تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ ﴿٨٧﴾
فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (...) أن يفعل بكم
* الشيخ: هذا رأي المؤلف؟
* طالب: إي نعم.
* الشيخ: يعني ما الذي تظنون بالله عز وجل إذا عبدتم غيره أتظنونه يعني ناقصًا أم ماذا؟
* طالب: (...) من أربعة وجوه: الوجه الأول: أنه من باب التنقص، الوجه الثاني: ما ظنكم أيترككم الله ولا يعذبكم (...) فما ظنكم بربكم، أيسمح لكم أن تشركوا به؟ لقوله ﷺ: «تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة.]] (...). الوجه الرابع: فما ظنكم بعظمة الله سبحانه وتعالى.
* الشيخ: هذه أربعة أوجه كلها تحتملها الآية، ومر علينا أنه إذا احتملت الآية أوجهًا لا تتعارض فإنها تُحمَل على ذلك.
قوله: ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ولم يقل: بالله عز وجل، لماذا؟ نذكرها الآن لأن ما ذكرناها أمس، قال: ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (...) ما ظنكم بالله إشارة إلى أن هذه الآلهة المعبودة مربوبة لله عز وجل، فكيف تكون معبودة من دونه فإن هذه الآلهة داخلة في ضمن ﴿الْعَالَمِينَ﴾؛ لأن مراده بـ﴿الْعَالَمِينَ﴾ من أو ما سوى الله عز وجل، ومنها أو ومنهم هذه الآلهة المعبودة، فإذا كانت هذه الآلهة المعبودة عندكم في ضمن المربوبات لله عز وجل فكيف يمكن أن تعبدوها مع الله، وقد ضرب الله سبحانه مثلًا لهذا في الإنسان المملوك هل يرضى سيده أن يشاركه فيما يختص به سيده: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ [الروم ٢٨] ويش الجواب؟
* طالب: لا.
* الشيخ: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾.
* طلبة: (...).
* الشيخ: لا، ليس كذلك ﴿تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [الروم ٢٨] ليس هذا، فليس لنا مما ملكت أيماننا من شركاء في ما رزقنا الله، وتأمل قوله: ﴿فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ يتبين لك أن هذا رزق الله، ومع ذلك يحتكره الأسياد عمن؟ عن العبيد ﴿فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ وهذا هو محط الاستفهام والجواب: لا، وإنما قلنا: إن هذا محط الاستفهام لأنهم شركاء لهم في ما رزقهم الله، ولكن بقدر القوت والضرورة، فالعبد مشارك لسيده يأكل ويشرب ويلبس كما يفعل السيد، وهذا كله مشاركة في رزق الله، لكن هل هم مساوون لأسيادهم في ذلك؟ لا، إذا كان هكذا فلماذا تساوون غير الله بالله في عبادته. فالمهم أن قوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ عليه الصلاة والسلام أراد بذلك إقامة البرهان على أن هذه الآلهة لا تصح أن تكون آلهة، لماذا؟ لأنها مربوبة لله عز وجل، والمربوب عبد لا يصح أن يكن ربًّا.
(﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ﴾ إيهامًا لهم أنه يعتمد عليها ليعتمدوه ﴿فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ عليل أي: سأسقم ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ﴾ إلى عيدهم ﴿مُدْبِرِينَ﴾ ) إلى آخره ﴿نَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ﴾ هذا إبراهيم عليه الصلاة والسلام ﴿نَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ﴾ أي نظر إليها، وإنما فعل ذلك لأن قومه كانوا يعبدون النجوم ويضعون لها الهياكل في الأرض، وأصل العبادة للنجوم، فنظر في هذه النجوم، فلما نظر قال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾، وإنما نظر فيها وهو لا يعتقدها عليه السلام من باب التورية، وهذا تورية بالفعل، فكما تكون التورية بالقول تكون التورية بالفعل، فالتورية بالقول كثيرة ومعروفة، التورية بالفعل أن يري الإنسان غيره أنه يرى شيئًا وهو لا يريده، أو أنه معرض عن شيء وهو قد وضع باله عليه، ربما أنت تسمع اثنين يتحادثان وتفعل شيئًا كأنك معرض عنهما، يعني تبدو مثلًا تشتغل (...) كتاب تشتغل في أي عمل تريهما أنك أيش؟ غافل عما يتحدثان به، ولكنك تسجل ما يتحدثان به، هذا من التورية بالفعل؛ لأنك أظهرت لغيرك خلاف ما يراه، والتورية بالقول أظهرت لغيرك خلاف ما يسمعه، فإبراهيم عليه السلام ورى بالنظر في النجوم ثم قال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ وفسر المؤلف (سقيم) بمعنى (سأسقم) وهذه تورية أيضًا تورية قولية.
