×

الصافات

الآيات ١٠٨–١٠٩

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِى ٱلْـَٔاخِرِينَ ﴿١٠٨﴾

سَلَـٰمٌ عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ ﴿١٠٩﴾

وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ ﴿تَرَكْنَا﴾ قال المؤلف: (أبقينا ﴿عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ ثناء حسنًا ﴿سَلَامٌ﴾ منا ﴿عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ ) أفادنا المؤلف رحمه الله أن الترك هنا بمعنى الإبقاء، وأن مفعوله محذوف تقديره ثناء حسنًا، وهذا أحد القولين في المسألة، والقول الثاني أن المفعول لـ﴿تَرَكْنَا﴾ هو قوله: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ يعني أن الله ترك عليه في الآخرين السلام أي أن يسلم من الثناء القبيح، ورجح هذا ابن القيم رحمه الله في كتابه جلاء الأفهام، وقال: إن مفعول ﴿تَرَكْنَا﴾ هو الجملة في قوله: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ هذا هو الذي ترك؛ ولهذا يثنى عليه إلى يوم القيامة، ويقال: اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، كما يقرأ في القرآن الكريم صفاته التي يثنى بها عليه. وقوله: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ السلام يعني السلامة من النقائص والعيوب التي تعتري البشر، ومن الثناء القبيح الواقع عليه من غيره؛ ولهذا إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان الناس كلهم يفخرون بالانتساب إليه حتى اليهود قالوا: نحن على ملة إبراهيم والنصارى قالوا: نحن على ملة إبراهيم، قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران ٦٧]. ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات ١٠٨ - ١١٠] (لأنفسهم). ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ الجملة هذه استئنافية يُقْصَد بها الثناء على إبراهيم بغاية ما يُثْنَى به وهو الإيمان والعبودية، العبودية في قوله: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا﴾، والعبودية هنا العبودية الخاصة بل خاصة الخاصة؛ لأن العبودية تنقسم إلى قسمين عامة مثل. * طالب: مثل ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة ٢]. * الشيخ: لا. * الطالب: مثل ﴿إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر ٤٤]. * الشيخ: ﴿إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ طيب، وخاصة؟ * الطالب: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان ٦٣]. * الشيخ: نعم، الخاصة هذه أيضًا فيها ما هو خاص فيه شيء من العموم، وفيها أيضًا ما هو أخص وهي عبودية الرسالة كقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان ١] وكلما كان أخص فهو أكمل وهل الأخص ينافي الأعم؟ لا، لأن الربوبية الخاصة أو العبودية الخاصة في ضمن الربوبية العامة أو العبودية الخاصة فكل من كان عبدًا لله بالمعنى الخاص فهو عبد له بالمعنى العام ولا عكس يعني ليس كل من كان عبدًا لله بالمعنى العام يكون عبدًا له بالمعنى الخاص. ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ﴾ بَشَّرْنا إبراهيم بإسحاق يعني: أعلمناه به على وجه يُسَرُّ به بعد البشارة الأولى بإسماعيل؛ ولهذا كان إسماعيل أكبر من إسحاق عليهما الصلاة والسلام. قال: (استدل بذلك على أن الذبيح غيره) ووجه الاستدلال أن هذه البشارة وقعت بعد قصة الذبح واستكمالها قوله: (﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا﴾ حال مقدرة أي يوجد مقدرًا نبوته). قوله: ﴿بَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ﴾ أي: بولادته ووجوده، ﴿نَبِيًّا﴾ حال من إسحاق، وهل الحال هذه حال مقدرة أو حال واقعة؟ أفاد المؤلف بأنها حال مقدرة لكن لما كانت أمرًا واقعًا لا محالة وُصِفَ بها حال البشارة وإلا فإنه حال البشارة ليس بنبي؛ إذ إنه صغير، ولكن سيكون نبيًّا ولما كان هذا أمر محققًا جُعِلَ كأنه حال واقع وأمر واقع. وقوله: ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ أي: القائمين بحق الله وحق عباده. ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ﴾ [الصافات ١١٣] أي: على إبراهيم (بتكثير ذريته) ﴿وَعَلَى إِسْحَاقَ﴾ ابنه (ولده بجعلنا أكثر الأنبياء من نسله) صح، بارك الله على إبراهيم حيث جعل في ذريته النبوة والكتاب، كل الأنبياء بعد إبراهيم من نسله، وعلى إسحاق أيضًا؛ لأن أنبياء بني إسرائيل كلهم من نسل إسحاق، ليس من نسل إسماعيل نبي إلا واحد وهو محمد ﷺ. قال: (﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ﴾ مؤمن ﴿وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ كافر ﴿مُبِينٌ﴾ بَيِّن الكفر) ﴿مِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا﴾ أي: ذرية إبراهيم وإسحاق. ﴿مُحْسِنٌ﴾ أي: قائم بحق الله عز وجل وحق عباده، ومنهم ﴿ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ بارتكاب المعاصي والعدوان على الحق وعلى الخلق. ﴿مُبِينٌ﴾ أي: بَيِّن الظلم كما قال المؤلف، وعلى هذا فهي من (أبان) اللازم، ويجوز أن تكون من (أبان) المتعدي، ويكون المعنى مُظْهِر لظلمه، والواقع أن ذرية إسماعيل وإسحاق يتصفون بهذا الوصف، ظالم ومحسن؛ ولهذا لما قال إبراهيم حين قال لهم الله عز وجل: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة ١٢٤] كان في قوله تعالى: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ إشارة أنه سيكون من ذرية إبراهيم مَنْ هو ظالم لا يستحق أن يكون إمامًا في دين الله عز وجل. قال: ﴿وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ (﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الصافات ١١٤] بالنبوة) وموسى وهارون من ذرية إسحاق، وأكد الله مِنَّته عليهما باللام و(قد) والقسم المقدر. والمنة هي العطاء بلا ثمن، العطاء بلا ثمن يُسَمَّى منة، وأعظم عطاء يعطيه الله للإنسان هو النبوة. ولهذا قال: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ﴾ قال المؤلف: (بالنبوة، ﴿وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا﴾ بني إسرائيل ﴿مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ [الصافات: ١١٥] أي: استعباد فرعون إياهم)، فذكر الله مِنَّتَه على موسى وهارون بالنبوة ثم بنجاتهما وقومهما من الكرب العظيم، وما هو الكرب؟ يحتمل أنه الهلاك كما سبق في نظيرها، ويحتمل أنه ما لحقهما من الشدة من فرعون، فإن فرعون استعبد بني إسرائيل وصار يُقَتِّل أبناءهم ويستحيي نساءهم ويذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم، فأحيانًا يذبحهم ذبحًا كالغنم، وأحيانًا يقتلهم قتلًا إما بأحجار أو بغيرها، المهم أنه كان يؤذيهم أشد إيذاء يسومهم سوء العذاب، ولا شك أن هذا سيكون فيه كرب عظيم على هؤلاء القوم، فنجاهم الله سبحانه وتعالى من ذلك فذكر الله مِنَّتَهُ عليهم به. قال: (﴿وَنَصَرْنَاهُمْ﴾ [الصافات ١١٦] على