أن يَهُذَّ القرآن هَذًّا تخفَى معه الحروف، بل قد يحرُم عليه إذا لَزِم أن تخفَى بعضُ الحروف، أما الهذُّ الذي يستكمل فيه الإنسان الحروف فلا بأس، لكن الأفضل الوقوف على كل آية، وهنا نسأل الأخ: هل تقف على قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون ٤]؟ ما هي بآية؟
* طالب: لكن ليست بالوصل.
* الشيخ: ليش؟ ما هو قلنا: الأفضل أن تقف على كل آية؟
* طالب: (...) المصلين الذين هم عن صلاتهم.
* الشيخ: لكن لو وقفت؟
* طالب: يختلف المعنى (...) الوعيد للمصلين جميعًا.
* الشيخ: ماذا تقولون أنتم؟ هل يقف أو لا يقف؟
* طلبة: يقف.
* الشيخ: يقف يا إخوان، يقف؛ لأنها آية؛ لأنَّ الله عز وجل هو الذي أنزله، وجعل هذه آية منفصِلة عن الأخرى، وربما يكون في الوقوف على الآية دقُّ إسْفِينٍ على القلب حتى يندهش: كيف ويل للمصلين؟ فيترقَّب المعنى الذي يُوَضِّح ذلك فتقول: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ سيندهش السامع كيف ويل للمصلين فيترقَّب بشغَف المعنى المبَيِّن لهذا، فتأتي ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون ٥] كأنَّها مطر على أرضٍ قاحلة، أليس كذلك؟ إذن نقِف على هذا ولا مانع، أمَّا ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾ [النساء ٤٣] فهذه لا نقف؛ السبب: لأنها ليست رأس آية بل نقول: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾.
إذن ﴿فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ يشمل التفصيل اللفظي والمعنوي؛ فالتفصيل اللفظي: أن الله جعل كل آية مستقلة عن الأخرى، مفصول بعضها عن بعض، والمعنوي: التبيين والإيضاح لما كان مجملًا، ولهذا أشار المؤلف رحمه الله إلى التفصيل المعنوي فقط فقال: (بُيِّنَت بالأحكام والقصص والمواعظ) ولكن ينبغي أن يقال: إنها فُصِّلت من وجهين: لفظي ومعنوي؛ فاللفظي أن كل آية فُصِّلت عن الأخرى، هذا اللفظي، والمعنوي أنها بُيِّنَت، وبُيِّنَ ما أُجمِل منها سواء من الأحكام أو غيرها، ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الانفطار ١٧، ١٨] هذا مُجمَل، فَصَّلَهُ بقوله: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار ١٩]، ﴿الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾ [القارعة ١ - ٣] مُجمل، فَصَّلَه بقوله: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ [القارعة ٤]، فالتفصيل هنا؛ أي: التفصيل المعنوي؛ يعني بيانُ القرآن، أنه بُيِّنَ ووُضِّح حتى لو جاء مجملًا فلا بُدَّ أن يُبَيَّن.
(﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ حالٌ مِن ﴿كِتَابٌ﴾ بصفتِه) مُفَسِّر الجلالين رحمه الله يعني جيِّد جدًّا، قال: (إنَّ ﴿قُرْآنًا﴾ حال)، فكأنَّ إنسانًا أورد عليه: كيف تقول: إنه قرآن والحال وصف، وقرآن ليس وصفًا؟ فقال: بصِفته أين صفَتُه؟
﴿عَرَبِيًّا﴾، ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ يعني لو كانت الآية الكريمة ﴿قُرْآنًا﴾ فقط ما صحَّ أن تكون حالًا؛ لأنَّ الحال لا بد أن تكون مشتَقَّة؛ اسم فاعل، أو اسم مفعول، أو ما أشبه ذلك، وقرآن مشتَق ولَّا غير مُشتَق؟ غير مُشتَق؛ فلهذا قال: إنها (حال مِن ﴿كِتَابٌ﴾ بصفته). إذن (بصفته) عائد على (قرآن) كأنَّه قال: صحَّ أن يكون حالًا؛ لأنَّه موصوف.