نظر نظرة في النجوم، هذا إبراهيم عليه الصلاة والسلام نظر نظرةً في النجوم؛ أي نظر إليها، وإنما فعل ذلك؛ لأن قومه كانوا يعبدون النجوم، ويضعون لها الهياكل في الأرض، وأصل العبادة للنجوم، فنظر في هذه النجوم، فلما نظر قال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾، وإنما نظر فيها وهو لا يعتقدها عليه الصلاة والسلام؛ من باب التورية، وهذا تورية بالفِعْل، فكما تكون التورية بالقول تكون التورية بالفعل، التورية بالقول كثيرة ومعروفة؛ التورية بالفعل أن يُرِي الإنسان غيره أنه يرى شيئًا وهو لا يريده، أو أنه مُعرِض عن شيء وهو قد وضع باله عليه، ربما أنت تسمع اثنين يتحادثان وتفعل شيئًا كأنك مُعْرِض عنهما؛ يعني تبدأ مثلًا تشتغل من كتاب، تشتغل في أي عمل تريهما أنك غافل عما يتحدثان به، ولكنك تسجل ما يتحدثان به، هذا من التورية بالفعل؛ لأنك أظهرت لغيرك خلاف ما يراه.
والتورية بالقول أظهرت لغيرك خلاف ما يسمعه، فإبراهيم عليه الصلاة والسلام ورَّى بالنظر في النجوم، ثم قال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات ٨٩]، وفسر المؤلف سقيم بمعنى (سأسقم)، وهذه تورية أيضًا، تورية قولية؛ لأن ظاهر اللفظ ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ يعني الآن، ولا أستطيع الخروج معكم، ولكنه يريد سقيم سأسقم؛ لأن اسم الفاعل صالح للزمان الحاضر والزمان المستقبل، فيصح أن تقول: إني حاضر الآن، وإني حاضر غدًا، أليس كذلك؟ فلما كان صالِحًا للأمرين، ونظر نظرة في النجوم وقال: إني سقيم، تولوا عنه وتركوه وهو يريد -عليه الصلاة والسلام- بفعله هذا أمرًا سيتبين فيما بعد.
(﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (٩٠) فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ﴾ [الصافات ٩٠، ٩١] أي: مال في خفية إلى آلهتهم وهي الأصنام وعندها الطعام) راغ إلى آلهتهم وهي الأصنام التي يعبدونها، قال: (وعندها الطعام) وأخذه المؤلف من قوله: ﴿فَقال: أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ لأن عرض الأكل عليهم يدل على أن الأكل كان موجودًا.
(راغ إلى آلهتهم) أي: مال بخفية وانطلق بخفية، والروغان -كما هو معروف- هو السرعة؛ سرعة الإنسان، لكن على وجه لا أحد يحس به، هو راغ إلى هذه الآلهة؛ أي معبوداتهم ﴿فَقال أَلَا تَأْكُلُونَ﴾، و(ألا) هنا للعَرْض، وهذا القول هل هو على سبيل الإلزام؟ الجواب: لا، ليس على سبيل الإلزام، ولا يمكن أن يلزمها بأن تأكل؛ لأنه يعلم أنها لن تأكل، ولكنه قالها على سبيل الاستهزاء والسخرية وإلزام هؤلاء العابدين بأن هذه الأصنام لا تستحق العبادة، لا لأنها مستغنية عن الطعام ولكن لأنها لا تعقل ولا تعلم، والذي لا يعقل ولا يعلم لا يمكن أن يكون معبودًا، ثم إن صح وضع الطعام عندها من قبلهم، فإن هذا دليل على أنها ليست صالحة للألوهية؛ لأن الإله مُسْتغنٍ عن غيره؛ ولهذا أقام الله الدليل على أن عيسى بن مريم وأمه ليسا بإلهين؛ بكونهما يأكلان الطعام، وأنه سبحانه وتعالى وحده الإله الحق بكونه يُطعِم ولا يُطعَم، فاحتياج ما يُعبد إلى الطعام دليل على نقصه، وأنه لا يصح أن يكون إلهًا لكن هم من سخافتهم يجعلون هذا الطعام عندها كأنها تحتاجه وتأكله وتتصرف فيه.
