×

ص

الآية ١٠

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

أَمْ لَهُم مُّلْكُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ فَلْيَرْتَقُوا۟ فِى ٱلْأَسْبَـٰبِ ﴿١٠﴾

أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [ص ١٠]، ﴿أَمْ﴾ هنا للإضراب فهي بمعنى (بل) والهمزة، يعني بل ألهم ملك السماوات؟! وهذا الاستفهام للنفي، يعني: ليس لهم ملك السماوات والأرض. وقوله: ﴿مُلْكُ السَّمَاوَاتِ﴾ السماوات جمع سماء، وهو في اللغة العربية: كل علا، فكل ما علاك فهو سماء، ولكن المراد به هنا السماوات المعروفة المحفوظة، السماوات والمعروف أنها سبع سموات كما صرح الله به في عدة آيات. وقوله: ﴿وَالْأَرْضِ﴾ هي هذه الأرض المعروفة، وهي سبع أرضين أيضًا كما هو ظاهر القرآن في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢] فإن المثلية هنا في العدد لا في الحجم ولا في الكيفية، ولكنها في العدد، وكما جاءت السنة بذلك صريحًا، في قول النبي ﷺ: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا طُوِّقَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ»[[أخرجه مسلم (١٦١٠ / ١٣٧) من حديث سعيد بن زيد رضي الله عنه.]]. وقوله: ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ أي: ما بين السماء والأرض من المخلوقات العظيمة كالشمس والقمر والنجوم والكواكب وغيرها مما لا يعلمه إلا الله، ولكن جَعْلُ ما بين السماوات والأرض قسيمًا لهما يدل على أن ما بينهما مخلوقات عظيمة تقابل السماوات والأرض، طيب مِنَ الذي بينهما؟ قلنا: الشمس والقمر والنجوم والكواكب وكذلك الرياح وكذلك الغيوم، إلى ما غير ذلك مما لم نعلمه وربما يعلمه الخلق وربما لا يعلمونه. قال المؤلف: (إن زعموا ذلك) أي: أن لهم ملك السماوات، فهل يملكون ذلك؟ لا يمكن. ﴿فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ﴾ كأن المؤلف رحمه الله جعل قوله: ﴿فَلْيَرْتَقُوا﴾ جوابًا لشرطٍ مُقَدَّرٍ؛ يعني: (إن زعموا أن لهم ملك السماوات والأرض فليرتقوا في الأسباب الموصلة إلى السماء فيأتوا بالوحي فيخصوا به من شاؤوا). قوله: ﴿فَلْيَرْتَقُوا﴾ الفاء هذه واقعة في جواب شرط مُقَدَّر أي: فإن زعموا ذلك فليرتقوا، واللام لام الأمر وسُكِّنَت لوقوعها بعد فاء العطف؛ لأن لام الأمر تُسَكَّن إذا وقعت بعد الفاء و(ثُمَّ) والواو، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج ٢٩] هذه بعد (ثم)، ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ هذه بعد الواو، ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ [الحج ١٥] هذه بعد الفاء بخلاف لام التعليل؛ فإن لام التعليل تكون مكسورة ولو وقعت بعد هذه الحروف، كما قال الله تعالى: ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ [العنكبوت ٦٦] ولم يقل: وَلْيَتَمَتَّعوا لأن اللام للتعليل؛ فلام التعليل تكون مكسورة دائمة، ولام الأمر تكون مكسورة إلا إذا وقعت بعد الواو والفاء و(ثم)؛ ولهذا قال هنا: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ [الحج ١٥] فاللام هنا للأمر، والظاهر أن المراد بالأمر هنا التحدي؛ يعني إن كانوا صادقين فليرتقوا في الأسباب. الأسباب جمع سبب وهو كل ما يوصل إلى المقصود، وهذه الآية نظير قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ [الحج ١٥]، أي بشيء يوصله إلى السماء كالحبل ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾. فهنا قال: ﴿فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ﴾ أي: فليجعلوا أسبابًا يرتقون بها يصلون إلى السماء، ومعلوم أن هذا التحدي لا يمكن لهم أن يحققوه. ثم قال: (الموصلة إلى السماء فليأتوا بالوحي فيخصوا به مَن شاؤوا) بناء على قولهم: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ يعني: كيف أُنْزَل؟ قالوا: إذن ارتقوا إلى السماء وأنزلوا الوحي وخُصُّوا به من شئتم، طيب. ثم قال المؤلف: (و(أن) في الموضعين بمعنى همزة الإنكار) الإنكار الذي بمعنى النفي، يعني ليس عندهم خزائن الله وليس لهم ملك السماوات والأرض، بل هم خَلِيُّون من هذا كله. ثم قال تعالى: (﴿جُنْدٌ مَا﴾ [ص ١١] أي جند حقير ﴿هُنَالِكَ﴾ أي: في تكذيبهم لك ﴿مَهْزُومٌ﴾ صفة جند ﴿مِنَ الْأَحْزَابِ﴾ صفة جند أيضًا). ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ﴾ ﴿جُنْدٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف، التقدير هم جند، و﴿مَا﴾ نكرة واصفة، لأن ﴿مَا﴾ لها عدة معان، لها عشرة معان جُمِعَت في قول الشاعر: مَحَامِلُ (مَــــا) عَشْـــــــرٌ إِذَا رُمْتَعَـــــــدَّهَا ∗∗∗ فَحَافِظْ عَلَى بَيْتٍ سَلِيمٍ مِنَ الشِّعْرِ؎سَتَفْهَمُ شَرْطَ الْوَصْلِ فَاعْجَبْ لِنُكْرِهَا ∗∗∗ بِكَفٍّ وَنَفْيٍ زِيـــــــــدَ تَعْظِيــــمُمَصْدَرِ من حفظهما؟ * طالب: مَحَامِلُ (مَــــا) عَشْـــــــرٌ إِذَا رُمْتَعَـــــــدَّهَا ∗∗∗ فَحَافِظْ عَلَى بَيْتٍ سَلِيمٍ مِنَ الشِّعْرِ؎سَتَفْهَمُ شَرْطَ الْوَصْلِ فَاعْجَبْ لِنُكْرِهَا ∗∗∗ بِكَفٍّ وَنَفْيٍ زِيـــــــــدَ تَعْظِيــــمُمَصْدَرِ * الشيخ: طيب، نبدأ (ستفهم) يعني استفهامية، (شرط) شرطية، (الوصل) موصولة، (فاعجب) تعجبية، (لنكرها) نكرة سواء واصفة أو موصوفة، (بكف) كافَّة، و(نفي) نافية، (زيد) زائدة، (تعظيم) للتعظيم، (مصدر) مصدرية.طيب. هنا ﴿جُنْدٌ مَا﴾ قال المؤلف: (حقير) فعلى هذا تكون نكرة واصفة أو موصوفة؟ واصفة يعني موصوفًا بها؛ لأن ﴿مَا﴾ هنا صفة لجند، لكن المراد بهذا التحقير، والدليل على أن ذلك للتحقير قوله: ﴿مَهْزُومٌ﴾ والمهزوم حقير ولا خطير؟ حقير، طيب. وقوله: ﴿هُنَالِكَ﴾ (هنا) إشارة إلى المكان، واللام للبعد، والكاف حرف خطاب. ﴿هُنَالِكَ﴾ أي: في ذلك المكان، يعني المؤلف يقول: (أي في تكذيبهم لك) فجعل الظرفية المكانية هنا التكذيب، ولكن يبدو أن الأمر على خلاف ما قال المؤلف رحمه الله، وأن المشار إليه المكانُ الحسي لا المكان المعنوي؛ أي أنهم إن ارتقوا في الأسباب فسوف يُهْزَمون، فيكون ﴿هُنَالِكَ﴾ أي في المكان الذي يرتقون إليه، فإذا قُدِّر أنهم ارتقوا إلى السماء فهل ستكون لهم الغلبة؟ أبدًا، بالعكس حتى لو ظنوا أنهم وصلوا إلى السماء وصعدوا إلى السماء أنهم انتصروا وأنهم صار لهم العزة فالأمر بالعكس، هذا هو الذي يظهر من الآية الكريمة، أما جعل الظرف هو التكذيب فهذا بعيد، بل التكذيب سبب للخذلان. ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ﴾ يقول المؤلف: (صفة جند) ثانية ولَّا ثالثة؟ ثانية، والأولى ﴿مِنَ الْأَحْزَابِ﴾ صفة جند أيضًا يعني: جند من الأحزاب مهزوم، واعلم أنه إذا تكررت الصفة للنكرة فإن ما بعد الصفة الأولى يجوز أن يكون حالًا، نعم، إذا تكررت الصفة فما بعد الصفة الأولى يجوز أن يكون حالًا؛ فإذا قلت: مررت برجلٍ عظيمٍ كريمٍ شجاعٍ جاز لك أن تقول: مررت برجل عظيمٍ كريمًا شجاعًا نعم، طيب؛ ولكن أيهما أولى؟ الأولى أن تكون صفة أي: نعتًا، لتناسق الكلام وكونه على وتيرة واحدة، فهنا عندنا ثلاثة صفات للجند ﴿ما _ مهزوم _ من الأحزاب﴾ ما الذي يجوز فيه أن يكون منصوبًا على الحال؟ ﴿مَهْزُومٌ﴾ لكن لا يمكن هنا؛ لأن حركة الإعراب ظهرت على أنه مرفوع صفة وكذلك ﴿مِنَ الْأَحْزَابِ﴾ مثله، يعني يجوز أن يكون صفة وهو الأصل، ويجوز أن نجعله في موضع نصب على الحال. (أي كالأجناد من جنس الأحزاب المتحزبين على الأنبياء قبلك، وأولئك قد قُهِروا وأهلكوا فكذا نهلك هؤلاء) نعم، يعني أن هؤلاء جند من الأجناد الأخرى، والأجناد الأخرى الأحزاب الذين كَذَّبوا الرسل ماذا كان مآلهم؟ كان مآلهم الهلاك والدمار، وقد مر علينا في أول السورة ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ [ص ٣]. ثم بدأ الله الإشارة إلى قصة أولئك الأجناد أو أولئك الأحزاب؛ فقال عز وجل: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ [ص ١٢] قبل من؟ قبل الذين كَذَّبوك من قريش ومن اليهود وغيرهم. ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾، ونوح هو أول رسول أرسله الله عز وجل بدلالة القرآن والسنة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء ١٦٣]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [الحديد ٢٦] ولو كان أحد قبل نوح لخرج من ذريتهما، وبه نعرف أن ما يوجد من شجرة الأنبياء التي كُتِبَ فيها أن إدريس قبل نوح خطأ، فإن إدريس بعد نوح بلا شك. أما السنة فصريحة في ذلك؛ فإنه ثبت في حديث الشفاعة الطويل أن الناس يأتون إلى نوح فيقولون له: أنت أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض، وهذا صريح وبه أيضًا نعرف أن ما يُذْكَر في كتب التاريخ من أن إدريس جد لنوح فهو خطأ بلا شك، فإدريس فيما يظهر لنا -والعلم عند الله- من أنبياء بني إسرائيل. طيب ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ نوح عليه الصلاة والسلام بُعِثَ إلى البشر حين اختلف الناس، وكان الناس في الأول على ملة واحدة فاختلفوا ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة ٢١٣]. أرسله الله إلى قومه ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ وهو يدعوهم إلى الله، ويأتيهم بالآيات ويتحداهم، ولكنهم -والعياذ بالله- كلما دعاهم ازدادوا عُتوًا ونفورًا ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا﴾ [نوح ٧]. ولما أَذِن الله تعالى بهلاكهم دعا نوح، دعا ربه ﴿أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [القمر ١٠] فانتصر الله له ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر ١١ - ١٤]. وأمره الله أن يحمل معه من آمن من قومه، قال الله تعالى: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود ٤٠]. فتصوروا أيها الدعاة، كيف لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا وهو رسول؟ والناس لم يَكثُروا بعد، ومع ذلك ما آمن معه إلا قليل، حتى أحد نسله قد كفر به وهو ابنه الذي كان من المغرقين. قال المؤلف رحمه الله: (تأنيث قوم باعتبار المعنى) هل (قوم) مؤنث أو الفعل الذي كان القوم فاعلًا له هو الذي يؤنث؟ نعم نقول: هكذا، الفعل هو الذي أُنِّث ﴿كَذَّبَتْ﴾، أما قوم فليس فيها تاء تأنيث، لكن من المعلوم أن الفعل إذا أُنث فالفاعل مؤنث؛ يعني: معناه إذا وقع الفاعل لفعل مؤنث فهو مؤنث، لكن هذا اللفظ هل هو مؤنث لفظًا أو باعتبار المعنى؟ قال المؤلف: (باعتبار المعنى). وهنا نسأل كيف يكون مؤنثًا باعتبار المعنى؟ لأن ﴿قَوْمُ﴾ جماعة، وكل جَمْعٍ يجوز تأنيثه، قال ابن مالك رحمه الله: وَالتَّاءُ مَعْ جَمْعٍ سِوَى السَّالِمِ مِنْ ∗∗∗ مُذَكَّرٍ كَالتَّاءِ مَعْ إِحْدَىاللَّبِنْ (إحدى اللبن) هي اللبنة، فلبنة يجوز فيها التذكير والتأنيث، لكن التأنيث أرجح، كذلك جميع الجموع ما عدا جمع المذكر السالم يجوز فيه وجود التاء في الفعل. قال: ﴿وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ﴾ [ص ١٢] ﴿عَادٌ﴾ قوم هود كانوا بالأحقاف وكانوا ذوي شدة وقوة من أشد الناس قوة، فأُعجبوا بقوتهم واستكبروا وعصوا رسولهم عليه الصلاة والسلام، وافتخروا بما أعطاهم الله من القوة كما قال الله عنهم: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾. قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت ١٥]. فتأمل قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ﴾ لأن فيها إشارة إلى أنهم ضعفاء أمام خالقهم، ولم يقل: أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات، قال: ﴿خَلَقَهُمْ﴾، فهم مخلوقون، والخالق أعلى مِنَ المخلوق وأشد منه قوة ﴿هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ فأهلكهم الله، وعلى حين طمع في رحمته أرسل الله عليهم ريحًا عظيمًا، ولما رَأَوْا ما تحمله الريح من الرمال العظيمة ظنوا أن ذلك سحاب، لما رأوا هذا قالوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾. فقال الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف ٢٤، ٢٥] فعصفت بهم الريح العقيم حتى كانت تحمل الواحد منهم إلى جو السماء، ثم تقلبه على رأسه فصاروا كأعجاز نخل خاوية، (أعجاز نخل) يعني: أصولها وجذوعها، (خاوية) منتكسة، فأصبحوا لا يُرى إلا مساكنهم. طيب ومع ذلك ما آمن معه إلا نفر قليل. قال: ﴿وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ﴾ [ص ١٢] كان يَتِدُ لكل من يغضب عليه أربعة أوتادًا يشد إليها يديه ورجليه ويعذبه، شوف فرعون الذي أُرْسِلَ إليه موسى، وكان ملكًا قاهرًا لمصر جبارًا عنيدًا، استعبد أهلَ مصر، وقال لهم: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات ٢٤] وسَخِرَ بموسى وقال لهم: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف ٥٢]، وفخر بما أعطاه الله تعالى من الأنهار قال لهم: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف ٥١]، وكذب موسى وحارب موسى لكن ليس بالسلاح، بل بما جَمَع له من السحرة؛ لأنه أوهم الناس أن موسى كان ساحرًا، قال: هذا ساحر؛ لأنه يضع العصا في الأرض فتكون حية، ويدخل يده في جيبه فتخرج بيضاء من غير سوء، هذا ساحر، وجمع السحرة وألقوا بما عندهم من السحر العظيم الذي أرهب الناس حتى موسى عليه الصلاة والسلام رهب وخاف فقال الله تعالى: ﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (٦٨) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا﴾ [طه ٦٨، ٦٩] فأيده الله وألقى ما في يمينه العصا فصارت حية عظيمة التهمت الحبال والعصي التي مَلَؤوا بها الأرض، وصار يُخَيَّل للناس أنها حيات وثعابين تسعى، الْتَهَمَتْهَا كلها، وسبحان الله كيف هذه الحية التي كانت عصا تلتهم كل هذا؟ هذا من آيات الله. فلما رأى السحرة هذا الأمر دُهِشُوا وعلموا أن هذا ليس بساحر؛ لأن الساحر لا يمكن أن يأتي بمثل هذا الأمر، بل هو حقيقة وهو آية أيد الله بها موسى فآمنوا كلهم، كل السحرة، وسجدوا لله ذلًّا وعبادة، وقالوا معلنين: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف ١٢١، ١٢٢] فماذا يكون تأثير هؤلاء القوم الذين انتصر بهم فرعون بين الناس؟ سيكون تأثيرُهم بين الناس كبيرًا وعظيمًا، أرأيتم أن أحدًا من الملوك جمع أكبر ما عنده من المهندسين في حشد عظيم، ثم أقروا وأعلنوا لخصوم هذا الملك، ماذا يكون شعور الناس؟ أجيبوا، سيكون شعورهم أن الملك مهزوم؛ ولهذا لما حصل إيمان السحرة لجأ فرعون إلى القوة والقهر وهدَّدَهم بأن يقطِّع أيديهم وأرجلهم من خلاف ويصلبهم على جذوع النخل حتى يذوقوا العذاب، ولكنهم بإيمانهم ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٧٢) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه ٧٢، ٧٣] فصمدوا أمام هذا الطاغية العنيد حتى صاروا في أول النهار من السحرة الكفرة، وصاروا في آخر النهار من المؤمنين البررة، ما الذي حصل من فرعون؟ بقي مستمرًا على طغيانه والعياذ بالله حتى أهلكهم الله بالغرق، بجنس ما كان يفتخر به على قومه وعلى موسى حين قال: ﴿وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف ٥١] فأُهْلِك بالماء الذي كان يفتخر به. وقول المؤلف: ﴿وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ﴾ [ص ١٢] (كان يَتِدُ) إلى آخره، الذي يظهر أن هذا ليس سبب الوصف بـذي الأوتاد، وإنما السبب الحقيقي أن المراد بالأوتاد القوة التي ثبت بها ملكه كأوتاد الخيمة تُثَبَّت بها الخيمة، ولا يبعد أن يكون من جبروته أن يضع أوتادًا أربعة يصلب عليها الإنسان ويعذبه، ما يبعد هذا، لكن هذا لا يمكن أن يمتدح به فرعون على أنه ذو قوة، بل الصحيح أن المراد بالأوتاد هنا أيش؟ ما كان عليه من القوة التي ثبت بها ملكه كأوتاد الخيمة تُثَبَّت بها الخيمة. * الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ (١٢) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ (١٣) إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ (١٤) وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ (١٥) وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (١٦) اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص ١٢ - ١٧]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾. وقبل ما نأخذ المناقشة في قوله: ﴿أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [ص ١٠] لنسأل عن (أم) هنا. * طالب: الهمزة للإضراب. * الشيخ: هل هي منقطعة أم متصلة؟ * طالب: منقطعة، مقدرة بـ (بل) والهمزة. * الشيخ: منقطعة، مقدرة بـ بل والهمزة. ما الفرق بين المتصلة والمنقطعة؟ * الطالب: المنقطعة لا تذكر بين شيئين متعادلين كما تكون بمعنى (بل). * الشيخ: والمتصلة؟ * الطالب: والمتصلة تذكر بين شيئين متعادلين. * الشيخ: هذا فرق. * الطالب: وتكون بمعنى (أو). * الشيخ: الفرق الثاني أن المتصلة بمعنى (أو) والمنقطعة بمعنى (بل). طيب، ماذا يفيد قوله: ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾؟ * طالب: أن ما بين السموات والأرض من المخلوقات جعله الله قسيمًا للسماوات والأرض (...). * الشيخ: مما يدل على أن بينهما أشياء عظيمة، تمام، اللام في قوله: ﴿فَلْيَرْتَقُوا﴾ اللام لام أيش؟ * الطالب: ﴿فَلْيَرْتَقُوا﴾ اللام لام الأمر لكن أتي بها للاستهزاء بهم. * الشيخ: اللام لام الأمر، لكن ما المراد بالأمر هنا؟ * الطالب: الاستهزاء بهم (...). * طالب آخر: اللام لام الأمر والفاء جواب الشرط. * الشيخ: لكن ما المراد بالأمر؟ * طالب: استهزاء بهم. * طالب آخر: التحدي. * الطالب: المراد بالأمر التحدي. * الشيخ: المراد بالأمر التحدي، إن كانوا صادقين فليرتقوا بالأسباب، طيب، والفاء؟ * الطالب:(...). * الشيخ: في جواب شرط مقدر، والتقدير؟ * الطالب: إن كانوا صادقين فليرتقوا في الأسباب. * الشيخ: إن كانوا صادقين أو إن كان لهم ملك السماوات والأرض فليرتقوا في الأسباب، طيب، ما المراد بالأسباب؟ * الطالب: الأسباب هنا ما يوصل إلى السماء. * الشيخ: إي، ما المراد بها؟ * الطالب: كل ما يوصل إلى.. * الشيخ: إي لكن ما المراد بها هنا؟ * الطالب: كل ما يوصل إلى السماء. * الشيخ: الأسباب الموصلة إلى السماء، طيب هل هناك دليل يؤيد ما قلت؟ نعم. * طالب: قول الله سبحانه وتعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ [الحج ١٥]. * الشيخ: أحسنت، قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ طيب. قوله تعالى: ﴿