×

ص

الآية ١١

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّنَ ٱلْأَحْزَابِ ﴿١١﴾

جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ﴾ [ص ١١] إعراب (جند)؟ * الطالب: ﴿جُنْدٌ﴾ خبر لمبتدأ محذوف. * الشيخ: التقدير؟ * الطالب: هم جند. * الشيخ: طيب و﴿مَا﴾ ما المراد بها؟ * الطالب: (...). * طالب آخر: نكرة واصفة. * الشيخ: والتقدير؟ * الطالب: التقدير أنهم مهزومون، أنهم هنالك مهزمون. * الشيخ: أنت قلت: إن ﴿مَا﴾ نكرة واصفة، كيف تقدرها؟ * الطالب: التقدير أن هؤلاء جند مهزومون. * طالب: (...) حقير. * الشيخ: تقدر بالحقير؛ أي: جند حقير هنالك. طيب، المشار إليه في قوله: ﴿هُنَالِكَ﴾؟ * الطالب: المكان حسي. * الشيخ: وعلى ما قال المؤلف؟ * طالب: المكان المعنوي هو التكذيب. * الشيخ: المكان معنوي وهو التكذيب، والقول الثاني بالمكان حسي؛ أي: إنهم إن ارتقوا فهم جند حقير مهزومون هنالك. طيب ﴿مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ﴾ كيف تعرب مهزوم؟ * الطالب: صفة. * الشيخ: صفة لأيش؟ * الطالب: لـ ﴿جُنْدٌ﴾. * الشيخ: ومن الأحزاب؟ * الطالب: صفة. * الشيخ: صفة؟ * الطالب: إما أن نقول: صفة ثانية، وإما أن نقول: حال. * الشيخ: صفة ثانية أو ثالثة؟ * الطالب: ثالثة. * الشيخ: ثالثة، لأن (ما) الأولى. * الطالب: الأولى. * الشيخ: ومهزوم؟ * الطالب: صفة ثانية. * الشيخ: طيب، قوله: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ مَن نوح؟ * طالب: نبي الله. * الشيخ: آخر الأنبياء. * الطالب: لا، أول الأنبياء. * الشيخ: ما دليلك على أنه أول الأنبياء من كتاب الله؟ * طالب: قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء ١٦٣]. * الشيخ: الشاهد من الآية؟ * الطالب: ﴿إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾. * الشيخ: دليل آخر؟ * طالب: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [الحديد ٢٦]. * الشيخ: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾.طيب. دليل من السنة؟ * الطالب: قوله عليه الصلاة والسلام فيما ثبت في حديث الشفاعة: (...) سيأتون إلى نوح عليه السلام ويقولون له: أنت أول الرسل.. * الشيخ: «أَنْتَ أَوَّلُ رَسُولٍ أَرْسَلَهُ اللَّهُ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ»[[جزء من حديث الشفاعة الطويل الذي أخرجه الشيخان: البخاري (٤٤٧٦)، ومسلم (١٩٣/٣٢٢) من حديث أنس رضي الله عنه، ولفظه «يجتمع المؤمنون يوم القيامة، فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا، فيأتون آدم فيقولون: أنت أبو الناس، خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء، فاشفع لنا عند ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا، فيقول: لست هناكم، ويذكر ذنبه فيستحي، ائتوا نوحًا، فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض ...» الحديث.]]. طيب، وبناء على هذا نستفيد أن من قال: إن إدريس أحد أجداد نوح.. * الطالب: أنه خطأ. * الشيخ: خطأ وغلط. تمام. * الشيخ: كم بقي نوح في قومه؟ * الطالب: ألف سنة إلا خمسين عامًا. * الشيخ: ألف سنة إلا خمسين عامًا، والنتيجة؟ * الطالب: ما آمن معه إلا قليل. * الشيخ: ما آمن معه إلا قليل، أحسنت، وكفر ممن كفر به أحد أبنائه. طيب نأخذ من هذا عبرة سيأتينا إن شاء الله في الفوائد. * الشيخ: عاد؟ * الطالب: قوم هود. * الشيخ: ما هو وصفهم الذي تميزوا به عن غيرهم؟ * الطالب: كانوا شديدي القوة وتكبروا بهذه القوة، وقالوا: من أشد منا قوة؟ * الشيخ: وبماذا هلكوا؟ * الطالب: أهلكهم الله بالريح. * الشيخ: بالريح. طيب، قوله تعالى: ﴿وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ﴾ ما معنى (ذو الأوتاد)؟ * الطالب: ذو الجبال. * الشيخ: لا، ما هي. * الطالب: ذكر المؤلف أنها (...). * الشيخ: أنها أوتاد يدقها في الأرض ويربط بها أيدي وأرجل مَنْ عصاه. * الطالب: ولكن قلنا: أن الأولى أنها تُفَسَّر بقوة. * الشيخ: بقوة، يعني: بقوة وشدة الملك والسلطان. * الطالب: كما يقال في أوتاد الخيمة. * الشيخ: كما يقال في أوتاد الخيمة التي تمسكها وتثبتها. قال الله عز وجل: ﴿وَثَمُودُ﴾ معطوفة على ﴿قَوْمُ نُوحٍ﴾ يعني: وكذبت قبلهم ثمود أصحاب صالح، وهم في مكان يقال له: الحجر، وتُسَمَّى الآن بمدائن صالح. أرسله الله سبحانه وتعالى إليهم ولكنهم كفروا به ولم يؤمن معه إلا قليل، وآتاهم الله تعالى آية عظيمة وهي ناقة يحلبونها يومًا وتشرب الماء يومًا آخر، وقيل: إن الواحد منهم يأتي إليها فيسقيها ويأخذ من لبنها بقدر ما أسقاها، فالله أعلم. المهم أن هؤلاء القوم عندهم قوة يتخذون من الجبال بيوتًا، ولا تزل آثارهم باقية إلى اليوم، وقد مر النبي ﷺ بها وهو ذاهب إلى تبوك فقَنَّع رأسه ﷺ؛ يعني: غطاه وأسرع في السيرة، وقال: «لَا تَدْخُلُوا عَلى هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الْمُعَذَّبِينَ إِلَّا وَأَنْتُمْ بَاكُونَ، فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَهُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٣)، ومسلم (٢٩٨٠ / ٣٨) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما ولفظه: قال رسول الله ﷺ لأصحاب الحجر: «لا تدخلوا على هؤلاء القوم المُعَذَّبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم؛ أن يصيبكم مثل ما أصابهم».]]