يقول: ﴿فَقال أَلَا تَأْكُلُونَ (٩١) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ﴾ [الصافات ٩١، ٩٢] ﴿مَا لَكُمْ﴾ الاستفهام هنا للتحقير؛ يعني أنه يحقرها بكونها لا تنطق، وخاطب هذه الأصنام مخاطبَة العقلاء في قوله: ﴿مَا لَكُمْ﴾ ولم يقل: ما لَكُنَّ تنزلًا مع أصحابها الذين يجعلونها من ذوات العلم، وذوات القبول والدفع عنهم ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ﴾ يعني أي شيء يمنعكم من النطق إن كنتم آلهة؟!
فإذا قال قائل: هذا الخطاب لهذه الأصنام هل كان في غيبة عابديها؟ إن قلت: نعم، فما فائدة هذا الخطاب؟ وإن قلت: لا، فكيف الجواب عن قوله: ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ [الصافات ٩٠]؟
والجواب أن نقول: إن عابديها لم ينصرفوا كلهم عنها، بل كان عندها من الحراس ما يقتضي أن يتكلم إبراهيم عليه الصلاة والسلام على هذه الأصنام بمثل هذا الكلام، وإلا لو لم يكن عندها أحد لكان كلامه هذا لغوًا لا فائدة منه، لكن عندها من الحراس ما يستطيع أن يعلم عنها ما علمه إبراهيم بسبب أنه عرض عليهم الأكل، وأن هذه لا تنطق، وإذا كانت لم تنطق وليس لها إرادة ولا شعور لم تكن صالحة للعبادة.
﴿مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (٩٢) فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ [الصافات ٩٢، ٩٣] في أول الآيات يقول: ﴿فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ﴾ أي: مال بخفية. و(إلى) للغاية، أما هنا قال: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْب﴾، وإنما قال: (عليهم) دون (إليهم) لوقوع ذلك الضرب على هذه الأصنام؛ ليكسرها عليه الصلاة والسلام.
﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: على هذه الآلهة، وكما أشرت أولًا أنه خاطبها مخاطبة العاقل فأتى بميم الجمع.
﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ بالقوة فكسرها.
قوله: ﴿ضَرْبًا﴾ هذه مصدر في موضع الحال؛ أي: فراغ عليهم ضاربًا باليمين، ويجوز أن تكون مصدرًا لفعل محذوف، والتقدير فراغ عليهم يضرب ضربًا.
وقول المؤلف: (باليمين أي: بالقوة) لا يتعين بل يجوز أن يكون باليمين؛ أي: باليد اليمنى، وضرب بها؛ لأن اليد اليمنى هي آلة العمل غالبًا؛ ولأنها -أي اليد اليمنى- أقوى من اليد اليسرى في الغالب؛ ولهذا تجد من النادر أن يكون بعض الناس أعسر، يعمل بيده اليسرى عمله بيده اليمنى.
﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾ (بالقوة فكسرها فبلغ قومه ممن رآه ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ [الصافات ٩٤] أي: يسرعون المشي، فقالوا له: نعبدها وأنت تكسرها!) لما بلغ قومه ما صنع أقبلوا إليه يزفون؛ أي: يسرعون على وجه الجماعات بدليل قوله: أقبلوا بالواو، فهم أقبلوا إليه مسرعين للإنكار عليه، لماذا كسرها؟ وقد ذكر الله تعالى في سورة الأنبياء ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِين﴾ [الأنبياء ٥٩]، فجعلوا ذلك ظلمًا وعدوانًا، فجاؤوا يزفون لينتصروا لآلهتهم، وهكذا العابدون للأصنام ينتصرون للأصنام، والأصنام لا يستطيعون نصرهم، لكن هم جند محضرون لها.
