تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
فَنَظَرَ نَظْرَةً فِى ٱلنُّجُومِ ﴿٨٨﴾
فَقَالَ إِنِّى سَقِيمٌ ﴿٨٩﴾
فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ﴾ [الصافات ٨٨]: جواز التورية؛ وهي أن يُظْهِر للمخاطَب ما لا يريده، ويفهم منه المخاطب معنى غير المراد، والتورية قد تكون واجبة، وقد تكون مستحبة، وقد تكون جائزة، وقد تكون مكروهة، وقد تكون مُحرَّمة، فتجري فيها الأحكام الخمسة، فإذا توقَّف على التورية إنقاذ معصوم من هلكة مثلًا صارت واجبة، مثل: أن يأتي شخص ظالم يسأل عن إنسان يريد أن يقتله، وأنت تعرف مكان هذا الإنسان، فهنا يجب عليك أن توري؛ لأن في ذلك إنقاذًا للمعصوم من الهلَكَة، وقد تكون مستحبة كما لو سألك سائل عن عمل صالح عمِلته تخشى أن تقع في الرياء إن أخبرته به، فماذا يكون؟
يكون هنا التورية مستحبة، وقد تكون مباحة كما لو وَرَّيْت على شخص يريد أن يظلمك، أو يريد منك شيئًا لا تحب أن تعطيه، مثل أن يقول: يا أخي، أقْرِضْني مئة ألف ريال، وأنت تعرف أن هذا الرجل فقير معدم أو مماطل، لا يفي بالواجب، فهنا تكون التورية مُباحة، وقد تكون مكروهة كما إذا كانت لغير سبب.
والصحيح أنها مكروهة لما يخشى فيه من نسبة الإنسان إلى الكذب؛ لأن الإنسان إذا ورَّى، ثم ظهر الأمر على خلاف ما فهمه السامع نَسَبَه إلى الكذب، هذه مكروهة، لا يبيحها إلا السبب، وقد تكون محرمة كما لو تخاصم رجلان إلى القاضي، فادعى أحدهما على الآخر بدعوى، فالمدعي عليه البينة، والمنكِر عليه اليمين، هذا المدَّعَى عليه حلف عند القاضي، قال: والله ما له عندي شيء، فالقاضي في مِثل هذا التعبير يفهم براءة هذا المدَّعَى عليه، والمدعَى عليه أراد بـ(ما) أن تكون اسمًا موصولًا؛ يعني والله الذي له عندي شيء، هذه التورية نقول: إنها حرام؛ لأنها تتضمن جحد الحق الواجب عليه أداؤه، فالمهم أن التورية تجري فيها الأحكام الخمسة.
فإذا قال قائل: ما هو الأصل فيها الإباحة أو الكراهة؟
فالأقرب أن الأصل فيها الكراهة، ولكن قد تكون مباحة، مستحبة، واجبة، حرامًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز إسناد الوصف إلى الإنسان باعتبار المستقبل، يؤخذ من قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ فإنه الآن ليس بسقيم، لكن كل إنسان عُرضة لأن يسقم على أنه يمكن أن يريد بقوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ أي: ضعيف باعتبار قوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٢٨] فيكون الوصف هنا حاليًّا ولَّا مُستقبليًّا؟ حاليًّا.
* من فوائد الآية الكريمة في قوله: ﴿