فإذا قال قائل: كيف تجعلونه حالًا مِن ﴿كِتَابٌ﴾ و﴿كِتَابٌ﴾ نكرة، وصاحبُ الحال لا بد أن يكون معرِفة؟
قلنا: إنَّ هذه النكرة خُصِّصَتْ في قوله: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ خُصِّصَت بالصفة، والنكرة إذا خُصِّصَت صارت قريبَةً مِن المعرفة؛ فلذلك جازَ وُقُوع الحال منها.
فلدينا الآن إشكالان:
الإشكال الأول: كيف جاءت الحال مِن ﴿كِتَابٌ﴾ وهو نكرة؟ وجوابه: أنَّ كتاب الذي هو النكرة وُصِف بقوله: ﴿فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ وإذا وُصِفَتْ النكرة جازت الحال منها.
الإشكال الثاني: الحال ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ إذا أعرَبْنَا ﴿قُرْآنًا﴾ حالًا، فكيف صَحَّ أن يكون حالًا وليس بمشتق؟ موصوف بمشتق؛ فلذلك جازَت الحال منه.
﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ ومعنى كونه عربِيًّا أوَّلًا: قُرْآن، كلمة قُرْآن على وزن (فُعْلان) كـ(شُكْرَان) و(غُفْرَان)، وما أشبه ذلك، فهل هو بمعنى (قارئ) أو بمعنى (مقرُوء)؟ قيل: إنَّه بمعنى (مقرُوء)، و(مقروء) هل هو من الجمْع أو مِن التلاوة؟ قيل: إنَّه مِن (قَرَى يقرِي) بمعنى (جمَع)، ومنه اسم القرْيَة؛ لأنَّها جامِعَةٌ للناس. وقيل: مِن (قرأ) بمعنى (تَلا)، والصواب أنَّه جائز أن يكون مِن هذا ومن هذا؛ لأنه ما دام اللفظ صالحًا للمعنيين ولا منافاة بينهما فإنه يُحمل عليهما جميعًا، هذا إذا قلنا: إنَّ ﴿قُرْآنًا﴾ بمعنى (مقروء)، ويجوز أن تكون بمعنى اسم الفاعِل (قارئ)، (قُرآن) بمعنى (قارئ) أي: جامِع للأحكام والتوحيد وغير ذلك. أمَّا ﴿عَرَبِيًّا﴾ فهو نسبة للعرب؛ لأنَّه جاء بلغتهم، والله أعلم.
* طالب: أحسن الله إليك (...) عن أبي هريرة أنَّ النبي ﷺ قال: «إذا قرأتم ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فاقرؤوا بسم الله الرحمن الرحيم (...)».
* الشيخ: هذا ليس بصحيح، الحديث هذا ليس بصحيح، ويدل على ذلك حديث أبي هريرة الثابت في الصحيح أن الله تعالى قال: «قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ» -يعني الفاتحة- «فَإِذَا قَالَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قَالَ: حَمِدَنِي عَبْدِي»[[أخرجه مسلم (٣٩٥ / ٣٨) من حديث أبي هريرة.]]. إلى آخر الحديث، فبدأ بقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
ثانيًا: أنَّ الرسول ﷺ كان لا يجهَر بها في القراءة الجهرية على القول الراجح، ولو كانت مِن الفاتحة لجهرَ بها كما يجهَر ببقِيَّة الآيات.
ثالثًا: أن بقية سور القرآن ليست البسملة منها، فنحتاج إلى دليل قوي يبيِّن أنَّها من الفاتحة.
رابعًا: أن قوله تعالى: «قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ». هي نِصف في السياق ونصف في المعنى، ولا يتم ذلك إذا جعلنا البسملة منها، استمع: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هذا لله، ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ لله، ثلاث آيات، ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ للعبد، ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ للعبد، ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ للعبد؛ إذن: ثلاث وثلاث ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، صارت بينهما كما جاء في الحديث «هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ». فصارت ثلاث آيات ونصف منها لله، وثلاث آيات ونصف للعبد، ولو قلنا: إنَّ البسملة منها ما استقام هذا.
خامسًا: أنَّك إذا جعلت البسملة من الفاتحة صارت الآية الأخيرة طويلة لا تتناسَب مع ما قبلها؛ لأنَّها ستكون الآية الأخيرة ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، وهذه لا تتناسب مع قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ أو ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ فهو خلاف البلاغة، فصار عندنا أربعة أوجُه كلُّها تدل على أنَّ البسملة ليست مِن الفاتحة.
