×
غافرالآية ٧٣

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ ﴿٧٣﴾

(﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ﴾ [غافر ٧٣] تبكيتًا ﴿أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ معه، وهي الأصنام) والاستفهام هنا لا شك أنه للتوبيخ والتنديم والتعجيز، كلها يتضمنها هذا الاستفهام، وهذا ألم قلبيٌّ؛ لأن الإنسان يندم أشد الندم إذا كانت هذه الأصنام التي كان يعبدها لتقرِّبَه إلى الله عز وجل كما يَدَّعِي ثم تضل عنها الآن ولا توجد، كما لو أمسكتَ عبدًا مثلًا وعذَّبْتَه وقلت: أين سيدك الذي تدعي أنه يحميك؟ أليس هذا يكون أشد ندمًا له؟ بلى، إذن فهؤلاء يُنَدَّمُون هذا التنديم، فيقال: ﴿أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: مع الله وهي الأصنام، وحينئذ يتحسَّرون حسرة ليس فوقها حسرة. ولهذا يقولون إقرارًا إقرارَ المكره في الواقع: (﴿قَالُوا ضَلُّوا﴾ غابوا ﴿عَنَّا﴾ فلا نراهم). إذن عرفوا أنها لن تنفعهم، وأنها غابت عنهم في أشد ما يحتاجون إليها فيه، بل قالوا: ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا﴾ سبحان الله! يعني: أنكروا أن يكونوا أشركوا، كما قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام ٢٣، ٢٤] فالحاصل أنهم يُنَدَّمُون هذا الندم العظيم ثم ينكرون. يقول عز وجل: ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا﴾ ﴿نَدْعُو﴾ بمعنى نعبد؛ لأن الدعاء ينقسم إلى قسمين: دعاء مسألة ودعاء عبادة، وكلاهما متلازمان؛ فدعاء المسألة عبادة كما جاء في الحديث: «الدُّعَاءُ عِبَادَةٌ» »[[ أخرج أبو داود (١٤٧٩) بسنده عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما، عن النبي ﷺ قال: «الدُّعاءُ هو العِبادَةُ...» الحديث.]]، ودعاء العبادة أيضًا دعاء مسألة؛ لأنك لو سألتَ العابد: لماذا عبدْتَ الله؟ لقال: رجاءَ ثوابِهِ وخوف عقابه، فهو داعٍ بلسان الحال؛ ولذلك صار الدعاء بمعنى العبادة، والعبادة بمعنى الدعاء، وانظر إلى ذلك في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر ٦٠]، لكن دعاء المسألة دعاء صريح في السؤال يقول القائل: رب اغفر لي وارحمني إلى آخره، ودعاء العبادة دعاء باللازم؛ لأن الإنسان إنما يعبد الله خوفًا من عقابه ورجاء لثوابه. دعاء المسألة دعاء عبادة صريح أو باللازم؟ عبادة باللازم؛ لأن السائل متذلِّل للمسؤول فهو متعبِّد له. قال: (﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا﴾ أنكروا عبادتهم إياها ثم أُحْضِرَت فقال الله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء ٩٨] أي: وقودها) وتمام الآية: ﴿أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الأنبياء ٩٨، ٩٩] فهؤلاء أنكروا، كذبوا على أنفسهم، ظنوا أن هذا سينفعهم كما لو أن الجاني في الدنيا أنكر جنايته ربما ينفعه ذلك، لكن في الآخرة لا ينفع، حتى إنهم إذا أنكروا خُتِمَ على أفواههم فتتكلم الأيدي والأرجل والجلود والألسُن بما تعمل، وحينئذ لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلًا. * في هذه الآية أيضًا من الفوائد: أن هؤلاء المكذِّبين بالكتاب وبما أرسل الله به الرسل يعذبون عذابًا جسديًّا بالسلاسل والأغلال والسحب في النار، ويعذَّبون عذابًا قلبيًّا بالتوبيخ والتقريع والتنديم فيقال: ﴿أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [غافر ٧٣، ٧٤]. * ومن فوائد هذه الآية: إثبات القول لله عز وجل، هل يمكن أن تُؤخَذ من الآية؟ * طالب: (...). * الشيخ: الآية لا تدلُّ على هذا؛ لأن القائل لم يُبَيِّن ﴿قِيلَ لَهُمْ﴾، ولكنها في آيات أخرى تدلُّ على أن الله يقول لهم ذلك: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص ٦٢]. مَنِ الذي يُنادِيهم؟ الله؛ لأنه قال: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾، ويمكن أن يقال: إنهم ينادَون من قِبَل اللهِ وينادَوْن أيضًا مِنْ قِبَل الملائكة الذين وكَّلهم الله عز وجل، أو يقال: إن الملائكة تناديهم، ولكن مناداتهم أُضيفَت إلى الله؛ لأنَّه الآمر بها، كما أضاف الله الوفاةَ إليه مع أن الذي تتوفى الأنفسَ مباشرة هي الرُّسُلُ، ولكن نقول: هذه الاحتمالات لا نُورِدُها مع وجودِ الظاهر؛ لأنَّ الكلامَ يُحمَلُ على أي شيء؟ على ظاهره، حتى يقومَ دليلٌ على صَرْفِه عن الظاهر، فإذا كان اللهُ يقول: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص ٦٢] صريحٌ بأنَّ المنادي هو الله فيبقى على ما هو عليه، ويُحمَل ما كان مبنيًّا للمفعول على أن المنادي هو الله عز وجل. * طالب: ﴿وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ﴾ [غافر ٧١] ما فيه عائد، يا شيخ؟ * الشيخ: ما فيه عائد؟ ذكرنا العائد؛ قلنا: العائد محذوف، والتقدير: يُسْحَبون بها، حذف العائد يجوز، كُلُّ ما يُعْلَم فحذفُه جائزٌ. * طالب: فسَّرتم الاستفهامَ أنَّه استفهامٌ تقريريٌّ. * الشيخ: أيهم؟ * الطالب: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾. * الشيخ: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾، نعم. * الطالب: ثم قلتم: من فوائدِه التَّعجُّب؟ * الشيخ: إي نعم؛ لقوله: ﴿أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾. * الطالب: التعجب ليس فيه الاستفهام. * الشيخ: لا، من ﴿أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾ استفهام. * * * * الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣)