×

الصافات

الآية ١١٠

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

كَذَٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُحْسِنِينَ ﴿١١٠﴾

كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات ١٠٥]، فكما أحسن في عبادة الله أحسن الله إليه، وقد قال الله عز وجل في سورة الرحمن: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن ٦٠] يعني: ما جزاء الإحسان إلا الإحسان، وبهذا يتبين لك كمال فضل الله عز وجل فإن الله عز وجل هو الذي أحسن إليك أولًا بتوفيقك للطاعات والإحسان، ثم أحسن إليك ثانيًا بماذا؟ بالجزاء عليه. فاعرف أيها المؤمن قَدْرَ نعمة الله عليك بالإحسانين؛ إحسان سابق للهداية هداك الله ووفقك، وإحسان لاحق وهو الثواب العظيم. نحن في الحقيقة في غفلة عن هذا، كثيرًا ما يعتمد الإنسان على نفسه بفعل الخير ولا يرى نعمة الله عليه به مع أن الواجب أن ترى نعمة الله عليك به، إذا أتيت مثلًا إلى المسجد فاعرف قدر نعمة الله عليك حيث سهل عليك المجيء إلى المسجد للصلاة أو لقراءة العلم؛ لأن الله حرم أممًا كثيرة عما مَنَّ الله به عليك، ما أكثر الذين لا يأتون إلى المساجد، وما أكثر الذين يحضرون بأبدانهم لا بقلوبهم، وما أكثر الذين يحضرون عادة لا عبادة، ما أكثر الذين حُرِموا التردد إلى المساجد لطلب العلم أو قراءة القرآن، كل هذه يجب أن يتفطن لها الإنسان وأن يعرف قدر نعمة الله عليه بها، ثم يرجو ثواب الله عز وجل عليها ويُحْسِن الظن بالله سبحانه وتعالى، وقد قال الله سبحانه تعالى: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٤٠٥)، ومسلم (٢٦٧٥ / ٢) من حديث أبي هريرة.]] ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات ١٠٥]. ثم قال عز وجل: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾ [الصافات ١٠٦]. * ومن فوائد هذه الآية: بيان أن الله عز وجل قد يختبر عبده المؤمن بمصائب يفعلها هو بنفسه أو بمصائب يُقَدِّرها الله عليه لا اختيار له فيها، أليس كذلك؟ اختبار الله عز وجل، يختبر المؤمن بمصائب، إما أن يفعلها هو بنفسه أو يجريها الله عليه بغير اختياره، والأول أكمل من الثاني يعني أن يبتلي الله الإنسان بمصائب يفعلها هو بنفسه، هذه أكمل من الثاني؛ لأن الثاني الذي يجرى عليه بالاختيار كما قال بعض السلف: إما أن يصبر صبر الكرام وإما أن يسلو سلوَّ البهائم، لكن الشيء الذي يفعله بنفسه أعظم وأكمل، ما جرى لإبراهيم من الاختبار من أي النوعين؟ * طلبة: من الأول. * الشيخ: من الأول الذي قَدَّر الله عليه مصيبة يفعلها بنفسه وهو ذبح ابنه فإنه سيفقده، وفقد الابن في هذا السن -وهو أيضًا وحيده الذي ليس له ولد سواه- لا شك أنه مصيبة عظيمة ولهذا وصفه الله بأنه بلاء مبين. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان حكمة الله عز وجل فيما يُقَدِّره على عبده المؤمن من مكروه، لا يقول الإنسان: لماذا ابتلاني الله تعالى بهذا دون غيري؟ نقول: لله في ذلك حكم عظيمة، يبتلي الله المؤمن بالمصائب، إذا صبر نال بذلك درجة الصابرين، وإذا احتسب الأجر بهذا الصبر نال بذلك ثواب الصابرين؛ والصبر كما نعلم جميعًا مرتبة عالية يوفى فيه العامل أجره بلا حساب، وهل يمكن صبر بلا مصبور عليه؟ أجيبوا. * طلبة: لا. * الشيخ: لا يمكن، إذن لا بد من ابتلاء وامتحان يُعلم به قدر صبر الإنسان حتى يثاب على قدر ما حصل منه من الصبر. * ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة إبراهيم وإسماعيل، وقد سبق، لكن من هذه الآية يتبين فضيلتهما بأنهما صبرا على هذا الابتلاء، صبرا صبر الكرام وأسلما، ولم يبق إلا التنفيذ حتى جاء الفرج من الله سبحانه وتعالى. * ومن فوائد الآيات الكريمة في قوله: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات ١٠٧] بيان أن رفع القتل أو رفع الذبح عن الابن جُعل