تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَـٰنُهُمْ لَمَّا رَأَوْا۟ بَأْسَنَا ۖ سُنَّتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِى قَدْ خَلَتْ فِى عِبَادِهِۦ ۖ وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلْكَـٰفِرُونَ ﴿٨٥﴾
فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر ٨٥] أي حين رأوا بأسنا، الثاني: بمعنى إلا مثل؟
* طالب: ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾.
* الشيخ: آية أخرى؟
* طالب: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾.
* الشيخ: شرطية مثل؟
* طالب: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [غافر ٨٤].
* الشيخ: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾. صح، وكذلك: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾. تأتي جازمة، مثاله؟ ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ وهي للنفي أيضًا، جازمة ونافية؛ لكن الفرق بينها وبين (لم) أن (لَمَّا) تفيد قرب مدخولها ﴿لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ ولكن سيذوقونه قريبًا، بخلاف (لم) فتأتي للنفي المطلق.
﴿لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ قال الله تعالى: ﴿سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾ [غافر ٨٥] ﴿سُنَّتَ﴾ يقول المفسر: (نَصْبُه على المصدر بفعل مقدر من لفظه) (سُنَّة) بمعنى طريقة، أي: هذه طريقة الله.
و﴿سُنَّتَ﴾ في مثل هذا التركيب يجوز أن تكون مرفوعة أي سُنَّة الله على أنها خبر مبتدأ محذوف، أي: هذه سُنَّة الله؛ ويجوز أن تكون منصوبة، والمؤلف يقول: (إنها منصوبة بفعل مُقدَّر من لفظه) أي: سَنَّ الله بهم سُنَّته.
﴿سُنَّتَ اللَّهِ﴾ ويجوز أن تكون مصدرًا عامله محذوف لكنه مُقدَّر من الجملة التي قبلها؛ لأن هذه العبارة بمعنى ما قبلها تمامًا؛ يعني ﴿سُنَّتَ اللَّهِ﴾ بمعنى ما قبلها وهي أخذ المكذبين بالعذاب، فتكون منصوبة بمضمون الجملة لا بفعل مُقدَّر، وما ذكره المؤلف رحمه الله وجه لا شك فيه، والمهم أن السُّنَّة بمعنى الطريقة. فما طريقة الله؟ طريقة الله تعالى إهلاك المكذبين وتعذيبهم، وأنهم لو آمنوا بعد نزول العذاب لم ينفعهم.
(﴿الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾ [الفتح ٢٣] في الأمم أن لا ينفعهم الإيمان وقت نزول العذاب) هذه واحدة، والثانية أن يُعذِّب المكذبين، فالسُّنَّة التي استفدناها من هذه الآية شيئان؛ أولًا: إهلاك المكذبين، والثاني: أنه لا ينفعهم إيمانهم إذا رأوا العذاب.
قال: ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر ٨٥] ﴿خَسِرَ﴾ فسرها المؤلف بمعنى: (تبين خسرانهم لكل أحد وهم خاسرون في كل وقت قبل ذلك) ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ معلوم أن (هنالك) ظرف مكان أو زمان؟ مكان، هذا هو الأصل، فهي اسم إشارة إلى المكان، وقد تُستعار إشارة للزمان، فتقول: هنالك أي في ذلك الوقت، ومنه هذه الآية، الآن إذا قلت: فلان هناك، هذا ظرف مكان، وهذا هو الأصل، ولو قلت مثلًا: قدم فلان هناك، تشير إلى الوقت صارت إشارة للزمان لكن هذا خلاف الأصل.
بقي علينا أن يقال: خسر في ذلك الوقت الكافرون، أليس الكافرون خاسرين في كل وقت؟ بلى، لكن تبين خسرانهم وظهر؛ لأنهم كانوا قبل أن ينزل عليهم العذاب يظنون أنهم رابحون؛ ولهذا فرحوا بما عندهم من العلم، لكن إذا نزل بهم العذاب ظهر لهم الخسران.
