×

الصافات

الآية ١٠٢

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْىَ قَالَ يَـٰبُنَىَّ إِنِّىٓ أَرَىٰ فِى ٱلْمَنَامِ أَنِّىٓ أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَـٰٓأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِىٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰبِرِينَ ﴿١٠٢﴾

فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ﴾.. إلى آخره أن الله عز وجل قد يبتلي عبده المؤمن ببلوى عظيمة شديدة على النفوس وذلك بما أرى الله نبيه إبراهيم عليه الصلاة والسلام من ذبح ولده، نحن نعلم أن الله لو قدر على ولدك أن يموت لكان هذا مصيبة عظيمة، لكن إذا أمرك الله سبحانه وتعالى أن تذبحه أنت بنفسك صار هذا أعظم وأشد وصار الصبر على هذا الأمر أشد وأفضل من الصبر على موته بقدر من الله، أليس كذلك؟ الصبر على أنك أنت بنفسك تتولى قتل ابنك أشد مما لو أماته الله عز وجل بقدر من عنده. * ومن فوائد الآية: أن هذا الوقت الذي أُمِرَ إبراهيم بذبح ابنه فيه كان وقتًا يكون فيه تنفيذ الأمر شديدًا؛ لأنه بلغ معه السعي فتنفيذ الأمر في هذه الحال يدل على كمال عبودية المأمور حيث نفذه في أَشَدِّ ما يكون تَعَلُّقًا بابنه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي لمن أراد أن يُنَفِّذ شيئًا مكروهًا لشخص أن يأتي بأسلوب يدل على أنه لا يريد الإضرار به وإنما هو أمر لا بد منه؛ لقوله: ﴿يَا بُنَيَّ﴾ فإن إتيانه بهذه الصيغة على صيغة التلطف من أجل أن يبعد عنه تهمة أنه لا يحبه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجوز امتحان الشخص بما لا يُؤْخَذ رأيه فيه ولكن للاستعلام؛ لقوله: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ فإن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لا يريد أن ينظر لابنه إن قال: لا تذبحني ترك الذبح، بل يريد أن يعرف مدى قبوله واستعداده فيكون في هذا تورية، والتورية لاشك أنها جائزة للاستعلام والاستخبار ولا سيما عند الحكم في القضاء. وقد مر علينا «قصة سليمان عليه الصلاة والسلام في المرأتين اللتين تخاصمتا في ولد بينهما، حيث تخاصمتا عند داود فحكم به للكبرى، ثم تخاصمتا عند سليمان فدعا بالسكين ليشقه نصفين بينهما». وهل سليمان سيفعل؟ لا، لن يفعل أبدًا، لكن هذا من باب التورية واستطلاع الحقيقة، «فلما دعا بالسكين وأراهما أنه يريد أن يشقه نصفين قالت الصغرى: هو ولدها يا نبي الله»[[أخرج البخاري واللفظ له (٦٧٦٩)، ومسلم (١٧٢٠ /٢٠) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «كانت امرأتان معهما ابناهما، جاء الذئب فذهب بابن إحداهما، فقالت لصاحبتها: إنما ذهب بابنك. وقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك، فتحاكمتا إلى داود عليه السلام فقضى به للكبرى، فخرجتا على سليمان بن داود عليهما السلام فأخبرتاه، فقال: ائتوني بالسكين أشقه بينهما. فقالت الصغرى: لا تفعل يرحمك الله هو ابنها فقضى به للصغرى». قال أبو هريرة: والله إن سمعت بالسكين قط إلا يومئذ، وما كنا نقول إلا المدية.]] فعرف أنه لها؛ لأنها أدركها حب الولد فتنازلت عن حقها منه ودعواها والكبيرة رضيت؛ لأنه لا يهمها أن يقتل ابن هذه المرأة كما أكل الذئب ولدها. طيب، إذن يؤخذ من هذا أنه يجوز للإنسان أن يُوَرِّي بالشيء لاستطلاع الأمر واستظهاره؛ لأن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما قال لابنه: ﴿انْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ فإن ظاهر ذلك أنه يريد أن يستشيره ويأخذ رأيه إن وافق وإلا لم ينفذ، وليس الأمر كذلك بل أراد أن يختبره لأي شيء؟ لينظر مدى قبوله لهذا الأمر واستعداده لتنفيذه. * ومن فوائد الآيات: أن رؤيا الأنبياء حق؛ وذلك لأن إبراهيم اعتمدها ولو لم تكن حقًّا لم يعتمدها، لكن لو رأى أحدنا مثل هذه الرؤيا أنه يذبح ابنه فهل هذا حق؟ * طالب: نعم. * طالب آخر: لا. * الشيخ: لا، ليس بحق قطعًا؛ لأننا لا نؤمر أبدًا عن طريق المنام ولا عن طريق اليقظة بذبح أبنائنا، لكن إما أن تكون رؤيا ويكون فيها إشارة إلى شيء مشابه، وإما أن تكون من الشيطان ليحزنك، أما أن تكون أمرا يجب تنفيذه فهذا لا يمكن. * * * * الطالب: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات ١٠٥ - ١١١]. * الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، سبق لنا البحث إلى قوله: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ أظن، بعده؟ * طالب: أخذنا أن رؤيا الأنبياء حق لأن إبراهيم اعتمدها. * الشيخ: * ومن فوائد الآيات في قوله تعالى: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾. * من فوائد هذه الآية: أنه يجوز اختبار الإنسان ليُنْظَر مدى استعداده وقبوله للأمر؛ لأن إبراهيم عليه الصلاة والسلام اختبر ولده بذلك في قوله: ﴿فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾، وقد سبق لنا أن هذا ليس من باب المشاورة لأنه من المستحيل أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام يستشير ابنه في تنفيذ أمر الله. * ومن فوائد الآية الكريمة: حسن أدب إسماعيل؛ حيث قال في جواب أبيه: ﴿يَا أَبَتِ﴾، ولم يقل: يا هذا، أو يسكت، بل قال: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن الخبر قد يكون بمعنى الأمر؛ لأن هذه الرؤيا -كما مر علينا- بمنزلة الخبر حيث لم يقل له في الرؤيا: اذبح ولدك، بل رأى نفسه يذبح الولد، ولكن الخبر قد يكون بمعنى الأمر، وهل يحتاج إلى قرينة في هذا أو لا؟ الجواب: نعم، يحتاج إلى قرينة؛ لأن الأصل في الخبر أنه لا يدل على الطلب، ولكن إذا وُجِدَ قرينة تقتضي ذلك كان أمرًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز حث المفضول للفاضل على فعل الأوامر؛ لقوله : ﴿افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾. * فيتفرع على هذه الفائدة: أنه لا ينبغي للإنسان أن يُحَقِّر نفسه في الأمر بالخير فيقول مثلًا: هذا أجل مني، هذا أعلم مني، أكبر مني، فلن آمره بشيء، بل نقول: مر بالخير سواء كنت أصغر سنًّا أو شأنًا من المأمور أو مثله أو أكبر منه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن يُعَلِّق كل أمر مستقبل على مشيئة الله؛ لقوله: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ فإن هذا أمر مستقبل، وينبغي أن يعلق الإنسان كل شيء مستقبل بمشيئة الله سبحانه وتعالى. فإن قال قائل: كيف نفهم هذا الحكم من قول إسماعيل؟ فالجواب: أن الله سبحانه وتعالى قصَّه علينا لنعتبر به كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف ١١١] ويؤيد هذا أيضًا شرعنا فإن الله قال لنبيه محمد ﷺ: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف ٢٣، ٢٤]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الصبر يكون على امتثال الأوامر وعلى المصائب؛ فإن قوله: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ أي الصابرين على تنفيذ هذا الأمر وعلى ما يقتضيه من الآلام؛ لأنه ذَبْحٌ، والصبر ثلاثة أقسام دلت هذه الآية على قسمين منها، والثالث الصبر عن معصية الله. * ومن فوائد هذه الآيات في قوله: ﴿