إذن أقبل هؤلاء يزفون إلى إبراهيم لينتصروا لآلهتهم، ولكنه -عليه الصلاة والسلام- كان قويًّا في ذات الله، قال لهم موبخًا: ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾ [الصافات ٩٥] (من الحجارة وغيرها أصنامًا؟ والاستفهام هنا للتوبيخ والإنكار)، والحقيقة أنه للتوبيخ والإنكار والاستهزاء بهم، كيف تعبدون شيئًا أنتم تنحتونه بأيديكم؟! وهل يليق عقلًا أن يكون المعبود مصنوعًا لعابده؟!
الجواب: لا يليق، لا يفعل هذا إلا أسفه السفهاء، شيء تصنعه أنت بيدك، ثم تعبده، وتتضرع إليه، وتنيب إليه، وتتعلق به، وترجو منه النفع والضرر! هذا من السفه، ولكن -والعياذ بالله- الإنسان إذا أعمى الله بصيرته، لا يغنيه بصر العين، وكانوا في الجاهلية يفعلون شِبْه هذا الفعل، كانوا إذا نزلوا أرضًا في سفر جمعوا أربعة أحجار، ثلاثة منها للقِدْر وواحدًا للعبادة، فصار هذا الحجر المعبود مساويًا لمناصب القدور، وبعضهم يقولون: إنهم كانوا يعجنون إلهًا من العجوة؛ يعني من التمر، تمثالًا من التمر يعبدونه من دون الله، فإذا جاعوا أكلوه، ما يقولون: أطعمنا أو هيِّئ لنا طعامًا، هو نفسه يُؤكل هذا من السفه، كذلك أصحاب إبراهيم عليه الصلاة والسلام؛ قوم إبراهيم، صنعوا آلهة هم بأيديهم، ثم صاروا يعبدونها.
وقول المؤلف: (أصنامًا) أشار به إلى أن تنحتون تنصب مفعولين، أحدهما: العائد للموصول الذي تقديره: ما تنحتونه، والثاني: هذا المحذوف الذي قدَّره المؤلف، أتعبدون ما تنحتونه أصنامًا؟
قال: (﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات ٩٦] من نحتكم، ومنحوتكم فاعبدوه وحده، و(ما) مصدرية، وقيل: موصولة، وقيل: موصوفة).
﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ﴾ وإذا كان الله هو الخالق فهو أحق بالعبادة، هل الأحق بالعبادة مَنْ خلقكم أو من خلقتموه؟ مَنْ خلقكم، ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ قال: (من نحتكم ومنحوتكم)، أتى رحمه الله بالمصدر، وأتى باسم المفعول: (من نحتكم) إشارة إلى أن (ما) يجوز أن تكون مصدرية، ويجوز أن تكون موصولة، فإذا جعلناها مصدرية صار التقدير: مِن نحتكم، وإذا جعلناها موصولة صارت (من منحوتكم).
واستمع: والله خلقكم وعملكم، إذا قلنا هكذا؛ صارت (ما) مصدرية، وإذا جعلنا التقدير: والله خلقكم ومعمولكم؛ صارت (ما) موصولة، وإذا جعلنا (ما) موصولة فلا بد من عائد يعود على (ما) وهو في الآية محذوف؛ يعني وما تعملونه، واللازم واحد على الاحتمالين، فإذا قلنا: إن المعنى (والله خلقكم وعملكم)؛ فإن خالق العمل خالق للمعمول، وإذا جعلنا المعنى (والله خلقكم ومعمولكم)؛ فإنه إذا كان الله تعالى قد خلق المعمول وهم الذين باشروا عمله؛ دل ذلك على خلق العمل وخلق العامل أيضًا، وعلى كل تقدير، ففي الآية إقامة الحجة على أن هذه الأصنام لا تصلح أن تكون معبودة؛ لأنها معمولة.
﴿خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ قالوا: ((ما) مصدرية، وقيل: موصولة، وقيل: موصوفة) ويش معنى موصوفة؟ الموصوفة هي التي يُعبَّر عنها بالنكرة الموصوفة؛ يعني خلقكم وصنمًا تعملونه، أو وأصنامًا تعملونها، ولا نقول: والذي تعملون، بل نقول: وأصنامًا تعملونها، وأفادنا المؤلف الآن أن لـ(ما) ثلاثة معانٍ، أن تكون مصدرية، وموصولة، وموصوفة، وهذه ثلاثة من عشرة؛ لأن (ما) لها عشرة معانٍ، من يحفظ البيت المنشود في هذا؟
* طالب:
مَحَامِلُ (مَا) عَشْرٌ إِذَا رُمْتَ عَدَّهَا ∗∗∗ فَحَافِظْ عَلَى بَيْتٍ سَـــــــــــلِيمٍ مِنَالشِّــــعْرِ؎سَتَفْهَمُ شَرْطَ الْوَصْـــلِ فَــــــــــاعْجَبْ ∗∗∗ لِنُكْرِهَا بِكَفٍّ وَنَفْيٍ زِيدَ تَعْظِيمُمَصْدَرِ
* الشيخ: (وما مصدرية، وقيل: موصولة، وقيل: موصوفة).
(سَتَفْهَمُ) الاستفهامية مثل: ما هذا؟
(شَرْط) الشرطية ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [البقرة ١٩٧].
(الْوَصْلِ) موصولة.
(فَاعْجَبْ) التعجبية مثل: ما أحسن هذا!
(لِنُكْرِهَا) النكرة الموصوفة، أو النكرة الواصفة تقول: مررتُ بما معجب لك؛ أي: بشيء معجب لك، وتقول: عرفته نوعًا ما؛ يعني نوعًا قليلًا، فهي نكرة واصفة.
(بِكَفٍّ) كافة مثل: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النساء ١٧١] فهنا كفت (ما) عن العمل.
و(نَفْيٍ) نافية، ما حضر زيد.
(زِيدَ) زائدة، إذ ما، وإذا ما ﴿إِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى ٣٧].
وَيَا طَالِبًا خُذْ فَائِدَهْ ∗∗∗ مَا بَعْدَ إِذَا زَائِدَهْ
(تعظيم مَصْدَرِ) يعني أنها تأتي للتعظيم، وهذه غير التعجب، مثل أن تقول: مررتُ بما مذهل؛ أي بعظيمٍ مُذهل، وربما نقول أيضًا: إن (ما) التعجبية فيها نوع من التعظيم فإنها تدل على التعظيم والتعجب.
(مصدر) المصدرية، ومنه هذه الآية: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات ٩٦]، فهذه محامل (ما) عشر، وينبغي لطالب النحو أن مثل هذه الأبيات يحفظها؛ لأنها تحصر له المعاني مثلما قال الناظم في الجملة التي تحتاج إلى الفاء إذا وقعت جوابًا للشرط:
اسْمِيَّةٌ طَلَبِيَّةٌ وَبِجَامِدٍ ∗∗∗ وَبِمَا وَقَدْ وَبِلَنْ وَبِالتَّنْفِيسِ
* طالب: ما أعظم الله! تعجبية ولَّا تعظيم؟
* الشيخ: غالبًا تكون التعجبية يكون فيها نوع من التعظيم.
* طالب: قوله: (...) ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ إني سقيم من آلهتكم؛ أي مريض من عبادتكم إياها، أي المعنى البعيد؟
* الشيخ: يمكن يكون هذا، لكن ما هو بالظاهر؛ لأنه هل هو سُقِم من عبادتهم، مرض؟
* الطالب: هذا المعنى البعيد ما هو المعنى القريب؟
* الشيخ: لا، المعنى القريب أنه سقيم الآن، هذا القريب، ويقربه أنه نظر في النجوم، وأنه أراد أن يتعذر عن الذهاب معهم.
* الطالب: إذا كان كذلك تصبح معنى ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ [الصافات ٩٠] تصير عندما قال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ تولوا عنه مدبرين؟
* الشيخ: قالوا: هذا ما يتحمل أن يذهب معنا، فجعلوا سقمه عذرًا له.
* الطالب: إذا كان كذلك أيش الدليل على أنه (...) عندما كان وحده، وخاطب الأصنام أنهم ذهبوا عنه كلهم؟
* الشيخ: ما هو كلهم ذهبوا عنه، فيه ناس الحراس ما يمكن يدعون هذه الأصنام بدون جنود، لا بد أن لديها حراسًا يعظمونها ويحرسونها.
* طالب: (...) المرض النفسي ما يقال: إني سقيم؟
* الشيخ: النفسي؟ بلى.
* طالب: (...) مريض نفسي من عبادتهم..
* الشيخ: هذا الذي قاله، يعني ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ معناه أنه مريض من العبادة.
* الطالب: (...) على وجه (...).
* الشيخ: والله ما أدري.
* طالب: يا شيخ، في آية أخرى الله يقول: ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا﴾ [الأنبياء ٥٩] يعني كأنهم لا يدرون لو كان كما قلنا: عندها حراس ما كان (...)، فيدل هذا أنهم ما عرفوا ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء ٦٠] يعني ما رأيناه لما كسرها، إنما سمعناه يذكرها بسوء.
* الشيخ: ألم تعلم أنهم لو أخذوه وقالوا: أنت الذي فعلتَ من أول مرة، وأتوا بشهود من أصحابها، حراسها ما قبل الناس ذلك، لكن إذا بحثوا عنه كأنما يسألون صار هذا أبعد عن التهمة كما فعل يوسف عليه الصلاة والسلام حينما جعل الصواع في رحل أخيه، أول ما فتش بدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه، هو عارف أنه في وعاء أخيه، لكن لو ذهب يستخرجها من وعاء أخيه مِنْ أول مرة لشكُّوا في ذلك، فهم يقولون هذا لئلا يُقال: إنهم متهمون فيأتون إبراهيم بأول وهلة، ويكون الحراس مثلًا علموا.
أما الفوائد فتبتدئ من قوله: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ﴾.
قال الله عز وجل: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾ [الصافات ٨٣].
* من فوائد هذه الآية وما بعدها: أن أصل دين الأنبياء واحد، فكلهم شيعة للآخر، مُقَوٍّ لدعوته، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء ٢٥]، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ﴾ أي رسول كان ﴿إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأنبياء وإن طال الزمن بينهم فإنهم إنما يأتون بالوحي من الله؛ لأنه إذا طال الزمن تناسى الناس العهد، واضمحل وانمحى، ولكن إذا كان بوحي من الله فإنه يتجدد بحسب تجدد هذا الوحي؛ لأن بين إبراهيم وبين نوح أزمان طويلة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء على إبراهيم، ووجهه أنه كان شِيعَة لمن يدعو إلى توحيد الله عز وجل، وكل من كان شيعة لمن يدعو إلى الله فإنه -بلا شك- محل ثناء.
* ومن فوائد الآية الكريمة في قوله: ﴿إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾: الثناء على إبراهيم أيضًا بكونه جاء الله سبحانه وتعالى بقلب سليم، وهذه الصفة وإن كانت سلبية لكنها تتضمن كمالًا؛ لأن القلب إذا سَلِم من الشبهات والشهوات صار خالصًا لله تعالى قصدًا وإرادة وعملًا، ففيها الثناء على إبراهيم بسلامة القَلْب.
* من فوائدها: عناية الله سبحانه وتعالى بإبراهيم، وذلك بإضافة الربوبية إليه؛ إذ جاء ربه، وهذه الربوبية خاصة أو عامة؟ خاصة، والربوبية الخاصة تقتضي عناية أكثر من الربوبية العامة؛ لأن المربوبين بالربوبية العامة شملتهم الرحمة العامة لكن الربوبية الخاصة يكون لهم الرحمة الخاصة.
* ومن فوائد قوله: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾: بيان قوة إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وأنه لم تأخذه في الله لومة لائم؛ لأن رجلًا يخاطب أباه وقومه بهذه العبارة قوي في ذات الله عز وجل؛ إذ إن العادة أن الإنسان يحابِي أباه وقومه لكن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لم يحابهم بل أنكر عليهم وقال: ﴿مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن القُرْب النَّسَبِي من أهل الخير لا يفيد الإنسان شيئًا؛ فإبراهيم بالنسبة لأبيه أقرب شيء؛ لأنه بَضعة منه، ومع ذلك لم ينتفع به أبوه بل كان مشركًا، بل كان يحاج ولده على ذلك، ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ [لقمان ١٤، ١٥]، فهذا يدل على تباين ما بين الابن والأبوين حتى إنهما ليجاهدانه على الإشراك بالله، ومع ذلك قال الله تعالى: لا تُطعهما.
