×

غافر

الآية ٧٤

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

مِن دُونِ ٱللَّهِ ۖ قَالُوا۟ ضَلُّوا۟ عَنَّا بَل لَّمْ نَكُن نَّدْعُوا۟ مِن قَبْلُ شَيْـًٔا ۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلْكَـٰفِرِينَ ﴿٧٤﴾

مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ (٧٤) ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (٧٥) ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [غافر ٧٣ - ٧٦]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، قوله: ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ مَنِ القائل؟ * طالب: القائل هو الله. * الشيخ: القائل هو الله. ما هو الدَّليل من القرآن؟ ﴿فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص ٦٢]. هل يحتمل معنى آخر أن القائل غيرُ الله أيضًا؟ * طالب: نعم، في نفس الآية، فيه احتمال؛ لأن الفاعل محذوف، لكن الآية الأخرى تثبت، ما تُبْقي احتمالًا. * الشيخ: ويمكن أن تكون الملائكة أيضًا، يعني حذف المفعول.. * طالب: ويمكن أن يكون القائلون الملائكة، ونُسِبَ إلى الله تعالى؛ لأنه الآمر كما أن.. * الشيخ: الآية التي ذكرها الأخ صريحة، لكن ما في القرآن آية تدل على أن الملائكة تُوُبِّخهم أيضًا؟ إذا كان فيه فلا مانع، تكون هذه الآية بُنِيَت لما لم يُسَمَّ فاعله لهذا السبب، طيب. ما المراد بهذا القيل؟ ما هو الغرض من هذا؟ * طالب: التوبيخ. * الشيخ: التوبيخ والتنديم طيب. إذن يكون جُمِعَ لهم بين العذاب؟ * طالب: القلبي والحسي. * الشيخ: القلبي والبدني؛ لأن تنديمَهم وتلويمهم لا شك أنه يؤثر عليهم. قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾ [غافر ٧٤] ﴿كَذَلِكَ﴾ الكاف حرف، لكنَّها اسم في الواقع، فهي مفعول مطلق، وتقديرُ الكلام: مثل ذلك الإضلال يضل الله الكافرين، فهي حرف صورة، لكنها بالمعنى اسم، هذا الاسم محله من الإعراب مفعول مطلق للفعل الآتي بعده. وكما تعلمون أنَّ مثل هذا التعبير يأتي كثيرًا في القرآن، وإعرابه كما سمعتم أن الكاف حرف بمعنى مثل، وأن إعرابها مفعول مطلق للفعل الذي بعدها، والتقدير في كل سياق بحسبه، لكن في الآية التي معنا: مثل ذلك الإضلال يضل الله الكافرين. وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾ [غافر ٧٤] أي: يجعلهم في ضلال. يقول المفسر: (﴿كَذَلِكَ﴾ أي: مثل إضلال هؤلاء المكذبين ﴿يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾ ). قال: (ويقال لهم أيضًا ﴿ذَلِكُمْ﴾ العذاب ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ ) ﴿ذَلِكُمْ﴾: المشار إليه العذاب، والمخاطب: أولئك الكافرون، ولهذا جاءت الكاف بضمير الجماعة، وجاءت اسم الإشارة بالإشارة لمفردٍ مُذَكَّرٍ؛ لأن العذاب مفرد مذكر. واعلم أن اسم الإشارة وكاف الخطاب تارة يتفقان وتارة يختلفان؛ فاسم الإشارة يكون بحسب المشار إليه، وكاف الخطاب بحسب المخاطب، فإذا قيل لك: أَشِرْ إلى مفرد مذكر مخاطبًا جماعة نساء، فكيف تقول؟ * طالب: ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾. * الشيخ: ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ [يوسف ٣٢]. أَشِرْ إلى مثنى مذكر مخاطبًا مثنى مؤنَّثًا. * طالب: ذانكما. * الشيخ: ذانكما، طيب. أَشِرْ إلى مفردة مؤنثة مخاطبًا جماعة ذكورٍ؟ * طالب: تانكم. * الشيخ: في القرآن ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا﴾ [الزخرف ٧٢]، المشار إليه مفرد مؤنث، والمخاطب جماعة ذكور. المهم هذه القاعدة؛ اسم الإشارة بحسب المشار إليه، وكاف الخطاب بحسب المخاطب، قد يتَّفقان وقد يختلفان. وقوله: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ﴾ الباء للسببية، و(ما) مصدرية، وعلامة (ما) المصدرية أن يصح تحويل ما بعدها إلى مصدر، فمثلًا قوله: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ﴾ إذا حوَّلْنَا ما بعدها إلى مصدر يكون التقدير: ذلكم بكونكم تفرحون في الأرض بغير الحق. وقوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ﴾ معلومٌ أنَّ كان هذه للماضي؛ أي: قبل الموت. ﴿تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ أي: تفرحون بالباطل، وذلك أنهم يفرحون بالشرك والكفر وكل من شاركهم في إثمهم فإنهم يفرحون به. وقوله: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ قال المفسِّر: (مِنَ الإشراكِ وإنكارِ البعث)، وهذا في الواقع قصور إلا إذا كان يريد به التمثيل، وإلا فإن قوله: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ أعم من الشرك وإنكار البعث، فهم يفرحون في الأرض بغير الحق؛ من الشرك، وإنكار البعث، والعدوان، وتحليل الحرام، وتحريم الحلال، كالسائبة، والوصيلة، والحام، وما أشبه ذلك. المهم أن قول المؤلف: (من الإشراك وإنكار البعث) هذا قصور ما لم يُرِدِ التمثيل، فإنْ أراد التَّمثيل فإن التمثيل لا يفيد الحصر. (﴿وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ تتوسَّعون في الفرح) الواو حرف عطف، والباء للسببية، وهذا الجملة معطوفة على ما قبلها بإعادة العامل، ما هو العامل؟ الباء، والعطف بإعادة العامل يعني أن الثاني مستقل عن الأول، فهم يُعَذَّبُون بالأمرين جميعًا، يعذبون عذابًا خاصًّا بالفرح وعذابًا خاصًّا بالمرح، وبالباء للسببية، (﴿وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ تتوسَّعون في الفرح). ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [غافر ٧٦] ﴿ادْخُلُوا﴾ فعل أمر، والآمر هم الملائكة، والأمر يراد به الإهانة، ليس أمر إكرام، ولكنه أمر إهانة، وإلزام؛ لأنه لا بد أن يدخلوا. وقوله: ﴿أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾ جمع، فكم عدد الأبواب؟ عدد أبواب جهنم سبعة، كما قال الله تعالى: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ [الحجر ٤٤]، وجهنم اسم من أسماء النار، وسُمِّيَت بذلك لأنها ذات جُهْمَة إذا قلنا: إن جهنم اسم عربي زيدت به النون. وإن قلنا: إنه اسم غير عربي، ولكنه عُرِّب فلا حاجة أن نقول: إنه مشتق من الجُهمة التي هي الظلمة والقعر، وأيًّا كان فهو اسم من أسماء النار أعاذنا الله وإياكم منها. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ ﴿خَالِدِينَ﴾ هذه حال من الفاعل في قوله: ﴿ادْخُلُوا﴾، وهذا الخلود هل هو طول المكث أو هو التأبيد؟ نقول: اللغة العربية يأتي فيها الخلود مُرادًا به طولُ المكث، ويأتي مرادًا به التأبيد، والمراد به هنا الثاني؛ يعني أنهم خالدون فيها أبدًا، ودليل ذلك أن الله تعالى صرح في القرآن الكريم بأن أهل النار خالدين فيها أبدًا في ثلاثة مواضع: الموضع الأول: قول الله تبارك تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء ١٦٨، ١٦٩]. والآية الثانية: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الأحزاب ٦٤، ٦٥]. والآية الثالثة: قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن ٢٣]. وبهذه الآيات الثلاث يتبيَّن ضعف بل بطلان قول مَنْ يقول: إن النار ليست مؤبدة وإنها تفنى، فإنَّ هذا القول منكر لأنه مخالف لصريح القرآن، ولا يمكن لإنسان يخالف صريح القرآن لمجرد تعليلاتٍ يعلِّلها مثل أن يقول: إن رحمة الله تعالى سبقت غضبه، وأن هؤلاء مآلهم إلى أن يفنوا هم والنار. يقال: نعم، رحمة الله سبقت غضبه، لكن وعد الله حَقٌّ، أليس كذلك؟ وإذا كان وعد الله حقًّا فإنهم يخلَّدون فيها أبدًا. وإذا قال قائل: التخليد الأبدي في هذا العذاب الأليم كيف يكون جزاء لإنسان لم يبق في الدنيا إلا مئة سنة أو ألف سنة؟ فيكون هنا العذاب أكثر من زمن العمل؛ لأنه ما فيه أحد بقي في الدنيا أبد الآبدين، فيقتضي هذا أن يكون فيه ظلم؛ لأنَّ الجزاء صار أكثر من العمل بكثير ولا يُنْسَب له، كما قلت لكم لنفرضْ أنَّ أحدًا من الناس عاش ألف سنة أو عشرة آلاف سنة، لكنه عاش إلى أمد، ثم نقول: عذابه مؤبد، يكون هذا ظلمًا؟ فيقال: إن هذا أمضى حياتَه الدنيا كُلَّها في مُحادَّة الله ورسُلَه فيمضي حياته الأخرى كلها في العذاب، وهذا عدل، ثم إن هذا الذي عُذِّب أبدًا قد قيل له في الدنيا، وبُيِّن له أن جزاءه العذابُ الأبديُّ، فلماذا يُقدِم على شيء يعرف أن هذا جزاؤه؟! وحينئذ لا ظلم ولا عذر للكافرين، فالمهم أن قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ يراد به الخلودُ الأبَدَيُّ ﴿فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [غافر ٧٦]، هذه الجملة جملة إنشائية يُراد بها الذم، ويقابل هذا في المدح ﴿نِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ ﴿فَبِئْسَ﴾ هنا فعل إنشائي يُراد به الذم، والمعنى أن هذه الدار دارٌ كلُّها ذمٌّ كلها بلاء، ولهذا وصفت بأنها ﴿بِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾. * طالب: حديث: «نِيَّةُ الْكَافِرِ»[[لم نقف عليه بهذا اللفظ، وورد بلفظ «نِيَّة الفاجر شر من عمله» أخرجه القضاعي في مسنده (١٤٨) من حديث النواس بن سمعان رضي الله عنه، وابن عبد البر في التمهيد (٢ / ٢٥٦) من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه.]].. * الشيخ: أولًا: هذا ليس حديثًا صحيحًا عن الرسول. وثانيًا: مرادُ قائلِه أنَّ الإنسانَ يدرك بنيته ما لا يدرك بعمله، هذا المعنى، فالإنسان المريض الذي يتمنى أنَّه صحيح يقوم بما أوجب الله عليه هذا أدرك بالنية ما لم يُدْرِكْ بالعمل، وكذلك أيضًا الإنسان إذا نوى الشر وهو عاجز عنه يُعاقَب معاقبة الفاعل، لكن بالنية، دليل ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام في الرجل الفقير الذي ليس عنده مال، وكان هناك رجل آخر: لو أن لي مالَ فلانٍ لعملْتُ فيه عمل فلان فقال النبيُّ ﷺ: «فَهُوَ بِنِيَّتِهِ، فَهُمَا فِي الْوِزْرِ سَوَاءٌ» »[[أخرج الترمذي (٢٣٢٥) وابن ماجه -واللفظ له- (٤٢٢٨) بسنديهما عن أبي كبشة الأنماري رضي الله أن النبي ﷺ قال: «مثل هذه الأمة كمثل أربعة نفر: رجل آتاه الله مالًا وعلمًا، فهو يعمل بعلمه في ماله، ينفقه في حقه، ورجل آتاه الله علمًا، ولم يؤته مالًا، فهو يقول: لو كان لي مثل هذا عملت فيه مثل الذي يعمل»، قال رسول الله ﷺ: «فهما في الأجر سواء، ورجلٌ آتاه الله مالًا، ولم يؤْتِه علمًا، فهو يخبط في ماله ينفقه في غير حقه، ورجل لم يؤته الله علمًا، ولا مالًا، فهو يقول: لو كان لي مثل هذا، عملت فيه مثل الذي يعمل»، قال رسول الله ﷺ: «فهُما في الوزر سواء».]]