تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُجَـٰدِلُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ أَنَّىٰ يُصْرَفُونَ ﴿٦٩﴾
يقول الله عز وجل: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾ [غافر ٦٩].
﴿أَلَمْ تَرَ﴾ هذا الاستفهام للتقرير؛ لأنَّ همزة الاستفهام إذا دخلت على النفي صارت مُقرِّرة له، فمعنى ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ أي: رأيت، والخطاب إما للرسول ﷺ أو لكل ما يصحُّ أنْ يتوجَّه إليه الخطاب، وهذا الخطاب يَرِد كثيرًا في القرآن.
وقد بيَّنَّا أن الخطاب الموجه إلى الرسول ﷺ أو الذي ظاهره أنه موجه إلى الرسول عليه الصلاة والسلام ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ما هو مختص به قطعًا.
والقسم الثاني: ما هو عامٌّ له وللأمة قطعًا.
والقسم الثالث: ما لا يتبين فيه هذا ولا هذا.
أما الأول وهو الخاص بالرسول قطعًا فهو خاصٌّ به، ولا إشكال في ذلك، مثل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ [الشرح ١، ٢]، ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى ٦، ٧]، وما أشبهها، الخطاب هنا لمن؟ للرسول عليه الصلاة والسلام خاصَّة ولا يشمل الأمة.
وأما الذي له ولغيره قطعًا فمثلُ قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ﴾ [الطلاق ١]، لم يقل: إذا طلقت النساء، فدلَّ هذا على أن الخطاب الخاص به له وللأمة؛ لأنه خاطبه أولًا بالنداء ثم وجَّه الخطاب إلى الأمة عمومًا، فقال: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ فدلَّ هذا على أن الخطاب الخاصَّ به بالنداء ليس خاصًّا به بل هو له وللأمة.
ما ليس كذلك؛ يعني: ما ليس هذا ولا هذا: اختلف فيه العلماء رحمهم الله هل هو خطاب خاص بالرسول عليه الصلاة والسلام ولا يشمل الأمة إلا حكمًا على سبيل التَّأسِّي به أو إنه عامٌّ للرسول عليه الصلاة والسلام ولغيره، ويكون الخطاب فيه لمن يصح خطابه؟
والخلاف في مثل هذا يكاد يكون لفظيًّا؛ لأن الجميع متفقون على أن هذا الحكم ثابت للرسول ولغيره، لكن إذا قلنا: إنه خاص به صار بالنسبة لغيره عامًّا على وجه التأسِّي والقدوة، لكن الحكم لا يختلف في الواقع؛ لأنه إن لم يشملِ الأمة لفظًا فقد شملها حكما للأمر بالتأسِّي به صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
فهنا ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ﴾ [غافر ٦٩] من أي الأقسام الثلاثة؟ هذا مما يدخله الاحتمال؛ أنه خاصٌّ بالرسول عليه الصلاة والسلام أو عامٌّ لكل من يتوجَّه إليه الخطاب.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ﴾ قال المؤلف: (القرآن) وهذا التفسير يعتبر قاصرًا؛ لأن آيات الله أعظم من كونها كونية أو شرعية، وأعظم من كونها بالقرآن أو التوراة أو الإنجيل أو غيرها من الكتب المنزَّلَة على الرسل.
فالصواب أن نقول: في آيات الله الكونية والشرعية، وأَوْلَى ما يدخل فيها القرآن.
والمجادلة هي المنازعة مع الخصم من أجل صَرْفِه عمَّا كان عليه من المخاصمة، مأخوذة من الجَدْلِ وهو فَتْلُ الحبل حتى يحتكم ويكون قويًّا، هؤلاء الذين يجادلون في آيات الله يجادلون مَنْ؟ يجادلون الرسل وأتباعهم، فالمجادلة بين الرسل وأتباعهم كانت منذ أن أُرْسِل الرسل إلى يومنا هذا، ولا تستغرِبْ أن يوجد مَنْ يجادل في آيات الله عز وجل في هذا الزمن؛ لأن هذا هو سنة الله عز وجل منذ أرسل الرسل؛ قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان ٣١]، كل نبي له عدو من المجرمين، وإذا كان له عدو من المجرمين فلا بد لهذا العدو أن يجادِلَ، وبالتالي أن يُجالِد بالسيوف.
المجادلة في آيات الله الكونية: أن ينكِر أن يكون الله هو الخالق، وقد وُجِد هذا فعلًا؛ وُجِد مَنْ ينسب ما يحدث في الكون إلى الأمور الطبيعية دون أن يكون لها مدبر، وقال: هذه طبيعة تتفاعل وينتج منها ما يُشاهَد.
يوجد مَنْ يجادل في آيات الله الكونية بالأمور التي دون ذلك؛ مثل أن يثبت شيئًا من الأسباب لم يجعله الله سببًا كما يحدث لأهل الجاهلية من التشاؤم بالطيور والأماكن والأزمان وما أشبه ذلك، فهم يتشاءمون مثلًا في الأزمان بشهر صفر، يقولون: إن هذا الشهر شهر شَرٍّ يتشاءمون به.
يتشاءمون أيضًا بالطيور؛ بنوع الطير، أو بكيفية طيرانه، أو باتجاهه أو ما أشبه ذلك.
يتشاءمون أيضًا بالأشخاص يرى الإنسان الرجل أول ما يراه فيتشاءم به، حتى كان هذا موجودًا إلى عصرنا فيما يظهر، بعض الناس في جهة ما من المملكة إذا أتى ليفتح دكانه ثم قابَلَهُ شخصٌ قبيح المنظر مثلا قال: خلاص اليوم شؤم، ما فيه بيع ولا شراء، هذا تشاؤم بالأشخاص، هذا أيضًا من المجادلة في آيات الله الكونية.
أما المجادلة في آيات الله الشرعية فحدِّثْ ولا حرج؛ يكذِّبون بآيات الله الشرعية، ينكرونها، يجادلون في بعض الأمور فيها، يقولون: فيها تناقض، وفيها كذا وكذا، وأنواع الجدل كثيرة.
يقول: (﴿أَنَّى﴾ كيف ﴿يُصْرَفُونَ﴾ عن الإيمان) يعني: كأن هذا استفهام تعجُّب وإنكار، كيف يصرفون عن الإيمان مع أنه واضح بيِّن فهم يصرفون عنه ويجادلون فيه؟!
ثم قال: ﴿