* من فوائد هذه الآيات: الحث على النظر في أحوال الأمم السابقة، تؤخذ من: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [غافر ٨٢] وجه الدلالة: أن الله وبَّخَهم على عدم السير.
* ومن فوائدها أيضًا: أن السير في الأرض بالقدم إذا لم يصحبه النظر والاعتبار فإنه لا ينفع؛ لقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ ﴿فَيَنْظُرُوا﴾.
* يتفرع على هذا: ما يفعله كثير من الناس اليوم من السير إلى ديار ثمود، حيث يسيرون بأبدانهم لكن لا يسيرون بقلوبهم ولا يعتبرون، بل يذهبون إلى هنالك للاطلاع على مآثر القوم بل على آثار القوم الدالة على قوتهم، وهذا لا يجوز، الواجب على من سار إلى تلك الديار أن يدخلها وهو باكٍ؛ لقول النبي ﷺ: «فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوهَا». ولا ينفع التباكي؛ لقوله: «فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوهَا» »[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٣)، ومسلم (٢٩٨٠/٣٨) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، ولفظه: قال رسول الله ﷺ. ]] . ولم يقل: فتباكوا، إذن من لم يُوطِّن نفسه على هذا الوصف الذي رخص فيه النبي ﷺ في الدخول في ديار ثمود فإنه لا يجوز أن يدخل، وغالب الناس الذين يذهبون الآن إنما يذهبون للفرجة والنزهة فقط، وهذا حرام.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من الأمم من هو أشد قوة وآثارًا مما كانت عليه قريش؛ لقوله: ﴿كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ﴾ [غافر ٨٢].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى لا يُعجِزه قوة العدو ولا كثرة العدو، فإن الله تعالى أهلكهم مع كثرتهم وقوتهم.
وهل الله عز وجل إذا أراد إهلاكهم يكون إهلاكهم ممتدًّا لمدة من الزمن حتى يقضي عليهم؟ لا، قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ [القمر ٣١] ﴿الْمُحْتَظِرِ﴾ يعني الذي أحاط أرضه بحِظار، والحِظَار -كما تعرفون- مركب من أعواد خفيفة أو من سعف النخل، وتأكله الشمس والهواء بسرعة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن قوة الإنسان، وكثرة عدده لا تغني عنه شيئًا من عذاب الله؛ لقوله الله تعالى: ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الحجر ٨٤].
* ومن فوائد هذه الآيات: أن الله سبحانه وتعالى أرسل الرسل بالآيات البينات الدلالة على صدقه.
* ويتفرع على هذا فائدتان أو أكثر، وهما: رحمة الله بالعباد، وحكمة الله تعالى في فعله.
أما رحمة الله بالعباد، فلأن الله تعالى لو أرسل إليهم رسلًا بدون آيات لكان في ذلك تكليف بما لا يُطاق؛ لأن الإنسان لا يُمكن أن يُصدِّق برسول بدون آيات تدل على صدقه، وإلا لأمكن كل كاذب أن يقول: إنه رسول.
وأما الحكمة فظاهر أن الله سبحانه وتعالى لما أرسل الرسل لم يتركهم هملًا بل أعطاهم ما على مِثلِه يؤمن البشر، كما أخبر بذلك نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أَنَّ اللَّهَ مَا بَعَثَ رَسُولًا إِلَّا آتَاهُ مَا يُؤْمِنُ عَلَى مِثْلِهِ الْبَشَرُ». » والذي أُوتيه الرسول عليه الصلاة والسلام هو الوحي القرآن؛ ولهذا قال: «فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٢٧٤)، ومسلم (١٥٢/٢٣٩) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ولفظه: «ما من الأنبياء من نبي إلا قد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحى الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة». ]] ؛ لأن القرآن آية باقية إلى يوم القيامة، أو إلى أن يأذن الله تعالى بفساد العالم، أما آيات الرسل فغالبها تنقضي في زمانها، لكن آية الرسول باقية.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن آيات الرسل بينة لا تحتمل الشك؛ لقوله: (بينات).