. * الطالب: شيخ، بارك الله فيكم، حصرْنا أبوابَ جهنَّم بسبعةٍ للآية مع أنه مر معنا في أسماء الله عز وجل «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا»، » وكذلك في أبواب الجنة الثمانية قلنا: إنه لا يدل على الحصر، ما وجه الحصر في هذه الآية؟ * الشيخ: هذا يسأل يقول: إنكم قلتم: إن العدد لا مفهوم له في قوله ﷺ: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٧٣٦)، ومسلم (٢٦٧٧ / ٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] قلتم: هذا العدد لا يدل على الحصر، وأن لله أسماء أخرى، فلماذا نقول بالحصر أو بإفادة العدد الحصر في أبواب جهنم وأبواب الجنة؟ الجواب أن نقول: أما الأول وهو قوله: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا» » فإنما قلنا: إنها ليست للحصر بدليل، فما هو الدليل؟ حديث عبد الله بن مسعود حديث الغَمِّ قال: «أَسْاَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ»[[أخرجه أحمد (٤٣١٨) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.]] وإذا كان الله مستأثِرًا بعلم الغيب عنده فإنه لا يمكن للإنسان أن يدركه؛ لأن الله استأثر به، فمن ثَمَّ قلنا: إن العدد لا مفهوم له في قوله: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا»، وأن المعنى أن من أسماء الله تسعة وتسعين اسمًا مَنْ أحصاها دخل الجنة. * الطالب: قلنا: إن القول بأن النار ليست مؤبدة مخالف لصريح القرآن، فإن قال هذا القائل: إن هذا وعيد، وإخلاف الوعيد جائز؟ * الشيخ: نقول: هذا لا يمكن؛ لأننا لا نقول: إخلاف الوعيد جائز إلا في أمر ضروري لا بد منه مثل: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ [النساء ٩٣] هذه بعض الأجوبة التي أُجيبَ عن هذه الآية بها؛ أن هذا وعيد وإخلاف الوعيد كرم وهو ثناء ومدح للمخلِف، لكن هذا الجواب في الواقع جواب يهز ليس جوابًا راسخًا؛ لأننا نقول: إن الله لا يخلف الميعاد؛ أي: ما وعد به من عقوبة أو كرامة، وأما الآية ﴿خَالِدًا فِيهَا﴾ في آية القتل يُحْمل الخلود على المعنى الثاني وهو المُكثُ الطويل، وبهذا ليس هناك تناقض. * الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (٧٧) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ (٧٨) اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٩) وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٨٠) وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ﴾ [غافر ٧٧ - ٨١]. * الشيخ: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلَّم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. قول الله تبارك وتعالى في أهل النار يقال لهم: ﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾ [غافر ٧٦] ما هو المراد بهذا الأمر؟ * طالب: المراد به الأمر بدخول النار، أي: أمر الله به. * الشيخ: إي، لكن ما المراد به؟ * الطالب: المراد به يوم القيامة، والإهانة. * الشيخ: الإهانة؟! وقولُه تعالى في أهل الجنة: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر ٤٦] ما المراد بالأمر؟ * الطالب: (...). الإكرام، طيب. نأخذ من هذا أن الكلمات يختلف معناها باختلاف السياق، وهذه فائدة عظيمة لطالب العلم أن الكلماتِ يختلف معناها باختلاف السياق، فكم كلمة كان لها معنى في سياق، ولها معنى آخر في سياق آخر. هل أهل النار يخلدون فيها أبدًا؟ * الطالب: (...). * الشيخ: نعم أبدًا. عندك دليل في هذا؟ * الطالب: ورد في ثلاث آيات تدل على التأبيد. * الشيخ: أحسنت، اتل علينا منها واحدة. * طالب: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب ٦٤، ٦٥]. * الشيخ: أحسنت، هذه في سورة الأحزاب. * الطالب: الثاني: ﴿إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾. * الشيخ: والثاني ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء ١٦٨، ١٦٩] هذا في أي سورة؟ * الطالب: هذا في سورة النساء. * الطالب: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن ٢٣]. * الشيخ: في أي سورة هذه؟ * الطالب: الجنّ. * الشيخ: في سورة الجن، أحسنت. قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [غافر ٧٧] (اصبر): الخطاب هنا للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾ [غافر ٧٤]. * يُستفادُ منها: أن الله تعالى يُضِلُّ الكافرَ لكفره، وجه الدَّلالة أن الحكم إذا عُلِّق على وصف كان ذلك الوصف علَّة له، فالذي عُلِّق على الكفر هنا الإضلالُ، إذن الكفرُ سببٌ للإضلال، ويؤيد هذا قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف ٥]. يتفرَّع على ذلك أن الضالَّ إذا ضلَّ فإنه هو السبب في ضلاله؛ لأن الله تعالى لو عَلِم فيه خيرًا لأسمعه، ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤]، وهذه الآية تعني أن الله أعلم حيث تكون الرسالة في شخص معين، وكذلك حيث يكونُ أثرُ الرسالة في شخص معين، وأثر الرسالة الهداية. * ومن فوائد الآية الكريمة: الردُّ على القدرية؛ ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ﴾، وجه ذلك؟ * طالب: لأن هذا الضالَّ هو سبب الضلال لنفسه، فله إرادة تثبت هذا له. * الشيخ: هم يقولون هكذا، القدرية يؤيدون ذلك أن للإنسان إرادة مستقلة. * طالب: القدرية يقولون: إنَّ أفعال العباد ليست مخلوقة لله سبحانه وتعالى. * الشيخ: ولا علاقة لله بها. * الطالب: لكن الآية تدل أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يضلهم. * الشيخ: نعم، فيكون في ذلك رد على القدرية. ينبغي بهذه المناسبة -وإن لم يكن الدرس درس عقيدة- أن نقول: إن الناس انقسموا في هذا الباب إلى طرفين ووسط، أي في أفعال العباد: فمنهم من يقول: أفعال العباد مخلوقة لله، والعبد مجبور عليها، وليس له إرادة؛ لأن الله خالق كل شيء، وإذا كان الله هو الخالق فالإنسان ليس له تدبير. ومنهم من قال بالعكس: إن الإنسان فاعل باختياره، وليس لله علاقة به، هذان طرفان. ومنهم من قال: إن الإنسان فاعل باختياره، لكن فعله مقرون بمشيئة الله، وهذا هو الوسط. واعلموا أن أسبابَ الضلال في مثل هذه الأمور أنَّ من الناس من ينظر إلى النصوص من زاوية واحدة؛ بمعنى أنه يأخذ نصًّا ويدع نصًّا، فالجبرية رَأَوْا عموم مشيئة الله وعموم خلق الله؛ وأن الإنسان فقير إلى الله وما أشبه ذلك، فقالوا: إذن الإنسان ليس له إرادة ولا اختيار، وفعله على وجه الإجبار. والقدرية رَأَوْا أن الإنسان يفعل ولا يُحِسُّ أن أحدًا مكرِه له، والله تعالى قد أضاف الفعل إليه، فقال: ﴿أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ [الحج ٤١] فهو مستقل بعمله، ليس لله فيه علاقة، فأخذوا من جانب وتركوا جانبًا آخر، وهكذا جميع خلاف العلماء، إذا رأيت العلماء مختلفين على طرفين ووسط، فاعلم أن الطرفين كل واحد منهما أخذ بجانب من الأدلة وترك جانبًا آخر. ثم قال عز وجل: ﴿