تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
وَلَهُمْ فِيهَا مَنَـٰفِعُ وَمَشَارِبُ ۖ أَفَلَا يَشْكُرُونَ ﴿٧٣﴾
وَٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِ ٱللَّهِ ءَالِهَةً لَّعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ ﴿٧٤﴾
لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مُّحْضَرُونَ ﴿٧٥﴾
وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾ [يس ٧٢، ٧٣].
* يستفاد من هذه الآية الكريمة أيضًا: ما سبق من أن الله عز وجل خلق هذه الأشياء لمنافعنا؛ أي منفعة يمكن أن نحصل عليها من هذه البهائم فإنها مباحة لنا ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾، لكن بشرط -كما أسلفنا- ألا يكون في ذلك مشقة، فإن كان في هذا مشقة فإنها ممنوعة.
* ومن فوائدها: حل ألبان هذه البهائم؛ لقوله: ﴿وَمَشَارِبُ﴾.
ثم قال: ﴿أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾.
* يستفاد من هذه الجملة: وجوب شكر الله سبحانه وتعالى على هذه النعم، ووجهه أنه وبَّخ من لم يشكر، ولا توبيخ إلا على فعل محرَّمٍ أو ترك واجب، والشكر شكر المنعم كما دل عليه الشرع فقد دل عليه العقل؛ فإن كل إنسان مدين لمن أنعم عليه عليه أن يشكره بحسب ما تقتضيه الحال، ولهذا جاء في الحديث الصحيح: «مَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ»[[أخرجه أبو داود (١٦٧٢) من حديث عبد الله بن عمر.]].
ثم قال الله عز وجل: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [يس ٧٤] في هذه الآية من الفوائد:
* أولًا: صحة إطلاق الإله على غير الله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً﴾.
ولكن هل هذه الآلهة حق؟ الجواب: لا، هي آلهة باطلة؛ لقول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج ٦٢]، فهي وإن سموها آلهة وعبدوها كما يعبدون الرب عز وجل فإنها لن تكون آلهة، ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم ٢٣].
* ثانيًا: أن هؤلاء الذي اتخذوا هذه الآلهة توهموا فيها أنها تنصرهم ولكن أبطل الله هذا الوهم بقوله: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ﴾ [يس ٧٥].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان المبطل لا بد أن يتعلق بشيء يبرر به باطله. ما هو الشيء هنا؟ رجاء النصر ﴿لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ﴾، وكل إنسان مبطِل لا بد أن يعلل ما ذهب إليه من الباطل، كما مرَّ عليكم كثيرًا في أقوال أهل البدع، وكما مرَّ عليكم أيضًا في (...).
حكمًا تعبديًّا؛ يعني: لن يقبل من الإنسان أن يقول: هذا حلال وهذا حرام حتى يبين دليله وحجته.
يقول الله عز وجل: ﴿لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [يس ٧٤] ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ﴾ [يس ٧٥].
* من فوائد الآية الكريمة: أن هذه الآلهة لا يمكن أن تنصر عابديها؛ لقوله: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ﴾.
فإن قلت: أليسوا يستغيثون بالآلهة فيغاثون أحيانًا؟
* طالب: امتحان.
* الشيخ: هو امتحان، لكن هل حصل هذا النصر بها؟
* الطالب: من عند الله.
* الشيخ: يعني أحيانًا يستغيث بالصنم ويُغَاث.
* الطالب: فتنة.
* الشيخ: فتنة، لكن هل هذا الغوث حصل باستغاثته؟
* الطالب: عند الاستغاثة.
* الشيخ: حصل عندها لا بها.
* الطالب: لا بها.
* الشيخ: نعم، حصل عندها لا بها، وفرق بين أن يكون الشيء حصل بالشيء أو حصل عنده والسبب غيره، فسبب هذا الغوث الفتنة -كما قلت- وليس دعوة هذه الأصنام؛ لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأحقاف ٥].
* من فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء العابدين جندٌ محضرون لأصنامهم يدافعون عن الأصنام وينتصرون لها؛ لقوله: ﴿وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾.
وفي هذا من المناداة بسفههم ما هو ظاهر؛ حيث يستنصرون بمن لا يستطيعون نصرهم وهم ينصرونه، وهذا من السفه، كيف تنصر شيئًا لا يستطيع نصرك ولا تستفيد منه؟! ولهذا يعتبر قوله: ﴿وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ كالدليل على سفه هؤلاء؛ أنهم ينتصرون لهذه الآلهة وينصرونها مع أنها لا تنصرهم.
وهذا اللي قررته الآن بناءً على ما اخترناه من أن معنى الآية: وهؤلاء العابدون للمعبودين جند محضرون، أما على رأي المؤلف فهو يرى خلاف ذلك؛ يرى أن هذه الأصنام جند لهؤلاء لكنهم محضرون في النار جميعًا، وسبق بيان ضعف هذا القول.