* ويتفرع على ذلك: أنه ينبغي للعالم الذي ينشر شريعة الله عز وجل إذا نشرها بين الناس أن يكون نشره إياها على وجه بين لا اشتباه فيه، لماذا؟ أولًا: اقتداءً بالرسل. وثانيًا: ليزداد المخاطب طمأنينة؛ لأن الطمأنينة لها أثر في قبول ما يُلقى، وفي القيام به، فإن الإنسان إذا لم يُبيَّن له الحق على وجه تحصل به الطمأنينة تجده يمشي أو يأخذ بالحق وهو متردد، لكن إذا زِيد طمأنينة؛ انتفع بذلك، أليس كذلك يا أخ؟ ماذا قلت؟
* طالب: النبي لا بد أن يكون له أتباع؟
* الشيخ: النبي؟ لا، ما قلت. هل أنا قلت هذا؟
* طلبة: لا.
* الشيخ: الرسول قال: «وَالنَّبِيُّ وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ».
* الطالب: شيخ، بارك الله فيكم، قلنا: إن الهلاك يكون مرة واحدة، أليس هذا باختلاف الأمم، ففي عاد الله سبحانه وتعالى أرسل عليهم ريحًا صرصرا في أيام نحسات، أم أنهم أرسل عليهم الريح فأهلكتهم، ثم استمرت عليهم؟
* الشيخ: لا، عاد، الله سبحانه وتعالى أمَدَّ لهم في العذاب؛ لأنهم يقولون: مَنْ أشدُّ منا قوة؟ فأرسل الله عليهم الريح التي هي أخف وألطف ما يكون فأهلكتهم.
* الطالب: شيئًا فشيئًا؟
* الشيخ: قال: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة ٧] في هذه المدة، قد يكون بعضهم هلك في أول يوم، بعضهم في ثاني يوم، تبعًا لما يكون من الملاجئ أو غيرها.
* الطالب: هذا مستثنى من العقوبة؟
* الشيخ: لا؛ لأنه أرسل عليهم العقوبة على هذا الشكل.
* الطالب: لكن الفائدة لاحظناها أو لا؟
* الشيخ: لا (...)؛ لأن هذا هو الأصل، ويقال: إن هذه وإن امتدت فهي من حين ابتدأ العذاب هلك من هلك.
* الطالب: ما ورد عن الإمام (...) قال: (...) هل يقال: إنه كان عندهم آلات يصنعون بها هذه الأشياء؟ الآن مع وجود هذه الآلات ما يمكن للإنسان..
* الشيخ: هو يحتمل الآلات، أو يحتمل أنه لكثرتهم كل واحد مسك عملًا ويقوم به، وتعرف أن الإنسان إذا اعتاد على عمل معين ولو كان شاقًّا صار سهلًا عليه.
* الطالب: في آخر السورة قال: ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر ٨٥] يجوز تغيير يعني (...)؟
* الشيخ: الفائدة من هذا أن بيان أن كل كافر فهو مُبطِل، ليس معه حق، وكل مبطل لا يقول إلا الباطل فهو كافر، يعني المبطل في كل أحواله هذا كافر؛ يعني ليس معه شيء من الحق، والكافر مُبطِل ليس معه شيء من الحق أيضًا، فاختلاف التعبير لزيادة المعنى.
كما يكون أيضًا في اختلاف القراءات أحيانًا، كقول الله تعالى: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [النور ٢٧]. وفي قراءة أخرى: تستأذنوا. ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات ٦] في قراءة: ﴿فَتَثَبَّتُوا﴾؛ فتكون القراءة هذه مفسرة للقراءة الثانية.