. قال: ﴿وَقَوْمُ لُوطٍ﴾ لوط ابن أخي إبراهيم، أرسله الله تعالى إلى قومه وكانوا قد ارتكبوا الفاحشة -والعياذ بالله- فكانوا يأتون الرجال ويدعون النساء ووبخهم لوط على ذلك، وقال: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ [الشعراء ١٦٥، ١٦٦]، فأنتم الآن تركتم الحلال إلى الحرام، وتركتم النزيه إلى الخسيس، ولكنهم أَبَوْا واستكبروا حتى إن زوجته كانت منهم فأمره الله تعالى أن يسري بأهله، وأرسل على قومه حجارة من سجيل حتى جعل عاليها سافلها، وهذا من المناسبة بوضوح؛ فإن هؤلاء لما انقلبوا عن الحقيقة ونزلوا إلى أسفل الأخلاق جعل الله أعالي قريتهم جعلها سافلها. واختلف العلماء في معنى هذه؛ فقال بعضهم: إن الأرض حملت ثم نُكِّسَت فصارت أعاليها سافلها، وقال بعضهم: بل إنها تهدمت من الحجارة التي أرسلت إليهم حتى صار أعاليها سافلها. قال: ﴿وَأَصْحَابُ الايْكَةِ﴾ [ص: ١٣] ﴿وَأَصْحَابُ الايْكَةِ﴾ أو ﴿الْأَيْكَةِ﴾ فيها قراءتان. ﴿الْأَيْكَةِ﴾ قال المؤلف: (الغيظة وهم قوم شعيب عليه السلام) الغيظة هي الأشجار الملتف بعضها إلى بعض، وكانوا في نعيم ولكنهم عَصَوا شعيبًا وسَخِروا منه وقالوا: ﴿يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ [هود ٩١] ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود ٨٧] يسخرون به ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ [الشعراء ١٨٩]. قال أهل العلم: إنهم أصيبوا بحر شديد جدًّا فأرسل الله تعالى غمامة لها ظِلٌّ فتَنَادَوْا إليها يستظلون بظلها فكان ظلها أكثر إحراقًا من الشمس والعياذ بالله، فأتوا من حيث أَمِنُوا. يقول الله عز وجل في هؤلاء: ﴿أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ﴾ [ص ١٣] يعني أولئك الأحزاب العظماء الذين طغوا واستكبروا وكذبوا الرسل، فالإشارة هنا بصيغة البُعد إما لدُنُوِّ منزلتهم وبعدها عن الصواب، وإما لعلوها باعتبار حالهم التي كانوا عليها من الطغيان والعتو؛ وذلك لأن (أولاء) لا يشار بها إلا إلى الشيء البعيد عُلوًّا أو نزولًا أو مساحة. ﴿أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ﴾ جمع (حزب)، والحزب هو الطائفة، قال الله تعالى: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون ٥٣] أي كل طائفة. ﴿أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ﴾ يحتمل أن تكون مبتدأ وخبرًا؛ يعني: أولئك هم الأحزاب الذين كذبوا الرسل فأهلكناهم، ويحتمل أن تكون ﴿الْأَحْزَابُ﴾ صفة لـ﴿أُولَئِكَ﴾. وقوله: ﴿إِنْ كُلٌّ﴾ [ص ١٤] الجملة خير المبتدأ. ﴿إِنْ﴾ قال: (ما) إي (إن) نافية، وقد سبق لنا قريبًا أن (إن) تُسْتَعمل في اللغة العربية على وجوه: النفي، والشرط، ومخففة من الثقيلة، والزائدة، قال: ﴿إِنْ كُلٌّ﴾، ما كُلٌّ من الأحزاب ﴿إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ ﴿كُلٌّ﴾ من هؤلاء الأحزاب كذبوا الرسل، والرسل جمع رسول. وهل الرسل التي جُمِعَت موزعة على الجمع توزيع أفراد أو توزيع كل؟ المعنى أنهم أحزاب ﴿إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ يعني: كل حزب كذب رسوله، وعلى هذا فالجمع مُوَزَّع على الجمع الذي قبله توزيع أفراد، أو هو توزيع جملة أي كل حزب كذب جميع الرسل. المؤلف مشى على الثاني: قال: (لأنهم إذا كذبوا واحدًا فقد كذبوا جميعهم لأن دعوتهم واحدة وهي دعوة التوحيد). فمشى رحمه الله على أن الجمع موزع على الأفراد توزيع جمع؛ يعني كل حزب كذب جميع الرسل، ويؤيد ما ذهب إليه رحمه الله قول تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء ١٠٥] فإن ذكر قوم نوح كذبوا المرسلين، ومن المعلوم أنه لم يُبْعَث رسول قبل نوح حتى نقول: إنهم كذبوا مَنْ سبق، وعلى هذا فيكون ما ذهب إليه المؤلف أرجح مما يحتمله اللفظ احتمالًا مرجوحًا وهي أن يكون الجمع موزعًا على ما قبله توزيع أفراد ﴿إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾. وقوله: ﴿إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ يعني سبحانه وتعالى باعتبار الجملة؛ لأن بعض القوم آمنوا لكنهم كانوا قلة، والقلة مع الكثرة تنغمر فيها فلهذا قال: (﴿إِنْ كُلٌّ﴾ من الأحزاب ﴿إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ )، ويحتمل أن يقال: إنه لا حاجة إلا هذا التقدير فلا حاجة أن نقول: إن هذا باعتبار الكثير من هؤلاء الأقوام؛ لأنه قال: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ فيكون قوله: ﴿إِنْ كُلٌّ﴾ أي: من المكذبين، ﴿إِنْ كُلٌّ﴾ يعني من هؤلاء المكذبين ﴿إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾، وعلى هذا فلا حاجة إلى الاستثناء، إلى استثناء الذين آمنوا، وإلى القول: بأن الآية جاءت على الأغلب. قال الله