×

غافر

الآية ٧٥

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

ذَٰلِكُم بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ ﴿٧٥﴾

ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [غافر ٧٥] إلى آخره. * في هذه الآية الكريمة: إثبات الأسباب يؤخذ من قوله: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ﴾؛ لأن الباء هنا للسببية. واعلم أيضًا أن الناس اختلفوا في الأسباب على ثلاثة أقوال: طرفان ووسط. طرفٌ من الناس أثبتَ الأسبابَ وأنها فاعِلَة بنفسها؛ يعني أنه إذا وُجِد السبب لزم وجود المسبب ولا بد. وطائفة أخرى أنكرت تأثيرَ الأسباب وقالوا: الأسباب لا تؤثر؛ لأنك لو جعلت هذا متأثِّرًا بسبب لأثبتَّ لله شريكًا في الإيجاد، وهذا شرك، إذن هنا طرفان: طرف يثبت الأسباب، وأنها مؤثرة بنفسها بمعنى أنه متى وُجِدَ السبب لزم وجود المسبب فالسبب مُؤَثِّر بذاته. وطائفة أخرى تقول: لا تأثير للأسباب؛ لأنك لو جعلت للأسباب تأثيرًا أشركتَ مع الله حيث جعلتَ موجدًا مع الله عز وجل. الطائفة الثالثة: قالت الأسباب مؤثِّرة لا شك، لكن لا بنفسها لكن بما أودع الله فيها من القُوى التي صارت بها مُؤَثِّرة، هي بنفسها غير مؤثرة، لكن الله تعالى أودع فيها قوى تؤثِّر، ولو شاء الله تعالى لسلب تلك القوى فلم تُؤَثِّر، وهذا قول وسط، وهو مذهب أهل السنة والجماعة، وهو الذي يوافق السَّمع والعقل. أضرب لك مثلًا: رجلٌ رمى زجاجة بحجرٍ فانكسرت؛ مثبتو الأسباب يقولون: الذي كسرها الحجر بذاته. ونافو الأسبابِ يقولون: الحجر لم يكسر الزجاجة، لكن انكسرت الزجاجة عِنْد رميها بالحجر، وليس بالحجر، وإنما الحجر أمارة فقط، أمارة حصل الشيء عندها، وكذلك بقية الأسباب. والوسط يقولون: الحجر كسر الزجاجة فهو السبب بما جعل الله تعالى في الحجر مِنْ قوة، وبما جعل في الزجاجة من قابليَّة تقبل الانكسارَ، وهذا هو الحق. ألقينا في النار ورقًا فاحترق؛ مثبتو الأسباب الذين يقولون: إن الأسباب تؤثر بنفسها يقولون: النار أحرقت الورقة ولا بد، ونافو الأسباب يقولون: إن النار لم تُحْرِقِ الورقة، ولكن احترقت الورقة عند إلقائها في النار لا بالنار، والوسط يقولون: احترقت الورقةُ بالنَّار بما جعل الله تعالى في النار من قوةِ الإحراق، وبما جعل في الورق من قابليَّةِ ذلك؛ ولهذا يوجد الآن مواد تضادُّ النار، تُلْقَى في النَّار ولا تحترق؛ لأنَّ هناك مانعًا يمنع من تأثير السبب، وهذا القول هو الراجح. ألم تروا إلى إبراهيم عليه الصلاة والسلام أُلْقِيَ في النار العظيمة التي لم يستطع مُلْقُوه أن يقربوا منها حتى ألقوه في المنجنيق ورَمَوْه فيها رميًا، لم يحترق مع أن النَّار سبب للإحراق، لكن الله قال لها: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء ٦٩]، فكانت بردًا وسلامًا عليه. قال العلماء: لو قال الله تعالى: كوني بردًا، ولم يقلْ: سلامًا لكانت بردًا مُهْلِكة، لكن الله قال: ﴿بَرْدًا وَسَلَامًا﴾، فكانت بردًا وسلامًا، وكأنه لم يكن في نار. إذن نقول: الأصح من أقوال العلماء في تأثير الأسباب: أنها مؤثرة لا لذاتها، ولكن بما جعل الله تعالى فيها من القوى المؤثرة في المحلات القابلة. * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الفرح بغير الحقِّ سبب للعذاب والإضلال من أين يؤخذ؟ ﴿تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [غافر ٧٥]. * ومن فوائدها: أن الفرح بالحقِّ محمود؛ ولهذا جاء في الحديث عن النبي ﷺ: «مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَذَلِكَ الْمُؤْمِنُ»[[أخرجه أحمد (١١٤)، والنسائي واللفظ له (٩١٨١) من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.]]