* الطالب: في رسم القرآن ﴿سُنَّتَ اللَّهِ﴾ [غافر ٨٥] ﴿سُنَّتَ﴾ التاء مفتوحة، وفي سورة الدخان تكون بهاء التأنيث، ما السبب في هذا؟
* الشيخ: أفهمتم سؤاله؟ يقول: ﴿سُنَّتَ﴾ التاء فيها مفتوحة، والقاعدة أنها مربوطة؛ لأنها لمفرد، فيقال: إن الرسم العثماني ليس على القواعد المعروفة الآن، بل هو توقيفي، وقد اختلف العلماء رحمهم الله هل يجب أن يُرسم القرآن بالرسم العثماني، أو لا يجب، أو يفصل بين أن يُلقَّن التلاميذ الصغار أو الكبار على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنه لا يجوز أن يُرسم القرآن إلا بالرسم العثماني على كل حال حتى وإن كنت تعلمه الصبيان، فعلى الرسم العثماني، فتكتب: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء ١٠٣] تكتب (الصلوة) بالواو، حتى وإن كنت تدرس صبيًّا اتباعا للرسم. ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة ٤٣] الصلاة بالواو و(الزكوة) بالواو؛ لأن هذا هو الرسم العثماني.
وقال بعضهم: بل لا يجب؛ لأن الرسم العثماني حين رُسِم المصحف صادف أنه على هذا الوجه، ولو كان الرسم العثماني على غير هذه القاعدة لكُتِب بحسب القاعدة التي كانت في ذلك الوقت؛ فالمسألة ليست توقيفية لكن صادف أن الرسم في ذلك الوقت على هذا الوجه، فرُسِم القرآن عليه؛ وذلك لأن القرآن لم ينزل مكتوبًا حتى نقول: لا بد أن يكون كما كتب بل نزل مقروءًا، وقاعدة الرسم تختلف من حيث لآخر، وهذا القول له وجه قوي؛ لأنا نعلم عِلم اليقين أنه لو كانت قاعدة الرسم على غير هذا الوجه في ذلك العهد لكُتِب بمقتضى القاعدة المعروفة في ذلك العهد.
والقول الثالث يقول: إن كان القرآن مكتوبًا للصبيان للتعلم فاكتبه على القاعدة المعروفة بينهم، وإن كان للكبار، يعني يكتب الإنسان مصحفًا فليكتبه على حسب الرسم العثماني، وهذا فيه جمع بين القولين؛ لأنك لو ترسم القرآن للصبي على حسب الرسم العثماني لَحَرَّفَه؛ لأن القواعد التي بين يديه تُخالف الرسم فيُحرِّفه، فيقرأ مثلًا: الزكاة - الزكوة، الصلاة - الصلوة، الربا - الربو، وهُلم جرًّا، واضح.
فأنا أميل إلى أنه لا بأس أن يُكتب بمقتضى القاعدة الحاضرة بالنسبة للمتعلم لا شك في ذلك، بالنسبة لغيره فيه احتمال ولكن القول بالمنع فيه نظر.
* * *
* الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [فصلت ١ - ٤].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
* من فوائد هذه الآية ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾: بيان حِكمة الله عز وجل ورحمته، وذلك أنه جعل الآيات التي تأتي بها الرسل آيات بينات حتى لا يبقى حجة.
* ومن فوائدها: أن الكفار يفخرون بما عندهم من العِلم، ولو كان باطلًا؛ لقوله: ﴿فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [غافر ٨٣]، وهذا الذي كان فيما سبق موجود الآن، فإن بعض أولئك القوم الذين آتاهم الله من علم الدنيا ما آتاهم تجدهم يفرحون بها، ويقولون: هي خير من عِلم أولئك المقوقعين على أنفسهم، ويعنون بهم علماء الشريعة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: التحذير البالغ من رد ما جاءت به الرسل؛ لقوله: ﴿وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [غافر ٨٣].
ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر ٨٤] إلى آخره.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن أولئك القوم المكذبين للرسل إذا رأوا العذاب قالوا: آمنا، والمثال على ذلك فرعون لما أدركه الغرق قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ [يونس ٩٠].
* ومن فوائدها: أن هؤلاء الذين يؤمنون بعد أن نزل بهم العذاب لا يستفيدون من إيمانهم شيئًا؛ لقوله: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر ٨٥].