تعالى: ﴿إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ الرسل الذين أُرْسِلوا إليهم، وهنا نحتاج إلى الفرق بين الرسل والنبيين فنقول: أولًا: كُلُّ مَنْ ذُكِرَ في القرآن من النبيين فهو رسول ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر ٧٨]، وعلى هذا فيكون كُلُّ مَنْ ذُكِرَ في القرآن من الرسل؛ لأنهم قصوا علينا، وكل من قُصَّ علينا فهو رسول. أما على سبيل العموم فإن العلماء يقولون على المشهور عندهم: إن الرسول من أوحي إليه بشرع، وأُمِرَ بتبليغه والدعوة إليه؛ لأنه رسول، والرسول ما عليه إلا البلاغ ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة ٦٧]، وأما النبي: فهو الذي أوحي إليه بوحي لكن لم يؤمر بالتبليغ، فيكون كالمجدد من هذه الأمة، فالمجدد من هذه الأمة صالح في نفسه ولكنه يدعو حسب استطاعته، فالنبي لم يُكَلَّف بالرسالة، وإنما أوحي إليه بما يصلحه ويصلح به غيره لا على سبيل الإلزام بالرسالة. وذهب بعض أهل العلم إلى أن الفرق أن النبي هو مَنْ جَدَّد شَرْع مَنْ قبله ولم يَسْتَقِلَّ بوحي فهو يأتي بالشريعة لسابقة، وأما الرسول فهو الذي يُجَدِّد له الوحي ويأتي بشريعة مستقلة. وهذا القول قد نقول: إنه جيد لقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ [المائدة ٤٤]، ولكنه ينتقض بآدم عليه الصلاة والسلام فإن آدم نبي ولم يكن تابعًا لشريعة سابقة، والقول إذا انتقض فهو ضعيف غير مُعْتَمَدٍ عليه. قال: ﴿إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ﴾ [ص ١٤] ﴿حَقَّ﴾: أي: وَجَب، ﴿حَقَّ﴾ يعني: وجب وثبت. وقوله: ﴿عِقَابِ﴾ فاعل (حَقَّ) مرفوع وعلامة رفعة الكسرة الظاهرة على آخره، لأن الاسم المفرد يرفع بالكسرة! * طلبة: ليس بصحيح. * الشيخ: ما هو صحيح؟ إذن كيف جاءت هذه الكسرة؟ هذه الكسرة جاءت من أجل مناسبة الياء المحذوفة للتخفيف، وتقدير الكلام: (فحق عقابي) لكن حُذِفَت الياء للتخفيف، وعلى هذا فنقول: ﴿عِقَابِ﴾ فاعل مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة. ﴿فَحَقَّ عِقَابِ﴾ العقاب هو المؤاخذة على الذنب؛ ولهذا سُمِّي عقابًا لأنه يأتي عقب الجريمة، فكلُّ عذاب على جريمة فإنه يُسَمَّى عقابًا. هذا العقاب الذي أنزله الله بهم هو عقاب مَبْنِيٌّ على العدل؛ لأن الله تعالى أضافه إلى نفسه فقال: (حق عقابي)، ونحن نعلم أن الرَّبَّ عز وجل لا يظلم أحدًا أبدًا لا يزيد في سيئاته ولا وينقص من حسناته، لكن لو كان العقاب من غير الله لكان يمكن أن يزداد على الجريمة، أما العقاب الذي أضافه الله إلى نفسه فهو عقاب عدل. قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ [ص ١٥]. ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ﴾ ﴿يَنْظُرُ﴾ إذا تعدت بـ(إلى)فهي نظر العين، وإن جاءت متعدية بنفسها صارت بمعنى الانتظار، وإن جاءت مطلقة فهي على حسب السياق، يعني: جاءت غير مقيدة بحرف جر ولا مقيدة بمفعول فهي على حسب السياق، مثال التي قُيِّدَت بـ(إلى): قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة ٢٢، ٢٣] فإن ﴿نَاظِرَةٌ﴾ هنا بمعنى باصرة بالعين؛ لأنها تعدت بـ(إلى)، وأُضيفت إلى الوجوه أيضًا التي هي مكان العيون، وإذا جاءت متعدية بنفسها فإنها تكون بمعنى الانتظار، ومنه قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد ١٨]. وقد تأتي متعدية ويكون المراد بها نظر العبرة. ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ [ص ١٥] ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ﴾ ﴿يَنْظُرُ﴾ إذا تعدت بـ(إلى) فهي نظر العين، وإن جاءت متعدية بنفسها صارت بمعنى الانتظار، وإن جاءت مطلقة فهي على حسب السياق؛ يعني إن جاءت غير مقيدة بحرف جر، ولا مقيدة بمفعول فهي على حسب السياق، مثال التي قُيدت بـ(إلى) قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة ٢٢، ٢٣]. فإن ﴿نَاظِرَةٌ﴾ هنا بمعنى (باصرة بالعين)؛ لأنها تعدت بـ(إلى) وأُضيفت إلى الوجوه أيضًا التي هي مكان العيون، وإذا جاءت متعدية بنفسها فإنها تكون بمعنى الانتظار، ومنه قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد ١٨]. وقد تأتي متعدية ويكون المراد بها النظر العِبرة والتفكر كما في قوله تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس ١٠١]. وإن جاءت مطلقة غير مُعدَّاة بنفسها، ولا بـ(إلى) فهي بحسب السياق، مثل قوله تعالى: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين ٢٣]، منهم من قال: ﴿يَنْظُرُونَ﴾ بمعنى ينتظرون النعيم الذي يُؤتَى بهم إليهم، ومنهم من قال: ﴿يَنْظُرُونَ﴾ أي ينظرون إلى ما أنعم الله به عليهم، ومنه النظر إلى وجه الله. هنا ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً﴾ متعدية بأيش؟ * طالب: بنفسها. * الشيخ: بنفسها؛ إذن هي بمعنى (ينتظر). يعني ما ينتظر هؤلاء، والمشار إليهم أهل مكة أي كفارها، كما قال المؤلف: (أي كفار مكة) ﴿إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ ﴿صَيْحَةً﴾ يُصاح بهم ﴿وَاحِدَةً﴾ لا تُعاد مرة أخرى كما قال الله تعالى: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرّ﴾ [القمر ٤٦]، وقال أيضًا: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ﴾ [القمر ٤٩-٥٠]، وقال: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس ٥٣]، فالصيحة هي التي تكون يوم القيامة كما قال المؤلف: (هي نفخة القيامة تحل بهم العذاب) وهي الساعة، هذه الصيحة الواحدة. (﴿مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ بفتح الفاء وضمها أي: رجوع) ﴿مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ ﴿مَا﴾ نافية، وليست هنا حجازية لاتفاق التميميين والحجازيين على عدم عملها؛ لأن الحجازيين يُعملونها بشرط الترتيب؛ أي تقدم الاسم على الخبر، وهنا لم يتقدم الاسم على الخبر بل تأخر، فهي إذن نافية. و﴿لَهَا﴾ جار ومجرور خبر مقدم ﴿مِنْ فَوَاقٍ﴾، ﴿مِنْ﴾ حرف جر زائد للتأكيد، و﴿فَوَاقٍ﴾ مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، أما من حيث التصريف فقال المؤلف: (إنها بفتح الفاء وضمها) ﴿فَوَاقٍ﴾ و﴿فُوَاقٍ﴾ ومعناه الرجوع، وقيل معناه: الإمهال يعني أنها لا تمهلهم بل تأخذهم بسرعة، وقيل: إنها إن كانت ﴿فَوَاقٍ﴾ فهي بمعنى الرجوع؛ لأنها (أفاق، يُفيق) إذا رجع إلى عقله، وإذا كان ﴿فَوَاقٍ﴾ فهي بمعنى الإمهال، مأخوذ من قولهم: فُواق ناقة، فُواق الناقة ما بين الحلبتين، أو ما بين الرضعتين، ما بين الحلبتين إذا كانت تُحلب، وهي مدة وجيزة؛ يعني مثلًا الإنسان يعصر الثدي كذا، ثم يعود فيعصره، ويعود ويعصره، فالمدة بين الحلبتين قليلة، وكذلك بين الرضعتين، الرضيع الطفل إذا كان يرضع الأم يمص، ثم يمص، ثم يمص، وهم يطلقون هذا على سرعة الشيء وعدم إمهاله، ويمكن أن نقول: إن القراءتين تجمعان المعنيين فيكون المعنى ﴿مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ أي: ما لها من رجوع ولا إمهال. ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [ص ١٦] أعوذ بالله، لما توعدهم الرسول عليه الصلاة والسلام بيوم القيامة، وأن لهم العذاب فيها تحدوا الرسول عليه الصلاة والسلام، بل تحدوا الله وقالوا: ﴿رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا﴾ يعني نصيبنا، يقولون ذلك تحديًا واستكبارًا وعنادًا والعياذ بالله، وهذا كقولهم: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال ٣٢]. هذا قول معاند مستكبر، وكان الواجب عليهم أن يقولوا: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا إليه، ووفِّقْنا له، هذا الواجب، أما أن يقولوا: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ فهذا لا شك أنه في غاية الاستكبار والعياذ بالله. قال المؤلف: (وقالوا: لما نزلت ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الحاقة ١٩] إلى آخره يعني ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ﴾ [الحاقة ٢٥] قالوا: ﴿رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا﴾ أي كتاب أعمالنا ﴿قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ ) قالوا ذلك استهزاء). وما ذهب إليه المؤلف يحتمله اللفظ لكن لا دليل عليه فيه، والصحيح أن المراد ﴿قِطَّنَا﴾ أي: نصيبنا من العذاب، الذي توعدتنا به وقلت: إنه سيأتيكم عذاب كما أتى الأحزاب من قبلكم، فكأنهم يقولون: إذا كان الأحزاب قد أُوتوا العذاب من قبلِنا فليأتِ لنا نصيبنا، وهذا لا شك أنه في غاية ما يكون من التحدي والسخرية والاستكبار والعياذ بالله، وأنت تعجب أن تصل الحال بالبَشر وهو واحد من بني آدم، أن تصل به إلى هذا التحدي والعياذ بالله، ولكن الشيطان إذا أطاعوه، فإن الشيطان عدو للإنسان يحمله على شيء يكاد الإنسان يقول: إن هذا لا يمكن أن يقع، والله الموفق. * * * * طالب: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (١٦) اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (١٨) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (١٩) وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ (٢٠) وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾ [ص ١٦ - ٢٢]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، سبق لنا أن الله سبحانه وتعالى ذكر أن الأمم السابقة كَذَّبت رسلها فأُخِذوا بالعقاب، ذكر الله تعالى ذلك تحذيرًا للمكذبين لرسول الله ﷺ وتسلية للرسول ﷺ، وممن ذكر قوم لوط، فما هي معصيتهم التي انفردوا بها عن سواهم؟ * طالب: المعصية هي الفاحشة؛ فاحشة اللواط، انتشرت بينهم حتى زوجة نبي الله لوط عليه الصلاة والسلام كانت معهم، تعاونهم (...)، هذه الفاحشة، واعتراض الناس في طرقهم. * الشيخ: لا، هذه ما ذكرت في القرآن. * طالب: ناديهم. * الشيخ: نعم، يأتون في ناديهم المنكر، المنكر هو نفس هذا الشيء. ماذا كان عقوبتهم؟ * الطالب: عقوبتهم يعني انقلابهم، بيوتهم تركض إلى الأسفل وهي أرضهم على الأسفل، يعني فيه قولان؛ قول: (...) الأسفل. * الشيخ: أن الله قلب مدائنهم، القول الثاني؟ * الطالب: القول الثاني: يعني انقلب عليه الأرض، جعل أعلاهم أسفل. * الشيخ: هذا نفس القول الأول. * الطالب: والقول الثاني: هو الذي (...) السقف الأسفل. * الشيخ: تمام، يعني أمطر الله عليهم حجارة من سجيل فهدمت البناء حتى كان أعلاها أسفلها. قوله: ﴿أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ إِنْ كُلٌّ﴾ [ص ١٣، ١٤] كيف نعرب هذه؟ * الطالب: ﴿أُولَئِكَ﴾ مبتدأ. * الشيخ: ﴿أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ﴾. * الطالب: ﴿أُولَئِكَ﴾ مبتدأ ﴿كُلٌّ﴾ خبر. * الشيخ: و﴿الْأَحْزَابُ﴾؟ * الطالب: صفة. * الشيخ: صفة لـ﴿أُولَئِكَ﴾، ما فيه إعراب آخر؟ * الطالب: ﴿أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ﴾ ﴿أُولَئِكَ﴾ مبتدأ و﴿الْأَحْزَابُ﴾ خبر. * الشيخ: ﴿أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ﴾ فتكون ﴿إِنْ كُلٌّ﴾ استئنافية لبيان مآل هؤلاء الأحزاب. قال الله تعالى: ﴿إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ﴾ كيف نعرب ﴿إِنْ﴾؟ * طالب: (إن) نافية بمعنى (ما). * الشيخ: بمعنى (ما)، ما علامة (إن) النافية؟ * الطالب: تكون بعدها (إلا). * الشيخ: أن يقع بعدها (إلا) تمام. لماذا قال الرسل، هل الرسل هنا جمع موزع على ما سبق توزيع أفراد أو توزيع جمع؟ * الطالب: محتملة، لكن الأرجح أنها توزيع. * الشيخ: محتملة أيش؟ مش محتملة. * الطالب: محتملة أن تكون موزعة توزيع أفراد؛ بمعنى أن كل حزب كذب رسوله وهذا المراد، ويحتمل أن يكون الثاني أن يكون كل حزب كذَّب جميع الرسل، وهذا هو الأرجح. * الشيخ: توزيع أيش يكون؟ * الطالب: توزيع جمع. * الشيخ: توزيع جمع؛ لأن الجمع مُوزَّع على كل فرد؛ يعني كل حزب كذَّب جميع الرسل، ما هو الراجح؟ * الطالب: الراجح أنها توزيع جمع. * الشيخ: توزيع جمع، ما هو الدليل على رجحانه؟ * الطالب: أن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء ١٠٥]. * الشيخ: أن الله قال: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ مع أنه لم يسبق نوحًا رسول، ومع ذلك قال: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ ما وجه هذا القول؟ ما وجه أن نقول: إن المكذب لرسول واحد مكذب لجميع الرسل؟ * الطالب: لأن الكل من عند الله. * الشيخ: لأن الكل من عند الله ودعوتهم واحدة، فيكون تكذيب جنس لا تكذيب شخص، تمام. قوله: ﴿مَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ﴾ ما معنى ﴿مَا يَنْظُرُ﴾؟ * طالب: معنى ﴿مَا يَنْظُرُ﴾ يعني على معنيين.. لفظ يعني وجهين. * الشيخ: ما نريد لفظًا، حدِّد ﴿مَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً﴾؟ * الطالب: إذا جاءت بمعنى (إلى). * الشيخ: أنا قلت: قل الآية هذه؛ لأن ترى الذي إذا سألته عن شيء محدد، وراح يجيب التفصيل معناه ما عرف، كطالب سُئِل عن مسألة فكتب الفصل كله، فيه طالب في الامتحان سأله ما حكم الالتفات في الصلاة؟ فقال: ج: يُكره في الصلاة التفاته، ورفع بصره إلى السماء، وتخصره. واسرد الفصل كله، واكتب في الأخير، خذ ما شئت ودع ما شئت، يعني أنت مثلًا أسألك عن شيء محدد تجيب كل القسم، أقول: ما معنى قوله: ﴿مَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ﴾؟ * الطالب: ما ينتظر يعنى. * الشيخ: ما ينتظر هؤلاء، أحسنت. كلمة ﴿يَنْظُرُ﴾ تأتي لمعانٍ منها ينتظر كما في هذه الآية، ومنها؟ * طالب: منها النظر والإبصار، المعنى الثاني، إذا كانت.. * الشيخ: منها أن تأتي بمعنى النظر للعين. * الطالب: إذا كانت مُعدَّاة بـ(إلى). * الشيخ: إذا كانت مُعدَّاة بـ(إلى) مثل: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ [الغاشية ١٧] والثالث؟ * الطالب: أن تكون بحسب السياق، بنظر التفكر يعني. * الشيخ: أن تكون بنظر التفكر. * الطالب: لقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف ١٨٥]. * الشيخ: ﴿قُلِ انْظُرُوا﴾ [يونس ١٠١]. * الطالب: ﴿قُلِ انْظُرُوا﴾. * الشيخ: في ملكوت ومثل أيضًا الذي ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ﴾ إذن تأتي بمعنى النظر الفكري، ويؤيد ذلك السياق. قوله: ﴿مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ ﴿فَوَاقٍ﴾ فيها قراءتان؟ * طالب: ﴿فَوَاقٍ﴾ و﴿فُوَاق﴾ . * الشيخ: هل معناهما واحد على ما ذهب إليه المؤلف وعلى ما قررناه؟ * طالب: ﴿فَوَاقٍ﴾ معناها الرجوع والإهمال. * الشيخ: ما معناها على رأي المؤلف؟ هل معنى اللفظتين واحد؟ * الطالب: على رأي المؤلف معناها الرجوع فقط. * الشيخ: إذن معناهما واحد؟ * الطالب: إي نعم. * الشيخ: يعني ﴿فَوَاقٍ﴾ و﴿فُوَاقٍ﴾ معناهما واحد، كذا؟ فيه رأي آخر؟ * طالب: نعم. * الشيخ: ما هو؟ * الطالب: أن ﴿فُوَاقٍ﴾ هو مُدَّة بين حلبتين. * الشيخ: فُوَاق الناقة؛ يعني المدة بين الحلبتين أو الرضعتين إذا كانت يرضعها طفلها. والمعنى إذا أخذنا بالقراءتين يكون معنى الآية، أخذنا بالقراءتين على الوجهين الذين ذكرنا. * طالب: يعني شدة سرعة أخذهم. * الشيخ: سرعة أخذهم كذا؟ وأنه لا يُرفع عنهم، فإذا فسرناها بالرجوع ﴿مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ بالرجوع بمعنى أن العذاب لا يُرفع عنهم، ﴿مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾ يعني من إمهال، فالمعنى أنه سريع بهم. قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ [ص ٦، ٧]. * من فوائد هذه الآية: أن هؤلاء المكذبين لرسول الله ﷺ فيما جاء به من التوحيد ليس عندهم دليل إلا ما كان عليهم آباؤهم؛ لقولهم: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾. * ومن فوائدها: أن هؤلاء مكابرون معاندون، فمع كونهم لا دليل عندهم قالوا: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن كل إنسان ليس عنده علم شرعي فإنه يلجأ إلى ما كان الناس عليه في العادة، وهذا كما هو فيما سبق، فهذا فيما حضر كثير من الناس تنهاه عن المنكر فيقول: هذا الذي مشى عليه الناس، وهذا ليس بحُجَّة، وهذا كما أنه سابق فهو أيضًا لاحق، فإن من الناس من إذا أنكرت عليه المنكر قال: هذا ما زال الناس عليه، أو يقول: ما سمعنا بهذا. ومنه قول بعض العامة إذا نُبِّهوا على شيء لم يكونوا يعرفونه، قالوا: هذا دين جديد، ما سمعنا بهذا، وهذا ليس بحجة، الحجة: الدليل القائم من كتاب الله وسُنَّة رسوله ﷺ. * ومن فوائد هذه الآيات في قوله: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ [ص ٨] إلى آخره: أن هؤلاء يريدون أن يكون الشرع تابعًا لأهوائهم، يأتي الوحي من يشاؤون، ويمتنع عمن لا يشاؤون؛ لقوله: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾. * ومن فوائدها: أن صاحب الباطل لا يعرف أن حجته حجة عليه؛ لأن قولهم: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ هي حجة فيما لو نزل الذكر على من يشاؤون؛ لأنه لو نزل على من عينوه وأرادوه لقال غيرهم: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾. * ويتفرع على هذه الفائدة: أن كل مُبطل يحتج بحق -أي بدليل الحق- لكن استدلاله به باطل فإنه لا حجة له، ومن ذلك ما يحتج به أهل التحريف في باب الصفات أو غيره من الأدلة الصحيحة التي ليس لهم فيها استدلال، فمثلًا أهل التعطيل يستدلون لتعطيلهم بقول الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١]، ومن المعلوم أنه عند التأمل يكون هذا الدليل حجة عليهم؛ لأن نفي المماثلة يدل على ثبوت أصل المعنى، ولو لم يكن أصل المعنى ثابتًا لم يكن لنفي المماثلة فائدة، أليس كذلك؟ وهكذا كل مبطل يحتج لباطله بحجة صحيحة لكن استدلالها بها غير صحيح نجد أن هذه الحجة حُجَّة عليه، وقد ذكر شيخ الإسلام رحمه الله في كتابه درء تعارض العقل والنقل المعروف بالعقل والنقل أنه ملتزم بأنه ما من صاحب باطل يحتج بآية أو حديث صحيح إلا كان دليله حجة عليه وليس له. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء الذين اقترحوا هذا الاقتراح، وأنكروا أن ينزل الوحي على محمد ﷺ هم في شك مما يدعون، فإذا كانوا في شك فكيف يقترحون؟ ولهذا قال: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن المكذبين للرسل يوشك أن ينزل بهم العذاب؛ لقوله: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾. * ومن فوائدها: أن العذاب إذا نزل فإنه يكون ماسًّا للإنسان مؤثرًا فيه؛ لأنه عبر عن ذلك بقوله: ﴿يَذُوقُوا عَذَابِ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن الكلمات تُفسَّر بحسب السياق، فالذوق في الأصل إنما هو في الطعام والشراب، ولكن قد يُراد به ما أصاب الإنسان إصابة مباشرة فإنه يُسمى مذوقًا. ثم قال عز وجل: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ﴾ [ص ٩، ١٠]. * من فوائد هاتين الآيتين: إبطال حجة هؤلاء الذين قالوا: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾، وذلك بأن إنزال الوحي على شخص ما هو من فضْل الله عليه، ومن خزائن رحمته، وهذا لا يملكه هؤلاء المقترِحون؛ لأن الأمر والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات هذين الاسمين من أسماء الله ﴿الْعَزِيزِ﴾ و﴿الْوَهَّابِ﴾، وإثبات ما تضمنها من صفة، فالعزيز تضمن صفة هي العزة وأقسامها ثلاثة، كما مر علينا في التفسير، والوهاب تضمن صفة هي الهبة الكثيرة، وما أكثر هبات الله عز وجل، وتضمن القدرة؛ لأنه لا يهب إلا القادر، وتضمن الغِنى؛ لأن من لا شيء عنده لا يمكن أن يهب، وتضمن الكرم؛ لأن البخيل لا يهب، دلالة الوهاب على الهبة من باب دلالة؟ * طالب: المطابقة. * الشيخ: لا. * الطالب: التضمن. * الشيخ: التضمن، من باب دلالة التضمن وعلى الهبة والوهاب من باب دلالة المطابقة، وعلى القدرة والغنى والكرم من باب دلالة الالتزام، فإذن في هذا الاسم أنواع الدلالات الثلاثة وهي؟ * طالب: (...) الوهاب. * الشيخ: أنواع الدلالات الثلاثة ما هي؟ * الطالب: الالتزام، والمطابقة، والتضمن. * الشيخ: الفرق بين هذه الثلاثة؛ أن دلالة اللفظ على جميع معناه دلالة مطابقة، وعلى جزء معناه التضمن، وعلى اللازم الخارج الذي لا يدل عليه اللفظ بلفظه لكن من لوازمه دلالة التزام، أضرب لها مثلًا في أمر حسي ليتبين به الأمر المعنوي، هذا بيت يشتمل على غرف ومجالس وبرحات؛ يعني أحواشًا، دلالة هذا البيت على جميع ما فيه من الغرف والمجالس والأحواش دلالة مطابقة، ودلالته على كل حجرة وحدها، وكل مجلس وحده، وكل حوش وحده دلالة تضمن، ودلالته على أن له بانيًا دلالة التزام؛ لأن البيت لا بد له من بانٍ فنقول: هذا قد بناه بانٍ، ويش الدليل؟ لأن البيت لا بد له من بانٍ، فالوهَّاب مثلًا دلالته على الاسم والصفة التي هي الهبة، على الاسم والهبة؟ * طلبة: مطابقة. * الشيخ: مُطابَقة، وعلى الاسم وحده أو الهبة وحدها؟ * طلبة: التضمن. * الشيخ: التضمن. وعلى القدرة والغنى والكرم. * طلبة: التزام. * الشيخ: دلالة التزام. * ومن فوائد الآية الكريمة: مراعاة فواصل الآيات لسياق الآية؛ لأن ﴿الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾ يناسب قوله: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾. والمطابقة أو مناسبة فواصل الآيات لمضمون الآية دليل على البلاغة، ولا يشذ عن هذا شيء؛ ولهذا لما قرأ رجل عند أعرابي: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُور رَحِيم) استغرب الأعرابي كيف يقول: (نكالًا من الله)، ثم يقول: (والله غفور رحيم)؟ المغفرة والرحمة لا تتناسب مع النكال، فقال الأعرابي للقارئ: أعِدْ قال: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ غفور رحيم) قال: أعِد، ما هكذا الآية. فقال: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة ٣٨]، قال: الآن عز وحكم فقطع، ولو غفر ورحم ما قطع، سبحانه وتعالى، ولهذا قال الله تعالى في سورة المائدة في الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا قال: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة ٣٣، ٣٤] فأخذ العلماء من هذه الآية أنهم إذا تابوا قبل القدرة عليهم سقط عنهم الحد؛ لأن الله قال: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي: فإذا غفر لهم ورحمهم فإنهم لا يُقام عليهم الحد. في هذه الآية مناسبة ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ﴾ مناسبة ظاهرة؛ لأن الله ذو رحمة، وذو عزة وغلبة، وذو هبة وعطاء، فيُعطي من شاء بما تقتضيه عزته من خزائن رحمته، لكن بعض الآيات تكون فواصلها مخالفة لمضمونها فيما يظهر، مثل قول عيسى عليه الصلاة والسلام: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة ١١٧، ١١٨]. فهنا جاء قوله: ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ جوابًا لقوله: ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ وكان المتوقع أن تكون الآية (وإن تغفر لهم فإنك أنت الغفور الرحيم)، فاستشكل بعض العلماء هذا، وقالوا: كيف يقول: ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ولم يقل: (فإنك أنت الغفور الرحيم)، وأُجيب عن ذلك بأن عيسى عليه الصلاة والسلام لم يقتصر على ذكر المغفرة، بل ذكر المغفرة والتعذيب، قال: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ﴾ ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ فكان الحُكم الآن مترددًا بين المغفرة والرحمة، إن نظرنا إلى قوله: ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ وبين العزة والحكمة والحكم إذا نظرنا إلى قوله: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ﴾ فصار ختم الآية، أو ختم القول بقوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أنسب؛ لأن حتى المغفرة إذا حصلت فهي من عزة وحكمة. ثم قال عز وجل: ﴿أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [ص ١٠]. * من فوائد هذه الآية كالتي قبلها: أن الخلق لا يملكون خزائن رحمة الله، ولا يملكون السماوات والأرض وما بينهما؛ لأن ذلك ممن؟ من الله عز وجل؛ ولهذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: «اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٨٤٤)، ومسلم (٥٩٣ /١٣٧) من حديث المغيرة بن شعبة. ]]. فخزائن رحمة الله لا يملكها أحد، الذي يملكها هو الله عز وجل. وفي حديث ابن عباس: «وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَنْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ»[[أخرجه الترمذي (٢٥١٦)، وأحمد (٢٦٦٩).]]. * ويتفرع على هذه الفائدة: أنه لا ينبغي للإنسان أن يعلق رجاءه إلا بمن؟ إلا بالله عز وجل، لا يعلق رجاءه بمخلوق إلا في الحدود الضعيفة المرسومة، يجعل الرجاء كله والتعلق كله بالله سبحانه وتعالى، وإذا جعل هذا بالله سَخَّر الله له المخلوقات؛ حتى البشر يُسخِّرهم له، لكن إذا تعلق بغير الله وُكِل إليه وضاع، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ﴾ [ص ٩]، فخزائن رحمة الله عند الله سبحانه وتعالى. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات ملكية الله للسماوات والأرض وما بينهما؛ لأن نفي ملك هؤلاء لها دليل على ثبوت الملكية لغيرهم، ولا مالك لهذه إلا الله. * ومن فوائد الآية الكريمة: عِظَم ما بين السماء والأرض، ووجهه: أن الله جعل ما بينهما قسيمًا لهما، والقسيم لا بد أن يكون معادلًا أو مقاربًا لقسيمه، لا يمكن أن تأتي بشيء عظيم تُقارِن بينه وبين شيء بعيد منه في العِظَم. * ومن فوائد الآية الكريمة: تحدي هؤلاء المكذبين أن يأتوا بما يدل على أن لهم شيئًا من ملك السماوات والأرض؛ لقوله: ﴿فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ﴾. * ومن فوائدها: أنه لا ينبغي التحدي إلا بما لا يستطيعه المتحدَّى، لماذا؟ لأنك لو تحديته بشيء يستطيعه، ثم قام به؛ بطلت حجتك، تبطل الحجة نهائيًّا، وهذا يفيدك في باب المناظرة وفي باب النظر أيضًا؛ لأن الناس ناظر ومناظر، فالناظر هو الذي يتأمل الأدلة من ذات نفسه ويحكم عليها والناظر هو الذي يناقشها مع غيره، فمن فوائد النظر والمناظرة أن الإنسان لا يفرض شيئًا على وجه التحدي إلا إذا علم أنه غير ممكن للمتحدَّى؛ لأنه لو فرض شيئًا يتحداه به، ثم أتى به المتحدَّى بطلت حجته وانهارت، وهو أيضًا بنفسه لا تكون عنده القوة المدافِعة أو المهاجمة إذا بطلت حجته كما هو معلوم، والله أعلم. * طالب: إذا كان يا شيخ (...) المناظرة يأتي له بالدليل الأسهل فالأسهل حتى يعرف مقدار علمه، يعني ما يعرف الرجل (...). * الشيخ: على كل حال هذا حسب الحال، قد يكون من المصلحة أن تأتي له بالدليل الأعلى علشان يسكت على طول، أحيانًا يستعمل الإنسان السلاح الثقيل ليقضي على خصمه من أول وهلة؛ لأنه ربما لو تأتي له بالسهل ويجيب ربما تضعف أنت؛ لأن تعرف الضربات إذا توالت على الإنسان أضعفته، (...). من أن يرتقوا إلى السماء، ويؤخذ من قوله: ﴿جُنْدٌ مَا﴾ [ص ١١] فإن ﴿مَا﴾ هذه تفيد التحقيق. * ومن فوائد هذا الآية: أن بعض العلماء أخذ منها أنه لا يمكن الوصول إلى القمر؛ لأن الله قال: ﴿فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ﴾، ثم قال: ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ﴾. ومعلوم أن القمر في السماء، فإذا كان هؤلاء الذين يحاولون أن يرتقوا في الأسباب إلى السماء إذا كانوا جندًا حقيرين مهزومين فإنه لا يمكن أن يُوصَل إلى القمر، فهل يمكن أن يُؤخَذ من هذه الآية؟ * طلبة: ما يمكن. * الشيخ: يمكن أو لا يمكن؟ * طلبة: ما يمكن. * الشيخ: نعم؟ * طالب: ظاهر الآية ممكن. * الشيخ: ظاهر الآية أنه ممكن، والله مشكلة، معناه أننا أيضًا نأخذ من هذه الآية دليل على أن الناس يصلون إلى القمر، إذا كان هذا ظاهر الآية معناه أن الآية دلَّت على أيش؟ إمكان الوصول إلى القمر عكس ما استدل به بعض الناس، والحقيقة أنه لا يمكن أن يكون فيها دليل على امتناع الوصول إلى القمر؛ لأن القمر في السماء الذي هو بمعنى العلو، وليس في السماء الذي هو السماء المحفوظة، وهذا أمر مؤكد يعني ما يختلف فيه اثنان، وإذا كان السحاب في السماء، ويُطلق عليه سماء كما قال تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ [الرعد ١٧]، والناس الآن يصعدون فوق السماء الذي هو السحاب، أليس كذلك؟ كثير منكم ركب الطائرة وهي فوق السحاب، السحاب تحتها، فكذلك القمر في السماء ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ [الفرقان ٦١] لا شك أن القمر في السماء، ولكن هل هو في السماء الذي هو السقف المحفوظ الذي لا يدخل إليه أشرف الملائكة وأشرف البشر إلا باستئذان؟ أجيبوا. * طلبة: لا. * الشيخ: لا، قطعًا لا، بل هو تحته بكثير. إذن فنقول: إنه ليس في الآية دليل على استحالة الوصول إلى القمر كما أنه ليس فيها دليل على إمكان الوصول إلى القمر، ويُترك هذا الأمر للواقع، فإذا صح أنهم وصلوا إلى القمر فإن الشرع لا يحيله، الشرع لا يحيل ذلك، وإذا لم يصح فإن الشرع لا يثبته، الشرع لا يثبت أنهم يصلون، ولا ينفي أنهم يصلون، فإذا قالوا: وصلنا إلى القمر، وثبت ذلك، قلنا: الحمد لله، هذا لا يعارض شرعنا؛ لا كتاب الله ولا سُنَّة رسوله ﷺ، ومعلوم أن القمر تحت النجوم، والنجوم قال الله فيها: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ [الملك ٥] لكن القمر تحتها، وأنا وغيري شاهدنا أن القمر حجب النجوم، أنا شاهدته بعيني كان يساير النجمة التي تسمى (نجمة الصباح)، يسايرها، ومعروف أن القمر يتأخر، فإذا بها تختفي، ابتلعها القمر، ما نشاهدها، فصار كما لو جاءت سحابة، فحالت بيننا وبين القمر، وحدثني من أثق به أن هذا يقع أحيانًا ونشاهده. إذن صار القمر ليس في السماء التي هي السقف المحفوظ، فإذا ثبت أنهم وصلوا إليه فلا غرابة في ذلك. إذن ليس في الآية ما يدل على انتفاء الوصول إلى القمر. * ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان قدرة الله عز وجل، وأن الجنود مهما عظموا فهم حقيرون بالنسبة إلى قوة الله عز وجل وعزته، مهزومون أمام قوته؛ ولهذا قال: ﴿مَهْزُومٌ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجب على هؤلاء المكذبين للرسول ﷺ أن يعتبروا بمن سبقهم؛ لقوله: ﴿مِنَ الْأَحْزَابِ﴾ أي: هم جند حقير مهزومون كما هُزِم غيرهم من الأحزاب، قالت عاد: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت ١٥] ؟ فقال الله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ﴾. ثم قال الله تعالى: ﴿