×

يس

الآية ٧٢

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

وَذَلَّلْنَـٰهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ ﴿٧٢﴾

وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾ [يس ٧٢]. * من فوائدها: بيان نعمة الله سبحانه وتعالى علينا بتذليل هذه الأنعام، ولو استعصت علينا ما تمكَّنا من الانتفاع بها، ولهذا لما نَدَّ بعير من الإبل في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام أدركه رجل بسهم، فقال النبي ﷺ: «إِنَّ لِهَذِهِ الْإِبِلِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ، فَمَنْ نَدَّ مِنْهَا فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٥٠٩)، ومسلم (١٩٦٨ / ٢٠) من حديث رافع بن خديج.]]، فهذه البعير تمرَّدت على أهلها ولم يدركوها إلا بالسهم. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان أن أفعال المخلوقات مخلوقة لله؛ لقوله: ﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ﴾ لكنها مفعولة للفاعل مباشرة، فهي تُنْسَب إلى الله عز وجل تقديرًا وخلقًا وتُنْسَب إلى الفاعل كسبًا وعملًا، فهذه الإبل المذللة الذي ذللها هو الله، إذن أفعالها صادرة بخلق الله عز وجل. وهذا هو المذهب الصحيح في هذه المسألة؛ أي مسألة أفعال العباد هل هي مخلوقة لله أو هي للعباد استقلالًا؟ والمسألة فيها ثلاثة أقوال، بل ثلاثة مذاهب: المذهب الأول: مذهب الجبرية الذين يقولون: إن خلق الله عز وجل شامل لكل حركة في السماوات والأرض، وأن الإنسان مجبور على عمله ليس له فيه اختيار، بل الحركة الإرادية الاختيارية كالحركة الإجبارية التي ليس له فيها إرادة، يقولون: إن أفعال الإنسان كحركة السعفة في الريح ليس باختيارها. فإذا قيل لهم: إن هذا يلزم منه الفوضى بحيث يفعل كل إنسان ما شاء ويقول: هذا بغير اختياري وأنا مجبور عليه، ويلزم منه أيضًا أن الله إذا عذَّب الإنسان على معصية كان ظالمًا له، ويلزم عليه أن مدح الطائعين لغوٌ لا فائدة منه؛ لأنه لا يمدح الإنسان على عمل يُجْبَر عليه بدون اختياره، ويترتب عليه أيضًا أن ذمَّ العاصين ظلم؛ لأنه ذمٌّ لمن لا يختار هذا الفعل. وكما أنه يترتب عليه هذه اللوازم الباطلة فهو أيضًا مخالف للواقع؛ فإن الإنسان يجد الفرق بين فعله الاختياري وفعله الاضطراري، يجد الفرق بين أن ينزل من السلم درجةً درجةً وبطمأنينة واختيار وبين أن يأتي شخص يدفعه دفعًا حتى لا يتمكن من الوقوف، فالأمر واضح من الناحية الواقعية العقلية أن هذا القول باطل من أبطل الأقوال. لكن الذي غرَّ أصحابه أن الله عز وجل ذكر أنه خلق كل شيء، وأنه قدَّر كل شيء، وأنه لا يكون في ملكه ما لا يريد، إلى غير ذلك من الأشياء التي يتعللون بها، لكنهم في الحقيقة نظروا إليها وغفلوا عن النصوص الأخرى الدالة على أن الإنسان فاعل باختياره. ولهذا قابلهم قومٌ نظروا إلى النصوص الدالة على أن الإنسان فاعل باختياره، وإلى الواقع فأنكروا أن يكون لله عز وجل إرادة أو خلق في أفعال العباد، وقالوا: إن العبد مستقل بعمله؛ يفعل ما يشاء ويترك ما يشاء، وليس لله سبحانه وتعالى تعلَّق بفعل العبد، هؤلاء أقرب إلى المعقول من أولئك القوم؛ لأن الإنسان لا شك يجد أنه فاعل بالاختيار، فهو يأتي يدخل بيته، ويخرج من بيته، ويأتي إلى المسجد، ويخرج من المسجد، ويختار هذا الفعل على هذا الفعل على وجه اختياري لا يشعر أبدًا بأن أحدًا يجبره على ذلك. ولكن ضلَّ هؤلاء بسلبهم إرادة الله عز وجل وخلقه عن أفعال الخلق واعتقادهم أن الإنسان مستقل بما يحدثه، ولهذا سُمُّوا مجوس هذه الأمة؛ لمشابهتهم للمجوس في إثبات فاعلين للحوادث، وهم يقولون بإثبات فاعلين للحوادث الذي من فعل الله هذه من فعل الله، والذي من فعل الإنسان هذه من فعل الإنسان مستقلًا بها، فلهذا سموا مجوس هذه الأمة، وهؤلاء لا شك أنهم ضالون؛ لأنهم أخرجوا شيئًا في ملك الله عن ملك الله. أهل السنة والجماعة توسَّطوا بين القولين وأخذوا بالدليلين، وقالوا: إن الإنسان لا شك يفعل باختياره ويدع باختياره، وإن له إرادة تامة بقدرة، والذي خلق هذه الإرادة والقدرة هو الله عز وجل، لو شاء الله سبحانه وتعالى لسلبه الإرادة، ولو شاء لسلبه القدرة، ولذلك إذا سلب الله العبد الإرادة لم يترتب على فعله حكم، فالمجنون -مثلًا- هل يؤاخذ بأفعاله؟ لا؛ لأنه يفعلها باختياره، والعاجز لا يكلف ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن ١٦]. إذن فالله سبحانه وتعالى هو الذي خلق الإرادة والقدرة في الإنسان، قالوا: والإرادة والقدرة هما السبب في وجود الفعل، فلولا الإرادة ما فعلت، ولولا القدرة ما فعلت، فالإرادة والقدرة هما سبب وجود الفعل، وإذا كانا مخلوقين لله فإن خالق السبب خالق للمسبب، فيضاف فعل العبد إلى الله من هذه الناحية؛ أي أن الله هو الذي أوجد فيه سبب الفعل، فصار بذلك فاعلًا، كما أن الإحراق -مثلًا- في النار ينسب إلى من؟ إلى النار، والذي أودع فيها هذه القوة هو الله عز وجل، فلذلك صار إحراق النار بفعل النار مباشرة لكنه بتقدير الله سبحانه وتعالى خلقًا. وهذا الذي ذهب إليه أهل السنة والجماعة، وهو المطابق للمنقول والمعقول والواقع؛ لأنه يجمع بين الأدلة الشرعية ويصدق الأدلة الحسية، فالأدلة الشرعية إذا جمعتها من أطرافها وجدت أنها تنصبُّ في أنبوب واحد هو الذي ذهب إليه أهل السنة والجماعة، ولولا هذا الاعتقاد لشلت الحركة، ولصار الإنسان اتكاليًّا؛ لا يقول ولا يفعل، ولولا هذا الاعتقاد لم يلجأ الإنسان إلى ربه عز وجل لمهماته وملماته، فهو باعتبار أنه مريد فاعل يتحرك ويعمل، وباعتبار أنه مخلوق مدبر يرجع إلى من؟ إلى الله عز وجل، فلا يكون اتكاليًّا ولا يكون أنانيًا؛ يعني أنه لن يستغني بنفسه عن ربه ولن يكون اتكاليًّا، يقول: إن قدر لي شيء صار بل هو يعمل مستعينًا بالله معتمدًا عليه. قال: ﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾. * من فوائد الآية الكريمة: أن لنا أن ننتفع بهذه الأنعام بالركوب ولكن بشرط ألا يكون في ذلك مشقة عليها، فإن كان في ذلك مشقة كان حرامًا؛ لأن المشقة تعذيب لها في غير محله. * من فوائد الآية الكريمة: جواز الارتداف على الدابة؛ لعموم قوله: ﴿فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ﴾ ولكنه مقيد بما أشرنا إليه ألَّا يكون في ذلك مشقة. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: حِل هذه الأنعام، أو حل بعضها إذا جعلنا (مِن) للتبعيض وجعلنا الأنعام أعم من بهيمة الأنعام، والحل في الأنعام كلها هو الأصل، ولذلك لو تنازع شخصان في أن هذا الحيوان حلال لكان القول قول من يقول بالحل حتى يقوم دليل على التحريم؛ أولًا: لعموم قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة ٢٩] وثانيًا: لعموم قوله: ﴿وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾، فالأصل هو الحل حتى يقوم دليل على المنع، لكن هذا الحل مقيد في الواقع مقيد بماذا؟ بشروط الذكاة المعروفة؛ لأنه إذا لم تُذَكَّ البهيمة الحلال ذكاة شرعية صارت حرامًا لا تحل، فهذا الإطلاق ﴿وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾ مقيد بماذا؟ بشروط؛ وهو أن يكون مذكًّى ذكاة شرعية، ومع هذا إذا اضطر الإنسان إليه حلَّ له وإن لم يُذَكَّ؛ لقول الله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة ١٧٣]. * ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجوز تعذيب الحيوان إذا لم تتم المصلحة إلا به؛ لأن الأكل ذبح لا يكون إلا بعد الذبح، والذبح من أعظم ما يكون من الإيلام، ولأن الشرع جاء بإباحة الوسم؛ وسم البهائم بالنار من أجل حفظ ماليتها، ولأن الشرع جاء بمشروعية إشعار الإبل والبقر في الهدي ليعلم أنها هدي، وإشعارها هو شق صفحة سنامها حتى يسيل منها الدم، وعلى هذا فإذا احتجنا إلى تعذيب الحيوان من أجل حفظ ماليته أو غير ذلك فإنه لا بأس به، مثلما يفعله بعض الناس الآن في الحَمَام؛ إذا أراد أن تربي عنده فإنه ينتف مقدم الأجنحة لئلا تطير حتى تألف المكان وتُرَبَّى فيه، يقولون: لو أننا قصصناها قصًّا ما نبت لها ريش بسرعة، فلهذا يختارون أن ينتفوها نتفًا من أجل أن ينبت الريش بسرعة وتستعد للطيران. قال: ﴿وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (٧٢)