، وقال الله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس ٥٨]، فالفرح بالحق محمود، والفرح بغير الحق مذموم، والفرح بما ليس حقًّا ولا باطلًا ليس محمودًا ولا مذمومًا؛ لأنه من اللغو، ولكن عباد الرحمن إذا مروا باللغو مروا كرامًا. ثم اعلم أن الفرح يكون طبيعيًّا، الإنسان إذا أتاه ما يسرُّه لا بد أن يفرح، ينفعل بدون إرادة، ومعلوم أنَّ هذا لا يُؤاخَذُ به الإنسان إلا إذا كانت طبيعته منحرفة بحيث يفرح بالسوء دون الخير. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأسباب تتوارد بمعنى أنه قد يَرِدُ على الشيء سببان؛ تؤخذ من قوله: ﴿وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ [غافر ٧٥]، والمرح أشد الفرح. وهكذا الأسباب الشرعيَّة تتوارد بمعنى أنه قد يكون في الإنسانِ سببان؛ واحد منهما يوجِب الحكم، فإذا اجتمعا صار كل واحد يقوِّي الآخر؛ فإن اختلف موجِبُ السببان، فهل نقول: إننا نأخذ بأحدِ السببين دون الآخر، أو نأخذ بالسببين ونعمل بموجَبِهما؟ الثاني، ما لم يكن أحدُهما أقوى فيندرج به الأصغر. إذا اجتمع سببان واختلف موجَبُهما أخذنا بموجب كل منهما ما لم يكن أحدهما أقوى فيؤخذ بالأقوى. مثال ذلك: ابن عم هو زوج ماتت امرأتُه، هنا اجتمع في حقِّ هذا الزَّوجِ جهةُ فرضٍ وجهةُ تعصيبٍ، فهل يرث بالفرض أو بالتعصيب أو بهما؟ بهما، فنقول: هذا الزوج له النصف فرضًا، والباقي تعصيبًا، فهنا ورث بالفرض وبالتعصيب. رجل مَلَكَ أَمَةً، ثم تزوَّجها، فهل يصح هذا الزواج ليملك بُضْعَها أو لا يصح؟ لا يصح؛ لأنَّ الملكَ أقوى؛ ولهذا لا يصح للسيد أن يعقد النكاح على أمته لكن يستمتع بها بملك اليمين. المهم أنَّا أخذنا من الآية الكريمة: أنه قد يجتمع سببان؛ رجل بال وتغوَّط هنا سببان موجبان للوضوء، هل نأخذ بكل واحد منها؟ هنا لم يختلف الموجب؛ لأنَّ الموجب هو الوضوء فلا يختلف، لكن يَقْوَى الموجب بتعدُّد الموجب، لكن لما لم يختلف لا نقول: يأخذ بهما جميعًا؛ لأن لا فائدة من ذلك. إذن إذا اجتمع موجبان، فإن اتَّحد موجبهما أخذنا بواحدٍ وكفى، وإن اختلف الموجَب أخذنا بهما، ما لم يكن أحدهما أقوى، فيُؤخذ بالأقوى ويُترَك الأضعف. يقول: ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾ [غافر ٧٦] * يستفاد منها: إهانة الكفار وهو عذاب قلبي؛ لأنَّ العذاب القلبي قد يكون أشد من العذاب البدني. * من فوائد الآية الكريمة: أن لجهنم أبوابًا؛ لقوله: ﴿أَبْوَابَ﴾، وقد جاء في القرآن الكريم: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ [الحجر ٤٤]. * ومن فوائد الآية الكريمة: خلود أهل النار فيها؛ لقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾، والصواب الذي لا شك فيه أن الخلود مُؤَبَّدٌ بالآيات الثلاث التي سُقناها قبل قليل. * ومن فوائد الآية الكريمة: ثناء القدح على نار جهنم؛ لقوله: ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: التحذير من التكبر؛ لقوله: ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرٍ»[[أخرجه أبو داود (٤٠٩١) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.]]، فالكبر -والعياذ بالله- سبب لدخول النار. لكن قد يكون سببًا لدخولها مع الخلود، وقد يكون سببًا لدخولها للتطهير فقط، فإن كان هذا التكبر تكبرًا عن الحق وردًّا له فهذا سبب لدخول النار على التأبيد. وإن كان التكبُّر دون ذلك؛ مثل أن يتكبر على الخلق مع القيام بحق الخالق، أو يتكبر عن بعض الأشياء، ولا أظن أحدًا يتكبر عن أمرٍ من أمر الله إلَّا وهو كافر كفرًا مطلقًا؛ لأنَّ إبليس تكبَّر عن شيء واحد وكفر وهو السجود، لكن مَنْ تكبَّر على الخلق دون الحق، فهذا لا يُخَلَّد في النار، يعاقَب بمثل ما فعل من ذنب. وأحبُّ من طالب العلم أن يكون قويًّا في استنباط الأحكام من الأدلة؛ لأنَّ القادر على استنباط الأحكام من الأدلة يحصُل على علمٍ كثير من أدلَّةٍ قليلة، كم من إنسان يستنبط من آية واحدة عشرين فائدة، ويأتي إنسان آخر لا يستنبط إلا خمس فوائد مثلًا، الأول حصل على ثلاثة أضعاف ما حصل عليه الثاني، وذلك بالاستنباط. ولكن هنا مسألة: لا تُفْرِط في الاستنباط؛ لأنك إن أفرطت فيه حمَّلْتَ النصوص ما لا تحتمل، فكن وسطًا، وإذا دار الأمر بين أن يكون الحكم مستنبطًا من آية أو حديث أو لا يكون، فما هي السلامة؟ إن قلْتَ: ألَّا يكون، قال لك الآخر: السلامة أن يكون، حتى لا نبطل دلالة النص. لكن نقول: الأوَّل أرجح؛ لأنك إذا لم تتيقنْ أن الآيةَ دلت عليه وسكتَّ فقد سلمت، لأنك ما نفيت، انتبه، السكوت درجة بين النفي والإثبات، فأنت إذا سكتَّ لم تكن قلت على الله بغير حق، لكن إذا أثبتَّ في النص ما لا يدل عليه فقد قلت على الله بغير حق. إذن فالسلامة فيما إذا شككت هل النص دلَّ على هذا أو لا فالسلامة أيش؟ أن تسكت، ولكن لا تنفي، فقد يكون دالا عليه في نفس الأمر ولكن فهمك لم يدركه. * طالب: في الآية الأولى قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾، قلنا: إن ﴿ادْخُلُوا﴾ جاءت هنا بمعنى الإهانة، وفي الآية الأخرى للإكرام، هل في هذا رَدٌّ على من قال بالمجاز في القرآن، لأن نقول: لا مجاز، إنما الكلمة يُحْمَل معناها في كل سياق بحسب المعنى؟ * الشيخ: هذا يقول: إذا قلنا: ادخلوا تأتي للإهانة وتأتي للإكرام أفلا يكون فيها رَدٌّ على من قال: إن القرآن فيه مجاز؟ وذلك لأننا نقول: كل كلمة في موضعها فهي حقيقة فيه؟ الجواب: نعم، ربما يكون في ذلك دلالة على نفي المجاز؛ ولهذا كان الصواب ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه لا مجاز في اللغة ولا في القرآن، وأنتم تعرفون أن العلماء اختلفوا في هذا على أقوال: فمنهم من قال: لا مجاز، لا في القرآن ولا غيره. ومنهم من قال: لا مجاز في القرآن ويجوز في اللغة. ومنهم من قال: المجاز في القرآن واللغة. ومنهم من قال: كل الكلام مجاز، وأظن هذا رأي ابنُ جِنِّي أن جميع الكلام كله مجاز، حتى إذا قال: ضربت زيدًا، قال: هذا مجاز، قلت خيًرا، قال: خير هذا مجاز، وهكذا، لكن الراجح أن لا مجاز؛ وذلك لأن الذي يُعَيِّن معنى الكلمة هو السياق والقرائن. ولهذا ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾ القرينة تدلُّ على أن الأمر للإهانة، ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر ٤٦] القرينة تدل على أنه للإكرام. * طالب: أحسن الله إليك، قلنا: الفرح بالحق ممدوح، فما ضابط الحق؟ * الشيخ: إذا فعل الإنسان خيرًا، هذا حق، فإذا فرح بذلك فهو حق، إذا فرح بالمطر فهذا حق، إذا فرح بأن الله أيَّده بشيء فهذا حق؛ ولهذا فرح ابن عباس رضي الله عنهما حين أفتى الرجل بالتمتع في الحج فرأى في منامه -أي: الرجل- أن رجلًا يقول له: عمرةٌ متقبَّلة وحج مبرور، فأخبر بذلك ابن عباس ففرح بهذا وقال: انتظر حتى نعطيك من العطاء أو كلمة نحوها. * طالب: شيخ -بارك الله فيكم- فَرَحُ قارون الذي ذُمَّ عليه هل هو بالبغي، أو بالمال الذي أوتيه؟ * الشيخ: فَرحٌ بكلا الأمرين. * الطالب: يعني: الفرح بالمال هذا ليس مذمومًا؟ * الشيخ: لا، قد يكون مذمومًا، وقد يكون ممدوحًا، إذا فَرِحَ بالمال ليستعين به على حقٍّ؛ يعني إنسان يريد أن يشتري كتبًا وليس عنده مال، فرزقه الله المال يفرح ليشتري الكتب، لكن إنسان يريد أن يشتري آلة لهو، وليس عنده مال، فرزقه الله مالًا، فاشترى به آلة لهو، فالفرح هنا مذموم. * الطالب: فرح الإنسان هل يثاب عليه؟ * الشيخ: أي نعم؛ لأنه يدل على حُسْنِ نيَّةٍ وقصد، إذا فرح بالحق فإنه يثاب على ذلك؛ لأنه يدل على أنه مريد للحق. * الطالب: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (٧٥)