ومن فوائد الآية الكريمة: أن سُنَّة الله عز وجل في العباد واحدة، فإنه لا يُحابي أحدًا لغناه أو لفقره أو لغير ذلك، بل إن أكرم الخلق عند الله أتقاهم؛ لقوله: ﴿سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: التحذير من تكذيب الرسل، وأن من كذَّب الرسل فإنه سينالهم ما نالهم من العذاب، أي: ما نال الأمم السابقة من العذاب.
* ومن فوائدها أيضًا: ظهور الخسران لهؤلاء المكذبين قبل أن يموتوا؛ لقوله: ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ﴾ أي: حين جاءهم البأس تبين لهم الخسران ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾.
ثم قال تبارك وتعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إلى آخره، البسملة تقدم الكلام عليها كثيرًا، وبينا أنها آية من كتاب الله، ولكنها ليست آية تابعة للسورة التي بعدها ولا التي قبلها، بل هي آية يُؤتى بها لابتداء السور ما عدا سورة براءة.
أما معناها فإن الإنسان يقول: أبتدئ بكل اسم من أسماء الله، وإنما جعلنا المعنى بكل اسم من أسماء الله؛ لأن (اسم) مفرد مضاف، والمفرد المضاف يفيد العموم، كل مفرد مضاف إلى معرفة فإنه يفيد العموم، ألم تروا إلى قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل ١٨] ﴿نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ لو نظرنا إلى لفظها لقلنا: إنها واحدة لكنها كثيرة لا تُحصى، فيكون هذا المفرد الذي أُضيف يكون للعموم، وهذه هي القاعدة: كل مفرد مضاف لمعرفة فإنه مفيد للعموم؛ ولهذا قلنا: بكل اسم من أسماء الله.
و(الرحمن الرحيم) صفتان للفظ الجلالة، لكن الأولى رُوعِي فيها الوصف، والثانية رُوعِيَ فيها الفعل وهو إيصال الرحمة، أما مُتعلَّق هذا الجار والمجرور فإنه محذوف، ويُقدَّر مؤخرًا مناسبًا للمقام، فإذا كنت تريد أن تقرأ فقلت: بسم الله الرحمن الرحيم؛ قَدِّر أَقْرَأ، وإنما اختير ذلك؛ أي اختير أن يكون فعلًا؛ لأن الأصل في العمل الأفعال، ولهذا يعمل الفعل بلا شرط، والأسماء التي تعمل عمل الفعل لا بد لها من شروط كما هو معروف في علم النحو، وإنما اخترنا أن يكون متأخرًا لفائدتين:
الفائدة الأولى: تيمنًا بذكر اسم الله.
والفائدة الثانية: إرادة الحصر؛ لأنه إذا تأخر العامل كان ذلك حصرًا، فإذا قلت: زيدًا أَكْرِم، المعنى لا تُكْرِم غيره، لكن لو قلت: أكرم زيدًا، لم يمتنع عن تكريم غيره، إذن أخَّرناه لفائدتين: الفائدة الأولى: تيمنًا بذكر الله عز وجل، والثاني؟
* طالب: الحصر.
* الشيخ: إفادة الحصر. وقدَّرناه مناسبًا؛ لأنه أبين المقصود، فلو قال قائل: باسم الله أبتدئ، قلنا: صحيح، لكن لا تبين المراد مثل ما تبينه: باسم الله أقرأ، وذلك لأن الابتداء يكون للقراءة ولغير القراءة؛ ولهذا اختير أن يكون مناسبًا للمقام، والخلاصة الآن أن متعلق الجار والمجرور هو محذوف، فعل، متأخر مناسب للمقام.
قال الله تعالى: ﴿حم﴾ وقال المفسر: (الله أعلم بمراده به)، وهذا هو الأدب مع كتاب الله وسنة رسوله ﷺ أن الذي لا تعرف معناه قل: الله أعلم بمراده به؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء ٣٦].
ولكن قد يقول قائل: إننا نعلم أنه لا معنى لهذه الحروف الهجائية التي تُوجد في كثير من السور، نعلم ذلك بدلالة القرآن، فقد قال الله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء ١٩٣ - ١٩٥].