له مقابل لتكميل التنفيذ والامتثال، وذلك بأن أُمِرَ إبراهيم بأن يذبح فداءً عن ابنه ويكون هذا الذبح أي المذبوح عظيمًا؛ فلهذا قال: ﴿فَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ يعني: أمرناه أن يذبح ذبحًا عظيمًا فداء له. * ومن فوائد هذه الآية على ما استنبطه بعض العلماء: أن الإنسان إذا نذر ذبح ابنه وجب عليه أن يذبح فدية عنه كبشًا، قال: لأن هذا هو الذي أمر الله به إبراهيم ليكون فداء عن ابنه، ومعلوم أن الإنسان إذا نذر أن يذبح ابنه فإنه لا يحلُّ له أن يوفي به لأنه نذر معصية، وقد قال النبي ﷺ: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ»[[أخرجه البخاري (٦٦٩٦) من حديث عائشة.]] إذن ماذا يصنع؟ قالوا: يذبح كبشًا كما أُمِرَ إبراهيم بذلك، وهذا الاستنباط جيد لولا مخالفته لظاهر السنة وهو أن من نذر معصية فإنه يحرم عليه فعلها ولكن يُكَفِّر كفارة يمين، فإذا قال شخص: لله علي نذر أن أذبح أول ولد يأتيني، ثم أتاه ولد، فإنه لا يحل له أن يذبحه، ولكن نقول: عليك -على القول الراجح- أن تُكَفِّر كفارة يمين. * ومن فوائد الآيات في قوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الصافات ١٠٨، ١٠٩] أن الله تعالى أبقى لإبراهيم عليه الصلاة والسلام ثناءً حسنًا وسلامًا في الآخرين؛ ثناءً حسنًا يثنى عليه بما حصل منه من الدعوة إلى الله عز وجل والصبر على البلاء الذي حصل له بغير اختياره والصبر على البلاء الذي حصل له باختياره، فمن البلاء الذي حصل له بغير اختياره الإحراق حين قال قومه: ﴿حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء ٦٨]، وأنتم تعلمون ماذا يحصل للإنسان عندما يُعزم على تحريقه أو على إحراقه لقاء الدعوة إلى الله؛ لأنه سيتألم لذلك ألمًا بدنيًّا وألمًا قلبيًّا. إن منا مَنْ إذا رأى عدم قبول الناس لدعوته تألم بمجرد أنهم لم يقبلوها، فكيف إذا ردوها وأحرقوه من أجلها أو حرقوه من أجلها! أليس هذا يكون أشد ألمًا على القلب؟ * طلبة: بلى. * الشيخ: طيب، إذن هذا لا شك أنه بلاء ومع ذلك صبر وأُلْقِيَ في النار، ولكن الله عز وجل أمر أن تكون بردًا وسلامًا عليه. البلاء الثاني اللي حصل باختياره هو الأمر بذبح ابنه وعزمه على أن ينفذ ذلك. طيب، هذا من الثناء الحسن على إبراهيم. كذلك أيضًا إبراهيم اتفقت الأمم على الثناء عليه وعلى ألا يعاب؛ ولهذا قال: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الصافات ١٠٩]. فإن قلت: إننا -نحن هذه الأمة- نسلم على إبراهيم وغيره؛ فإننا نقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، قال النبي ﷺ: «إِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمْ ذَلِكَ سَلَّمْتُمْ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٨٣١)، ومسلم (٤٠٢ / ٥٥) من حديث ابن مسعود.]] ؟ فالجواب أننا نسلم على كل عبد صالح في السماء والأرض، ولكن سلامنا على إبراهيم وأمثاله من أولي العزم من الرسل أشد وأبلغ من سلامنا على عامة الصالحين. * ومن فوائد الآية في قوله: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات ١١٠] أن الله تعالى كرر هذه الجملة المفيدة لهذا الحكم ترغيبًا للناس في الإحسان، فيستفاد منها: أنه ينبغي لمن تكلم في أمر يُرَغِّب فيه أن يكرر؛ لأن النفوس كلما تكرر لها الحكم ازدادت طمأنينة فيه ورغبة فيه، وفي مقام الترهيب كذلك يُكرَّر، ألم تروا إلى قوله تعالى في سورة المرسلات: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات ١٥]؟ حيث كُرِّرَت عدة مرات تحذيرًا وإنذارًا، فلكل مقام مقال، التكرار قد يكون من الركاكة ومن البُعْد عن البلاغة، لكن إذا كان في موضع يحسن فيه كان ذلك من البلاغة، وهنا كرر الله هذه الجملة: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات ١١٠] في عدة آيات. * ومن فوائد الآيات: في قوله: ﴿