×

غافر

الآية ٧٠

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

ٱلَّذِينَ كَذَّبُوا۟ بِٱلْكِتَـٰبِ وَبِمَآ أَرْسَلْنَا بِهِۦ رُسُلَنَا ۖ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴿٧٠﴾

الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا﴾ [غافر ٧٠] هذا بدل من قوله: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ﴾ أو عطف بيان. والفرق بينهما: أن عطفَ البيان يشبِه الصفة في بيان المُبدَل منه، وأما البدل فقد يكون بدلًا مجرَّدًا عن الصفة، فمثلًا إذا قلت: جاء زيد أخوك، أخوك هنا بدل، لم نستفد منها شيئًا كثيرًا، لكن إذا جاء عطف البيان مثل هذه الآية: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ﴾ فقد استفدنا منها معنى هو إلى الصفة أقرب منه إلى البدلية، فلهذا يُسمونه عطف بيان. ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ﴾ أي قالوا: إنه كذب، والكتاب هنا محلًّى بـ(أل) كما تعلمون، فهل هي للعهد أو للاستغراق أو للجنس؟ أقرب شيء أنها للجنس، والمؤلف جعلها للعهد فقال: (القرآن) ولا شك أنه لا يجوز العدول عن الجنس أو بيان الحقيقة، لا يجوز العدول عن ذلك إلا بدليل انتبه. فما هو الأصل في (أل) أن تكون لبيان الحقيقة أو لبيان الجنس أو للعهد؟ نعم، لبيان الجنس؛ لأن بيان الجنس يعني الاستغراق، وهذا هو الأصل، فإذا جعلتها للعهد فقد عدلتَ بمعناها العام إلى معنى الخاص، وكذلك إذا جعلتها للحقيقة، ونحن نضرب ثلاثةَ أمثلةٍ ليتبيَّنَ الأمرُ: إذا قلت: الرجل خيرٌ من المرأة، هل هي للعموم؟ لا؛ لأن مِن النساء مَن هو خير من الرجال، إذن هذا لبيان الحقيقة. إذا أورد عليك مُورِد: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٢٨] لأي شيء هذا؟ للجنس يعني العموم، يعني: خلق كل إنسان ضعيفًا. إذا أُورِد عليكَ قولُ الله تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل ١٥، ١٦] للعهد الذكري. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [النساء ١٧٠] هذا أيضًا للعهد الذهني. هنا المؤلف رحمه الله حمل قوله: ﴿الْكِتَابِ﴾ على العهد الذهني، وقال: إنه القرآن، والصواب أنه عام وأن المراد به جنس الكتاب؛ وذلك لأن التوراة كذَّب بها أناس، والإنجيل كذَّب به أناس، وكذلك الزبور، وبقية الكتب، وآخرها القرآن. (﴿وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا﴾ من التوحيد والبعث وهم كفار مكة ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ). ﴿وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا﴾ عطفها على قوله: ﴿بِالْكِتَابِ﴾ بإعادة العامل؛ لأن العطف يكون بإعادة العامل وبغير إعادة العامل، فتقول: مررت بزيد وعمرو، هذا عطف بدون إعادة العامل، مررت بزيدٍ وبعمرو هذا عطف بإعادة العامل، ويفيد إعادة العامل استقلال المعطوف عن المعطوف عليه؛ لأنه ليس تابعًا له من كل وجه بدليل إعادة العامل، فقوله: ﴿وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا﴾ يدلُّ على أن ما أرسلت به الرسل كأنه مستقل عن الكتاب؛ ولهذا كانت السُّنَّة بمثابة الكتاب في الدلالة ووجوب العمل بها. ﴿وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا﴾ قال المؤلف: (من التوحيد والبعث وهم كفار مكة) التوحيد يعني توحيد الله عز وجل بما يستحق من الأسماء والصفات، والعبادة، والربوبية، وأما البعث فهو إخراج الناس من قبورهم يوم القيامة. وقوله: (وهم كفار مكة) هذا لا وجه له؛ لأن هذا الوصف التكذيب بالكتاب وبما أرسل الله به الرسل لا يختص بأهل مكة، هم وغيرهم، فالأولى أن يُجعَل هذا عامًّا في كلِّ مَنْ كذَّب بمحمد ﷺ، بل نقول: عامًّا في كل مَنْ كذَّب الرسل. لكن إذا قال قائل: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ألا تدل على أن المراد بذلك الكفار الذين كذَّبوا محمدًا ﷺ؟ الجواب: لا؛ لأن قوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ تهديدٌ لما سيكون في الدنيا وما سيكون في الآخرة بدليل قوله: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾، والأغلال لا تكون في الأعناق إلا يوم القيامة. قال تعالى: (﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ عقوبة تكذيبهم). (﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ إذ بمعنى إذا ﴿وَالسَّلَاسِلُ﴾ عطف على الأغلال فتكون في الأعناق، أو مبتدأ خبرُه محذوف أي: في أرجلهم أو خبرُه ﴿يُسْحَبُونَ﴾ أي: يجرون بها). قوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ هو تهديد بلا شك كقوله تعالى: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر ٣، ٤]، سوف يعلمون إذا الأغلال في أعناقهم، فيقول المؤلف: إنَّ (إذ بمعنى إذا) ومن المعلوم أن (إذ) تأتي بالحاضر وتأتي للماضي، و(إذا) تكون للمستقبل، فما الذي جعل المؤلف رحمه الله يصرف معناها إلى المستقبل؟ جعله يصرف ذلك إلى المستقبل؛ لأن الأغلال لا تكون إلا يوم القيامة وهو مستقبل، ولكننا نقول: لا حاجة إلى ذلك، بل هي (إذ) على بابها، ولكنها حكاية حال، وحكاية الحال هي التي تجعل المستقبل كأنه حاضر، وهذا أبلغ في التهديد؛ يعني: كأن الأغلال الآن حاضرة؛ لأنها أمر مؤكد ولا بد أن يكون. الأغلال تكون في الأيدي كما قال الله تعالى: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة ٦٤]، والسلاسل تكون في الأرجل كما قال الله تعالى: ﴿مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٤٩) سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ﴾ [إبراهيم ٤٩، ٥٠]، لكن هنا يقول الله: ﴿