* ومن فوائد الآية الكريمة: صحة نسبة القوم إلى الرسول وإن كذبوه؛ لقوله: ﴿إِذْ قال لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ﴾، والانتساب بالنسب لا يعني التبرؤ من الدين، فيصح أن ينتسب الإنسان إلى أبيه الكافر ولا يقال: إن هذا من باب الموالاة بل هذا من باب الحقيقة، والنسب لا يزول باختلاف الدين أبدًا، وانظر إلى قوله تعالى للنبي ﷺ: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ﴾ [الأنعام ٦٦]، فأضافهم إليه مع نسبة التكذيب إليهم، وهذا يدل على الإنسان قد يكون من قومٍ كافرين ويُنسب إليهم، وأن ذلك لا يخدش في دينه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: سفه هؤلاء القوم، حيث كانوا يعبدون مع الله غيره؛ ولهذا أنكر عليهم من كان من أعقل الخلق إبراهيم، فقال: ﴿مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾، وقد أرشد الله إلى هذا في قوله: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة ١٣٠]، وملة إبراهيم هي الحنيفية المبنية على الإخلاص، فكل من خالف ذلك فقد سَفِهَ نفسه؛ أي أوقعها في السفه الذي هو ضد الرشد والعقل.
* ومن فوائد الآيات الكريمة في قوله: ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾: أن كل من زعم أن مع الله إلَهًا يعبده فهو آفك كاذب؛ لقوله: ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾.
* ومن فوائدها: أن دعوى كون هذه آلهة لا يعطيها سمة الألوهية؛ لأن الكذب لا يقلب الحقائق عن أصلها، فلو قلت مثلًا: قدم زيد وهو لم يقدم؛ لم يكن قادمًا، فهذه الآلهة وإن جعلوها آلهة لن تكون آلهة، كما قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم ٢٣].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن عابدي الآلهة من دون الله يقصدونها قصدًا حقيقيًّا بقلوبهم كما يتجهون إليها بجوارحهم؛ ولهذا قال: ﴿دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ فليسوا يعبدونها مجرد عادة، ولكنهم يعبدونها قصدًا وعبادة حتى إنهم نسوا الله عز وجل.
* ومن فوائد الآيات الكريمة في قوله: ﴿فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات ٨٧]: الإنكار الشديد من إبراهيم عليه الصلاة والسلام على قومه حيث سألهم موبخًا لهم ما الذي تظنونه برب العالمين إذا عبدتم غيره؟ هل تظنونه ناقصًا لا يستحق أن يُعْبَد وحده؟ هل تظنونه غافلًا عن عملكم فيدعكم بدون عقوبة؟ هل تظنونه يرضى بأن يُعبد معه غيره؟ كل هذا لم يكن، فظنُّكم ظن خاطئ.
* ومن فوائد الآية الكريمة: عموم ربوبية الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
* ومن فوائدها: إقامة الحجة على الخصم بما لا ينكره؛ لقوله: ﴿بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؛ لأن العالم تشمل حتى آلهتهم التي يعبدونها، فإذا كانت آلهتهم مربوبة، فكيف يمكن أن تكون معبودة؟ هذا تناقض! وقد مر علينا في أثناء الدرس أن من أقر بانفراد الله بالربوبية؛ لزمه أن يقر بانفراده بالألوهية، وإلا صار متناقضًا؛ إذ لا يستحق العبادة إلا الرب الخالق المالك المدبِّر، ومن لم يكن كذلك فإنه لا يستحق أن يُعبد.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الخَلْق عَلَم على خالقهم وآية ودليل، وهو -أي الخلْق- باعتبار كونه آية على وجود الله وقدرته وكمال سلطانه وتدبيره؛ أمر معلوم، لكن قد يكون آية على معنى خاص، فمثلًا نزول المطر آية على الرحمة، والنكبات، والخوف، والنقص في الأموال، والأنفس آية على عقوبته وغيرته وانتقامه ممن عصاه، فالمهم أن هناك معنًى عامًّا تشترك فيه جميع الآيات وهو كونها دالة على وجود الخالق عز وجل وكمال ربوبيته وسلطانه، وأنه لا يعارضه شيء من هذه المخلوقات، وهناك معنى خاص للآية وما تدل عليه بعينها كدلالة الغيث على الرحمة ودلالة الجدب على الانتقام ممن عصاه.
* ومن فوائد الآيات في قوله تعالى: ﴿