تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
إِذِ ٱلْأَغْلَـٰلُ فِىٓ أَعْنَـٰقِهِمْ وَٱلسَّلَـٰسِلُ يُسْحَبُونَ ﴿٧١﴾
إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ﴾ تقتضي أن تكون السلاسل في الأعناق في محل الأغلال، ولكن فيه احتمال آخر بيَّنه رحمه الله بقوله: (عطف على الأغلال فتكون في الأعناق أو مبتدأ خبره محذوف أي: في أرجلهم) وعلى هذا إذا كانت مبتدأ تقول: الواو للاستئناف، والسلاسل مبتدأ، وخبره محذوف أي: في أرجلهم.
(أو خبره ﴿يُسْحَبُونَ﴾ ) ويكون العائد محذوفًا والتقدير يسحبون بها، والسلاسل يسحبون بها، فهنا صار في إعراب السلاسل ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: أنها معطوفة على الأغلال، فتكون السلاسل في الأعناق؛ يعني معناه أنه تُغَلُّ أيديهم إلى أعناقهم بسلاسل.
والثاني: أن تكون السلاسل بالأرجُل، والخبر محذوف أي: في أرجلهم.
والثالث: أن تكون السلاسل في الأرجل، والخبر قوله: ﴿يُسْحَبُونَ﴾، والمعنى: أنهم يسحبون بهذه السلاسل، وهذا المعنى هو أقربها لظاهر القرآن كما قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ [القمر ٤٨]، فهم إذا سُحِبوا على وجوههم ستكون السلاسل في الأرجل، فهذا أقربُ الاحتمالات التي ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى.
وقوله: (﴿فِي الْحَمِيمِ﴾ أي: جهنم) ووصُفِتَ بذلك؛ لأنها شديدة الحرارة.
(﴿ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ يوقدون) لأن النار وقودها الناس والحجارة.
* في هذه الآيات فوائد كثيرة:
* أولًا: العجب من حال هؤلاء المكذبين بالكتاب وبما جاءت به الرسل؛ لقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾ [غافر ٦٩]، وهم والله عجب، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [الرعد ٥].
* ومن فوائد هذه الآيات: أن الإنسان يُصْرَف عن الحق مع بيانه ووضوحه.
* وهذا يؤدي إلى فائدة أخرى: وهي خوف الإنسان من أن يُصْرَف عن الحق.
* وينتج عن ذلك فائدة ثالثة: وهو سؤال الإنسان ربَّه دائمًا أن يُثَبِّتَه؛ ولهذا كان من دعاء المؤمنين: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران ٨] فينبغي للإنسان أن يكون دائمًا على خوف، وأن يسأل الله الثبات دائمًا.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تهديد هؤلاء المكذبين بهذه العقوبة أن تُغَلَّ أيديهم يوم القيامة، وأن تُسلْسَل أرجلهم، وأن يسحبون في النار على وجوههم، وكل هذا يوجب للإنسان أن يُصَدِّق بالكتب وبما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام.
* ومن فوائد هذه الآيات: أن الإنسان لا يعلم علمَ اليقين حتى يُشاهِد ما أخبرت به الرسل؛ لقوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الْأَغْلَالُ﴾، وفي ذلك الوقت يُقِرُّون بالحق، ويقولون: ﴿قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [الأعراف ٥٣]، لكن هذا لا يمكنهم، ولا يمهل لهم في ذلك، بل قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام ٢٨].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثباتُ النَّار وأنها في أشد ما يكون من الحرارة؛ لقوله: ﴿