القبط، ﴿فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ ) ﴿نَصَرْنَاهُمْ﴾ الضمير يعود على موسى وهارون وقومهما، ثلاثة، نصرناهم على عدوهم وأعظم انتصار ما حصل في النهاية؛ حيث أُمِرَ موسى عليه الصلاة والسلام أن يخرج من مصر فاتجه إلى البحر الأحمر ولما بلغه أُمِرَ بضربه فضربه فانفلق، فخرج موسى وقومه سالمين ودخل فرعون وقومه فهلكوا، حتى أراهم الله سبحانه تعالى جُثَّة فرعون فوق الماء ليطمئنوا بموته ويتيقنوا ذلك؛ ولهذا كان ذلك نصرًا لهم. وقوله: ﴿فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ ﴿الْغَالِبِينَ﴾ في النهاية وإلا فإن أول الأمر كان فرعون قد سامهم سوء العذاب، لكن العبرة بالنهاية، والنهاية أنهم غَلَبُوا؛ لأن الله عز وجل يقول في آل فرعون: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧) كَذَلِكَ﴾ [الدخان ٢٥ - ٢٨] يعني الأمر كذلك مؤكد ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ وهؤلاء القوم هم بنو إسرائيل كما في آية الشعراء ﴿وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء ٥٩]، فهذا من النصر العظيم أن الله تعالى يورث هؤلاء القوم الذين استضعفوا في الأرض يورثهم أرض هؤلاء العتاة الطغاة الفراعنة بكل سهولة. في قوله: ﴿فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ إشكال لأن هم ضمير والغالبين منصوب فكيف ينصب الخبر؟! * الطالب: ضمير فصل. * الشيخ: ضمير فصل؟ وإذا كان ضمير فصل؟ * الطالب: ﴿الْغَالِبِينَ﴾ خبر كان. * الشيخ: خبر (كان) إي نعم، وضمير الفصل؟ * الطالب: ما له محل من الإعراب. * الشيخ: ما له محل من الإعراب، طيب. * طالب: قول المؤلف: (السيد إبراهيم) (...). * الشيخ: ليس له وجه في الواقع الحقيقة أن هذا كنت بأعلق عليه لكن نسيت، الواقع أن تسميته بالسيد فيه نظر لو أنه قال: إبراهيم أو الخليل أو الرسول، أما السيد في هذا المقام ما ورد ولا شك أن إبراهيم عليه الصلاة السلام سيد من سادات الخلق لكن كوننا نعبر عنه بهذا الوصف عند ذكره وندع وصفه بالرسالة أو العبودية أو ما أشبه ذلك فيه نظر. * طالب: بالنسبة لقوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ ليش ما قال: سلام الله؟ * الشيخ: ما إعراب ﴿سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾؟ * طالب: مبتدأ. * الشيخ: ﴿سَلَامٌ﴾ مبتدأ، و﴿عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ خبر، طيب. * طالب: النكرة يمكن أن تكون مبتدأ؟ * الشيخ: يقول: النكرة هل يمكن أن تكون مبتدأ؟ * طالب: تكون مبتدأ. * الشيخ: طيب، لا تكون ولَّا تكون؟ * طالب: تكون. * الشيخ: ابن مالك يقول: وَلَا يَجُـــــوزُ الِابْتِــدَا بِالنَّـــكِرَةْ ∗∗∗ .................... * طالب: (...) يقدم. * الشيخ: ما قدم هنا؟ * الطالب: يجوز. * الشيخ: يجوز الابتداء بالنكرة. * الطالب: إذا أفادت العموم أو الخصوص. * الشيخ: إذا أفادت، ولهذا قال ابن مالك: ........................ ∗∗∗ مَا لَمْ تُفِدْ................. فهنا أفادت، أما إذا جعلناها من قول الناس يقولون: سلام على إبراهيم كما اختاره ابن القيم فالفائدة منها أنها من باب الدعاء. * طالب: (...). * الشيخ: لا، من قول الناس، وأما على رأي المؤلف (﴿سَلَامٌ﴾ منا ﴿عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ ) فهي خبر محض؛ لأن الله سبحانه لا يدعو؛ لأنه هو الذي يُدْعَى، ولكن جاز الابتداء بالنكرة؛ لأنها مفيدة. * طالب: كثير من (...) يذكرون قصص الأنبياء يقولون اسم النبي من غير عليه السلام؟ * الشيخ: ما فيها شيء، لكن الأفضل أن يقول: عليه السلام أو ﷺ، هذا هو الأفضل، ويثاب الإنسان على هذا، لكن بعض الناس تأخذه العجلة. * طالب: وصف غير الأنبياء بالصلاة والسلام فيقال: كذا عليه السلام أو ﷺ؟ * الشيخ: وصف غير الأنبياء بالسلام ولَّا بالصلاة؟ * الطالب: بالصلاة والسلام. * الشيخ: بالسلام يجوز، (...) السلام عليك. * الطالب: (...). * الشيخ: أما بالصلاة على غير الأنبياء فإن كانت تبعًا فهي جائزة بالنص والإجماع (اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد) إن كان تبعًا فهذا جائز، وإن كان استقلالًا فإن كان لسبب جاز ذلك أيضًا ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة ١٠٣] فإذا كان هذا السبب الذي جاؤوا به مما أمر بالصلاة عليهم بسببه صلينا عليهم، وإن كان لغير سبب فإن اتخذ شعارًا لهذا الشخص كلما ذُكِرَ قيل صلى الله عليه أو عليه السلام فإن أقل أحواله الكراهة وإن لم يُتَّخَذ شعارًا فالصحيح فلا بأس به. * طالب: (...) علي بن أبي طالب. * الشيخ: علي بن أبي طالب يتخذه الرافضة شعارًا. * الطالب: حتى الناس. * الشيخ: لا مهو بحتى الناس عندنا لا نعرف إلا أنهم يقولون: علي رضي الله عنه. * طالب: أو كرم الله وجهه. * الشيخ: هو يسأل عن السلام يا إخواني، ليش تنقلونا لمسألة ثانية؟ يسأل عن السلام والصلاة، أنا ما عمري سمعت أحدًا من الناس يقول: علي عليه الصلاة والسلام إلا الرافضة، وأما (علي كرم الله وجهه) فكذلك أيضًا الظاهر أنه مِنْ وَضْعِ الرافضة، ولا شك أن قولنا: (علي رضي الله عنه) أفضل بكثير من (عليه السلام) ومن (كرم الله وجهه)؛ لأن رضا الله هو أعلى نعيم في الجنة كما قال تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة ٧٢] والسلام عليه معناها السلامة من الآثام فهي صفة سلبية، أما هذه فهي صفة إيجابية الرضوان لكن لجهلهم صاروا يقولون: عليه السلام، أو لأجل أن يمتاز علي بن أبي طالب رضي الله عنه بصفة لا يشاركه فيها أحد أو لتحقيق ما يدعيه بعض الرافضة من أن عليًّا كان هو النبي وأن جبريل -والعياذ بالله- خان الأمانة ونزل بالوحي إلى محمد، ولا غرابة أن يقولوا هذا كما قالوا: إن الصحابة خانوا ونكثوا عهد النبي عليه الصلاة والسلام فإنه أوصى إلى علي بن أبي طالب بالخلافة وهم ظلموه، ولهذا يستبيحون لعن أبي بكر وعمر ويقولون في دعواهم: إنهم ظلمة، ولعنة الله على الظالمين، فيستبيحون -والعياذ بالله- لعن خير الأمة بهذا الشبهة الباطلة. على كل حال لسنا بصدد الكلام عن الرافضة وعن بدعهم وعن ما هم عليه، لكن نحن نقول: إن تخصيص علي بن أبي طالب بـ(عليه السلام) أو (عليه الصلاة والسلام) أو (كرم الله وجهه) هذا نقص، فإن رضى الله عنه أكمل من هذا كله -رحمك الله- إذا رضي الله عنه فهذا أكبر ما يكون من الثواب كما قال الله تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾. * * * * الطالب: ﴿وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ (١١٧) وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (١١٨) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآخِرِينَ (١١٩) سَلَامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٠) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات ١١٧ - ١٢١]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾. * من فوائد هذه الآية وما بعدها: إثبات الكلام لله عز وجل؛ لقوله ﴿وَنَادَيْنَاهُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾، وأنه بصوت؛ لقوله: ﴿وَنَادَيْنَاهُ﴾، وبحرف؛ لقوله: ﴿أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾.. إلى آخره. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الآية شهدت لما دلَّ عليه الحديث الصحيح من قول النبي ﷺ: «وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ»[[أخرجه أحمد (٢٨٠٣)، والطبراني في المعجم الكبير (١١٢٤٣) من حديث ابن عباس.]]، فإن أشد كرب وقع لإبراهيم بالنسبة لهذه القضية ما حصل منه حين تَلَّ ابنه على جبينه ليذبحه، فما تصورنا لهذا الحال؟ إنه لكرب عظيم، وفي هذا الكرب العظيم جاء الفرج من الله عز وجل: ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾، فالفرج يكون مع الكرب، وكلما اشتد الكرب والتجأ الإنسان إلى ربه كان الفرج إليه أسرع. * ومن فوائد هذه الآية: أن فيها شاهدًا للحديث الصحيح أن الإنسان إذا قصد العمل وسعى به كُتِبَ له أجره لقوله: ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ مع أنه لم يذبح لكنه فعل ما أُمِرَ به ولم يبق إلا أن يُنَفِّذه. وما هو الحديث الذي تشهد له هذه الآية؟ أولًا: ما ثبت في الصحيح في قصة «الرجل الذي قال: لَيْتَ لي مثل ما لفلان فأعمل فيه ما عمل فلان»[[أخرج الترمذي (٢٣٢٥) بسنده من عن أبي كبشة الأنماري رضي الله أن النبي ﷺ قال: «إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله مالًا وعلمًا فهو يتقي فيه ربه، ويصل فيه رحمه، ويعلم لله فيه حقًّا، فهذا بأفضل المنازل، وعبد رزقه الله علمًا ولم يرزقه مالًا فهو صادق النية يقول: لو أن لي مالًا لعملت بعمل فلان فهو بنيته فأجرهما سواء».. الحديث.]]، وكان ينفق ماله في الخير، وكذلك في قصة «الرجلان يقتتلان كلاهما يدخل النار فقيل: يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: «لِأَنَّهُ كَانَ حَرِيصُا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ»[[أخرج البخاري واللفظ له (٣١)، ومسلم (٢٨٨٨ / ١٤) بسنديهما عن الأحنف بن قيس، قال: ذهبت لأنصر هذا الرجل، فلقيني أبو بكرة فقال أين تريد؟ قلت: أنصر هذا الرجل. قال: ارجع فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار». فقلت يا رسول الله هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: «إنه كان حريصًا على قتل صاحبه».]] فإذا كان مَنْ فعل السيئة ولم يُتِمَّها يؤزر عليها، فمَنْ فعل الحسنة ولم يُتِمَّها من باب أولى أن يُؤْجَر عليها. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن العبادة ما أمر الله به وإن كانت في غير هذا الموضع معصية، فإن قتل الابن من أكبر الكبائر فإذا أَمَر الله به صار طاعة ومن أفضل الطاعات؛ لأن تنفيذه مِنْ أشق ما يكون على النفس فإذا نَفَّذَه الإنسان مع قوة الداعي لمنعه كان ذلك أفضل وأكمل، وهل لهذا نظير؟ الجواب: نعم، له نظير، فالسجود لغير الله شرك، ولما أمر الله به الملائكة أن يسجدوا لآدم صار السجود لآدم طاعة، فالحاصل أن العبادة ما أمر الله به وإن كان جنسها قد يكون معصية في موضع آخر. * ومن فوائد الآية الكريمة: العمل بالرؤيا إذا كانت صالحة، ولكن هل هذا في كل رؤيا؟ والجواب أن رؤيا الأنبياء فَنَعَمْ.. الجواب: نعم لهم نظير، فالسجود لغير الله شرك، ولما أمر الله الملائكة أن يسجدوا لآدم صار السجود لآدم طاعة. فالحاصل أن العبادة ما أمر الله به، وإن كان جنسها قد يكون معصية في موضع آخر. * ومن فوائد الآية الكريمة: العمل بالرؤيا إذا كانت صالحة، ولكن هل هذا في كل رؤيا؟ والجواب: أما رؤيا الأنبياء فنعم؛ لأن رؤياهم وحي، وأما رؤيا غيرهم فإن شهدت النصوص الشرعية باعتبارها أو وُجِدَت قرائن حسية تشهد لها عُمِلَ بها، وإلَّا فلا. إذن: رؤيا الأنبياء يُعْمَل بها مطلقًا، ورؤيا غيرهم لا يُعْمَل بها إلا إذا شهدت النصوص الشرعية باعتبارها أو وجدت قرائن حسية تشهد لها. مثال الأول ما ذكر ابن القيم عن شيخه ابن تيمية رحمه الله شيخ الإسلام رحمه الله: أنه رأى النبي ﷺ في المنام فسأله عن مسائل كانت قد أشكلت عليه، ومنها: أنه يقدم الجنائز لا يدرى أمسلمون هم أم كافرون، فقال له النبي ﷺ: عليك بالشرط يا أحمد، يعني أرشده إلى أن يشترط فيقول مثلًا: اللهم إن كان مؤمنًا فاغفر له وارحمه، هذه الرؤيا شهد الشرع باعتبارها وهو جواز الدعاء المعلق على شرط، مثل قوله تعالى في الرجل يقذف امرأته يشهد لنفسه أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النور ٧]، والمرأة كذلك تشهد بدرء ما رماها بها أربع مرات وفي الخامسة و﴿أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور ٩] فهنا دعاء مُعَلَّق بشرط. ومثال الثاني: ما ذُكِرَ عن ثابت بن قيس رضي الله عنه الذي استشهد في اليمامة وأتاه رجل من الجيش فأخذ درعه ووضعه في رحله تحت قِدْرٍ فرأى أحد أصحاب ثابت بن قيس ثابتًا في المنام وأخبره بأنه مر به رجل وأخذ درعه ووضعه تحت قدر وهو بُرْمَةٍ وهو قِدْرٌ من الفخار وعنده فرس تستن، وذكر أشياء أوصى بها، فلما بلغ ذلك أبا بكر أنفذ وصيته؛ لأن الرجل الذي رأى هذه الرؤيا ذهب إلى المكان الذي ذكره ثابت فوجد الأمر كما قال فهنا وُجِدَت قرينة حسية تدل على صدق الرؤيا. * ومن فوائد هذه الآيات في قوله: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات ١٠٥] أن كل محسن فإن الله تعالى يجعل له من كلِّ هَمٍّ فرجًا ويكتب له أجر العبادة وإن لم يفعلها إذا سعى في أسبابها، وهذا له أمثلة كثيرة يمكن أن نذكر منها ما جرى لرسول الله ﷺ في حجة الوداع فإن النبي ﷺ حج قارنًا بلا شك وساق الهدي ومع ذلك قال: «لَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً»[[أخرجه مسلم (١٢١٨ / ١٤٧) من حديث جابر بن عبد الله وأصله في الصحيحين.]] فهنا تَمَنَّى ﷺ أن يكون قد تمتع ولكنه قرن فيُكْتَب له أجر التمتع الذي قال عنه: «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً». فالإنسان المحسن الحريص على الخير قد يكتب الله له من الأجور ما هَمَّ أن يفعله وإن لم يفعلها. هذه واحدة. * ثانيًا: أن الله يفرِّج له كل كرب، وشاهد هذا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق ٢، ٣]، ولكن لا بد في هذه الحال من قَيْدٍ وهو أن ينتظر الإنسان فرج الله عز وجل لا يَبْعُد بنفسه عن الله وييأس، لا، بل ينتظر الفرج فإذا انتظر الفرج مع تقواه وإحسانه فما أقرب الفرج إليه؛ لقوله: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات ١٠٥]. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان عظمة الرب عز وجل حيث أسند الفعل إليه بضمير العظمة ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات ١٠٥]، ولا شك أن الله تعالى أثنى على نفسه بالعظمة والإحسان والفضل. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجزاء من جنس العمل ﴿إِنَّا