واللسان العربي لا يكون التعبير بمثل هذه الحروف له معنى في حد ذاته، لو قلت: (أ، ب، ج، ح، خ) ما لها معنى، فإذا لم يكن لها معنى بمقتضى اللسان العربي قلنا: إن قوله: ﴿حم﴾ ﴿والم﴾ ﴿والر﴾ وما أشبهها ليس لها معنى في حد ذاتها.
يرد على هذا إذا لم يكن لها معنى صارت لغوًا، وكلام الله تعالى لا لغو فيه، فيقال: إنها ليست لغوًا، وإنما المراد إقامة الْحُجَّة على أولئك المشركين حيث عجزوا عن الإتيان بمثل القرآن ولا بآية واحدة، عجزوا، مع أن هذا القرآن هل أتى بحروف لا يعرفونها حتى يعتذروا ويقولوا: إنه جاء بحروف ليست معروفة لنا؟ الجواب: لا، القرآن جاء بحروف يعرفونها.
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: (ولذلك لا تكاد ترى سورة مبدوءة بهذه الحروف إلا وبعدها ذكر القرآن) وابدأ من أول البقرة إلى أن تأتي إلى آخر السور المبدوءة بهذه الحروف، تجد أن بعدها ذِكْر القرآن، إشارة إلى أن هذا القرآن الذي أعجزكم معشر العرب كان من هذه الحروف التي تكونون منها كلامكم، وهذا الذي ذهب إليه شيخ الإسلام رحمه الله واضح جدًّا، وأما القول بأنه ليس لها معنى فقد قاله مجاهد بن جبر أعلم التابعين بكتاب الله عز وجل.
قال: ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ [فصلت ٢، ٣] قال المؤلف رحمه الله المفسر: (﴿تَنْزِيلٌ﴾ مبتدأ ﴿كِتَابٌ﴾ خبره) ولو قيل بالعكس لكان أوضح، لو قيل: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾؛ لأنه يُخبَر بالمعنى عن الذات، ولا يُخبَر بالذات عن المعنى، هذا الأصل، فتقول: زيد قائم، (قائم) خبر، ولا تقول: (زيد) خبر، لكن ما ذهب إليه المؤلف من الإعراب له وجه؛ يعني ليس باطلًا، لكن لو قيل إن: ﴿تَنْزِيلٌ﴾ هو الخبر مقدم و﴿كِتَابٌ﴾ مبتدأ مؤخر لكان أوضح وأبين.
﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ مَنْ يعني به؟ يعني به الرب عز وجل؛ أي: تنزيل من الله الرحمن الرحيم، لكنه أتى بهذين الاسمين الكريمين إشارةً إلى أن القرآن رحمة؛ لأن إنزاله من مقتضى رحمة الله عز وجل.
أليس من الممكن أن يقال: تنزيل من الله؟ نعم، كما جاء في آية أخرى لكنه قال: ﴿مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إشارة إلى أن هذا القرآن نَزَلَ بمقتضى رحمة الله عز وجل، وأن الله رَحِمَ به العباد.
و(الرحمن الرحيم) اسمان من أسماء الله، من أشرف أسماء الله عز وجل، ويأتيان مقترنين، ويأتيان منفصلين بعضهما عن بعض، فإن انفصلا فكل واحد متضمن معنى الآخر، فقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه ٥] هذا منفرد عن (الرحيم)، فيتضمن الصفة والفعل، أي أن الله تعالى موصوف بالرحمة الواسعة، وهو سبحانه وتعالى يرحم بهذه الرحمة من شاء من عباده.
وفي قوله: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ أيضًا نقول: ﴿الرَّحِيمُ﴾ هنا تشمل الوصف والفعل؛ لأنها انفردت عن الرحمن، أما إذا اجتمع (الرحمن) و(الرحيم) كانت (الرحمن) للصفة و(الرحيم) للفعل؛ ولهذا جاءت (الرحمن) على وزن (فَعْلَان)، وهذا الوزن في اللغة العربية يقتضي الامتلاء..