* طالب: يا شيخ! بارك الله فيكم، في ذِكْر الأمم السابقة إذا مَر معنا أحدٌ بعينِه من المهلَكين هل يحسُن بالإنسان أن يعني يُلحِقَ به سَب كما أننا نُلحِق مَن ذكرْنا من الصالحين برحمَة أو دُعَاء؟
* الشيخ: لا بأس إذا تيقنا مثلًا تقول: فرعون لعنه الله، ما فيه مانع.
* طالب: ما فيه مانع أم يستحب؟
* الشيخ: لا، الاستحباب أتوَقَّف فيه؛ لقول الرسول: «لَا تَسُبُّوا الْأَمْوَاتَ؛ فَإِنَّهُمْ أَفْضَوا إِلَى مَا قَدَّمُوا»[[أخرجه البخاري (١٣٩٣) من حديث عائشة.]].
* طالب: إذن الأولى «أَنَّ الْمُؤْمِنَ لَيْسَ بِاللَّعَّانِ» يُترك هذا يا شيخ؟
* الشيخ: لا، اللعان للأحياء، أما هذا لعنْتُه؛ لأنَّ الله لعنَه.
* طالب: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ الرحمن ذكر بعض المفسرين أنها أعم من الرحيم؛ فهي تشمل الكفار، أمَّا الرحيم فهي خاصة بالمؤمنين، هل هو صحيح؟
* الشيخ: نعم، هكذا ذكر بعضُهم، قال: (الرحمن) عامة، و(الرحيم) خاصة، لكن ما ذكرْناه أحسَن، وقد نبَّه عليه ابن القيم رحمه الله، أظنُّه في بدائع الفوائد.
* طالب: إذا قلنا: إن القرآن بمعنى (قارِئ) اسم فاعل، فهل ينطبق عليه المعنيان؛ يعني بمعنى الجمع يعني التلاوة كأنه يقص علينا أخبار من سبق (...)؟
* الشيخ: إي، لا، هم ذكروا أنَّ قارئ بمعنى جامع فقط؛ لأنه حقِيقَةً أن القرآن ما هو بينطق، ويقرأ نفسه لكنه مقروء من جهة التلاوة.
* طالب: الآيات اللي وردت في القرآن على سبيل المثال يعني مثل: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران ١٤٠] صحيح ورد نهي عن استعمالها في غير مكانها؟
* الشيخ: لا، الاستشهاد بها لا بأس به.
* طالب: (...) في غير مكانها.
* الشيخ: إي نعم، أما أن تجعَل القرآن بدلًا عن الكلام فهذا حرام؛ ولهذا ذكَر صاحب جواهر الأدب قصة عنونَها بقوله: المتكَلِّمة بالقرآن الكريم بدلًا عن الكلام، وجاب قصة امرأة تُخاطِب أولادها بالقرآن، إذا قالت: تغدون قالت: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا﴾ [الكهف ٦٢] وإذا أمرتهم يشترون حاجة من السوق قالت: ﴿ابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ [الكهف ١٩] وأشبَه ذلك.
ثم قال في آخر القصة: هذه امرأة لها كذا من السنين تتكَلم بالقرآن مخافةَ أن تزِلَّ فيغضَب عليها الرحمن. والواقع أنها زلَّتْ تمامًا، تجعل آيات القرآن الكريم تُنَزِّلها على أغراضها الخاصة؛ هذا لا يجوز، أما الاستشهاد بالقرآن مثل أن ترى رجلًا مفتونًا في الدنيا تقول: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [الكهف ٤٦] هذا لا بأس به، وقد جاء في الحديث أن الرسول عليه الصلاة والسلام لَمَّا رأى الحسن والحسين وهما يعثران بثوبٍ جديد لهما نزَل فأخذهما وقال: «صَدَقَ اللَّهُ» ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن ١٥]«»[[أخرجه أبو داود (١١٠٩)، والترمذي (٣٧٧٤)، والنسائي (١٤١٣)، وابن ماجه (٣٦٠٠) من حديث بريدة بن الحصيب.]].
* * *
* الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣)