تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
أَوَلَمْ يَرَوْا۟ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعَـٰمًا فَهُمْ لَهَا مَـٰلِكُونَ ﴿٧١﴾
أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ [يس ٧١] إلى آخره.
* من فوائد هذه الآية: تقرير نعمة الله عز وجل على عباده بهذه الأنعام؛ لقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾.
* ومن فوائدها: أن هذه الأنعام ملك لنا ننتفع بها لجميع وجوه الانتفاعات؛ لقوله: ﴿خَلَقْنَا لَهُمْ﴾، فكل وجوه الانتفاعات فإنه يجوز لنا أن ننتفع بها؛ لأنها ما دامت لنا فنحن فيها أحرار إلا ما قام الدليل على منعه.
* ويتفرع على هذه الفائدة أنه يجوز أن نركب ما لم تجر العادة بركوبه؛ مثل أن نركب البقر، ولهذا قال الفقهاء: يجوز الانتفاع بهذه الحيوانات في غير ما خُلِقَت له.
فإن قلت: ما الجواب عن الحديث الصحيح: «بينما رجل راكب بقرة يسوقها إذ التفتت إليه فقالت له: إنا لم نخلق لهذا، قال النبي ﷺ:» «فَأَنَا أُؤْمِنُ بِذَلِكَ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٦٦٣)، ومسلم (٢٣٨٨ / ١٣) من حديث أبي هريرة.]]؟
فالجواب على هذا أن نقول: إن هذا الرجل قد ركبها ركوبًا يشق عليها، وهي ما خلقت لتعذب وهو كذلك، حتى لو أن الإنسان ركب الإبل على وجه يعذبها قلنا له: إنها لم تخلق لهذا.
* من فوائد الآية الكريمة: صحة نسبة العمل إلى الله؛ لقوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾، لكن هل يسمي الله بالعامل؟ لا، كما لا يُسَمى بالصانع أخذًا من قوله تعالى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل ٨٨]؛ وذلك لأن باب الخبر أوسع من باب الإنشاء والتسمية، يجوز أن نشتق من كل اسم صفة ولا يجوز من كل صفة اسمًا، ولهذا نقول: الصفات أوسع من الأسماء؛ يعني باب الصفات -صفات الله- أوسع من باب الأسماء؛ لأن كل اسم متضمن لصفة وليس كل صفة تتضمن اسمًا.
* من فوائد الآية الكريمة: إثبات اليد لله عز وجل؛ لقوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾، وهذه اليد التي وصف الله بها نفسه أو أضافها إلى نفسه يدٌ حقيقية ثابتة لكن بدون أن تكون مماثلة لأيدي المخلوقين؛ لأن مماثلة الخالق للمخلوق ممتنعة غاية الامتناع عقلًا وسمعًا، قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١]، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [النحل ٧٤]، وأما العقل فإن كل عاقلٍ يدرك الفرق بين الخالق والمخلوق في الذات والصفات، فالواجب علينا نحن أن نؤمن بكل ما وصف الله به نفسه من غير تمثيل.
ثم اعلم أن ما وصف الله به نفسه ينقسم إلى صفات لازمة وصفات غير لازمة، وإلى ما نظيره أجزاء وأبعاض لنا.
فمثلًا السمع والعلم والقدرة والحياة هذه صفات لازمة، ويسميها أهل العلم الصفات الذاتية. ومثل الاستواء على العرش، والنزول إلى السماء الدنيا، والخلق، وما أشبه ذلك، صفات غير لازمة.
الله لم يزل ولا يزال خالقًا لكن المخلوق يتجدد، فكل خلق يتعلق بهذا المخلوق فإنه يكون حادثًا بعد أن لم يكن، ولكن هذا حدوث نوع وليس حدوث جنس؛ لأن الله لم يزل ولا يزال خالقًا، لكن الاستواء على العرش هذا لا شك أنه حادث؛ لأنه قبل العرش ليس مستوٍ عليه.
الذي نظيره أبعاض وأجزاء مثل: اليد، والوجه، والقدم، والعين، هذا نظيره بالنسبة لنا جزء من الذات أو بعض منها، ولا يصح أن نقول: إنه جزء من الله أو بعضٌ من الله؛ لأن الله عز وجل لا يتجزأ ولا يتبعَّض؛ إذ إن الجزء ما جاز وجود أصله بعدمه، هذا الجزء، بالنسبة لله عز وجل لا يمكن أن يكون هكذا؛ يعني لا يمكن أن تنفصل اليد -مثلًا- وحاشَ لله عز وجل، أو الوجه، أو ما أشبه ذلك، بالنسبة للمخلوق يمكن أن تنفصل ولَّا لا؟ يمكن، ولهذا يجب أن نقول: ما نظيره أجزاء وأبعاض لنا، ولا نقول: ما هو أجزاء وأبعاض لله؛ لأن هذا منكَر غاية الإنكار.
اليد نقول: إنها حقيقة يد حقيقية ثابتة لله على وجه لائق به ولكن لا تماثل أيدي المخلوقين، وهذا مذهب السلف وعليه جرى أئمة المسلمين.
لكن ابْتُلِي قوم بالتحريف؛ تحريف اليد وقالوا: إنها النعمة أو القوة، بناء على أن عقولهم تُحِيل أن يتصف الله عز وجل باليد الحقيقية، ولا شك أن هذا ضلال وجناية على النصوص؛ أما كونه ضلالًا فلأنهم حكموا على الخالق بعقولهم القاصرة، وهذا لا شك أنه ضلال، كيف تحكم على الخالق بعقلك؟!
الخالق عز وجل يقول عن نفسه: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة ٦٤]، ويقول: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص ٧٥]، ويقول: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس ٧١]، وأنت تقول: ليس له يد، سبحان الله! لولا التأويل لكان تكذيبًا، لولا تأويلهم لها وقالوا: نحن نثبت اليد لكن المراد كذا لكان هذا تكذيبًا للنصوص، ونحن نعلم أن المكذِّب للنصوص كافر.
جناية على النصوص من وجهين؛ لأنهم يقولون: إن الله لم يرد كذا وأراد كذا، فنفوا ما أراد الله وأثبتوا ما لم يرده، فكان جناية على النصوص من الوجهين؛ السلبي، ويش بعد السلبي؟ والإيجابي؛ السلبي حيث نفوا ما أثبت الله، والإيجابي أثبتوا ما لم يرده الله.
إذا قال الله عز وجل: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص ٧٥]، فقال: أراد باليدين النعمة أو القوة، نقول: سبحان الله! ما الذي أعلمك؟ الله يقول: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص ٧٥] وأنت تقول: ليس له يد بل هي نعمة، من الذي قال لك هذا؟ فنفيك قول على الله بلا علم، وإثباتك لما أثبت قول على الله بلا علم، فكانت جناية على النصوص من وجهين.
والحقيقة أن الإنسان يعجب غاية العجب أن يسلك هذا المسلك أئمة مشهودٌ لهم بالخير والصلاح ونفع الأمة ولكنه يعرف بذلك تمام حكمة الله عز وجل، وأن الإنسان مهما كان فهو ضعيف وقاصر، وإلا سبحان الله! الله سبحانه وتعالى يتحدث عن نفسه بحديث هو أصدق الحديث وأحسن الحديث وصادر من أعلم بما يقول، ثم نقول: والله ما أراد هكذا!
إذن يجب أن نؤمن بأن الله له يد حقيقية ولَّا مجازية؟ حقيقية لائقة به لا تماثل أيدي المخلوقين بأي حال من الأحوال، وهكذا يجب علينا أن نجري جميع آيات الصفات وأحاديثها.
بقي علينا أن نقول: ما تقولون في تفسير بعض العلماء قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات ٤٧] أي: بقوة؟
الجواب أن نقول: هذا صحيح، (أيد) هنا بمعنى قوة؛ لأن (أيد) مصدر (آدَ، يَئِيدُ، أَيْدًا)، ولا يجوز أن نقول هي كقوله: ﴿أَيْدِينَا﴾ [يس ٧١]، هذا حرام علينا أن نقول: إنه هكذا كقوله: ﴿أَيْدِينَا﴾؛ لأن الله لم ينسبها إلى نفسه ما قال: والسماء بنيناها بأيدينا، وإذا لم ينسب الله ذلك إلى نفسه حَرُم علينا أن ننسبه إلى الله، فكان يتعين أن نفسر قوله: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ أي: بقوة، و(أيد) هنا مصدر (آدَ يَئِيد) كـ(باع، يبيع، بيعًا) و(كال، يكيل، كيلًا)، هذا معناها، وإذا لم يُضِفِ الله الشيء إلى نفسه حرم أن نضيفه إليه؛ لأننا لو أضفناه إليه وهو لم يضف إليه لكنا نقول على الله بلا علم.
ألم تَرَ إلى قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم ٤٢]، اختلف السلف في قوله: ﴿عَنْ سَاقٍ﴾ هل المراد عن شدة أو المراد عن ساقه عز وجل؟ ونحن إذا أخذنا القاعدة التي قررناها الآن بأن ما لم يضفه الله إلى نفسه يحرم علينا أن نضيفه إليه قلنا: إن المراد بالساق هنا الشدة ولا بد، ولا يمكن أن نفسره بساق الله؛ لأن الله لم يضفه إلى نفسه، ما قال: يوم نكشف عن ساقنا بل قال: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾.
ولكن إذا تأملت سياق الآية الكريمة وما جاء في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وجدت أن ذلك يقتضي أن يكون المراد به ساق الله؛ فإن في حديث أبي سعيد الطويل المشهور: أن الله يكشف عن ساقه، فيسجد له كل من كان يسجد لله تعالى في الدنيا، ويعجز عن السجود من لم يسجد لله في الدنيا[[متفق عليه؛ البخاري (٤٩١٩)، ومسلم (١٨٣ / ٣٠٢).]]، فهنا ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ [القلم ٤٣، ٤٢] نجد أن سياق الآية يوافق لسياق الحديث، وحينئذٍ نقول: إن كلام الله يُفَسَّر بكلام الله ويُفَسَّر بكلام رسوله ﷺ، فإذا دل سياق حديث أبي سعيد على ما دل عليه سياق الآية فإن الآية تُفَسَّر به، وحينئذٍ يكون القول الراجح أن المراد بالساق الذي جاء على وجه النكرة المراد به ساق الله عز وجل ولكنه نُكِّر للتعظيم؛ لأن التنكير قد يراد به التعظيم.
فإذا قال قائل: الآية التي معنا في سورة (يس) ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ [يس ٧١]، فهل تصفون الله بأن له أيديًا كثيرة أم ماذا؟
نقول: الذي عليه أهل السنة أنه ليس لله إلا يدان اثنتان، وحينئذٍ نحتاج إلى الجمع بين هذا القول الذي دل عليه قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص ٧٥]، وقوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة ٦٤]، نحتاج إلى جمع بين هذا وبين هذه الآية ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ [يس ٧١]، وإلى الجمع بينه وبين الإفراد الذي جاء في قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الملك ١]، وما أشبه ذلك.
قال أهل العلم: الجمع بينهما متيسر ولله الحمد؛ لأنه ليس في خلق الرحمن من تفاوت، ولا في كلامه من تفاوت أيضًا؛ لا يتفاوت الكلام ولا يتناقض كما لا يتناقض الخلق أيضًا، الخلق منسجم بعضه مع بعضه، كذلك الشرع منسجم بعضه مع بعض. كيف ذلك؟ قالوا: إن المفرد المضاف يشمل؛ لأنه للعموم، ألم تر إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل ١٨]، كم من نِعَم؟ لا تحصى، مع أنه قال: ﴿نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ واحدة، لكن المفرد المضاف يكون للعموم؛ يشمل كل ما يثبت لهذا المفرد من معنى وإن كَثُرَ.
إذن ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك ١] لو فرض أن هناك أيديًا كثيرة يدخل في ذلك ولَّا لا؟ واليدان تدخل، إذن لا منافاة بين المفرد وبين العدد جمعًا كان أو مثنى، ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ اليد مفرد مضاف، (يد) مضاف، والضمير مضاف إليه، المفرد المضاف ماذا يفيد؟ يفيد العموم؛ أيُّ مفردٍ مضاف فهو مفيد للعموم.
هنا أقف لأتبين، لو قال رجل: امرأتي طالق، وله أربع نسوة، من يطلق؟ كل النسوة، إلا إذا نوى أنها واحدة، ولو قال: عبدي حرٌّ وله أكثر من عبد عَتَقَ الجميعُ ما لم يُرِدْ واحدًا، ولو قال: بيتي وقفٌ صارت بيوته كلها وقفًا ما لم يرد واحدًا، إذن المفرد المضاف يَعُم.
هل هناك مثالٌ من القرآن أو من السنة يؤيد ما قلت؟ نعم، مثل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل ١٨]، فإن ﴿نِعْمَةَ﴾ مفرد مضاف، فيشمل جميع النعم التي لا تحصى. إذن ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ نقول: هذا لا ينافي أن يكون المراد باليد هنا اليدين الثنتين.
بقينا الجمع بين اليدين الثنتين والجمع الذي هو ﴿أَيْدِينَا﴾، كيف نجمع بينهن؟ والجواب على هذا من وجهين:
الوجه الأول: أن كثيرًا من علماء اللغة يقولون: إن أقل الجمع اثنان، واستدلوا لذلك بقوله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم ٤]، فهنا جمعٌ مع أن المراد اثنان، وبقوله تعالى: ﴿إِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء ١١] مع أن الأم تحجب باثنين؛ تحجب من الثلث إلى السدس باثنين، وبقول النبي عليه الصلاة والسلام: «الِاثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ فِي الصَّلَاةِ»[[أخرجه ابن ماجه (٩٧٢) من حديث أبي موسى الأشعري.]].
ولكن أكثر علماء اللغة يقولون: إن أقل الجمع ثلاثة، وحينئذٍ يمكن الجمع بالوجه الثاني؛ وهو أن نقول: إن المراد بالجمع في قوله تعالى: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ المراد به التعظيم؛ لأن الجمع يدل على التعظيم، ولهذا يأتي ضمير الجمع (نا) في مقام التعظيم، كل ضمير أضافه الله إلى نفسه -وهو (نا)- فليس المراد به الجمع، المراد به التعظيم، فهنا الجمع للتعظيم، وللمناسبة أيضًا، المناسبة ما هي؟ لأنه أضيف إلى ما يفيد الجمع، فكان الأنسب أن يكون مجموعًا، فهذه المناسبة لفظية وإرادة التعظيم مناسبة معنوية، وبهذا يزول الإشكال.
فإذا قال قائل: لماذا لا تقولون: إن لله أيديًا كثيرة؟
فالجواب أن هذا يمنعه المعنى؛ لأن الله تعالى لما تمدح وأثنى على نفسه بالعطاء لم يذكر إلا يدين اثنتين ولو كان له أكثر، لو كان له أكثر لكان يذكر الأكثر؛ لأنه أبلغ في المدح، فلما قال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة ٦٤] عُلِمَ أنه ليس له إلا يدان اثنتان.
ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر ٦٧]، فأثبت القبضة بيد، ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ باليد الأخرى، والنصوص في هذا كثيرة، ولهذا نعتقد نحن أن الله سبحانه وتعالى ليس له إلا يدان اثنتان فقط.
ومثل ذلك نقول في صفة العين؛ العين وردت مجموعةً ووردت مفردةً ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه ٣٩]، ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر ١٤]، فنقول: (عين) مفردٌ مضافٌ فيعم، ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ إما أن نقول: للتعظيم، أو بأن أقل الجمع اثنان، وليس لله تعالى أكثر من عينين اثنتين، ودليل ذلك حديث الدجال حينما تحدث النبي ﷺ عنه وبين تمويهاته قال: «إِنَّهُ أَعْوَرُ، وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٤٣٩)، ومسلم (١٦٩ / ٢٧٣) من حديث عبد الله بن عمر.]]، فبيَّن العلامة الحسية الظاهرة وهي عور عين الدجال.
ومن العجب أن بعض الناس قال: المراد بالعور هنا العيب؛ يريد أن يثبت أن لله تعالى أعينًا كثيرة بناء على الجمع في قوله: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾، ولكن هذا عورٌ منه، عورٌ من هذا القائل؛ لأن الحديث صريح في أن المراد عور العين حيث قال: «أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُمْنَى» ولم يقل: (أعور) فقط، لو قال: (أعور) فقط ربما يحتمل ما قاله مع أنه ضعيف؛ لأن اللغة العربية تُعَبِّر بالعور عن العين، الرسول ﷺ قال: «أَرْبَعٌ لَا تَجُوزُ لِلْأَضَاحِي: الْمَرِيضَةُ، وَالْعَجْفَاءُ، وَالْعَوْرَاءُ، وَالْعَرْجَاءُ»[[أخرجه أبو داود (٢٨٠٢)، والترمذي (١٤٩٧)، والنسائي (٤٣٦٩)، وابن ماجه (٣١٤٤) من حديث البراء بن عازب.]]، فجعل العور غير العيب، كل الثلاثة الأخرى كلها عيوب لكن جعل العور في العين، فنحن نقول لهم: أصل العور في العين، ثم إذا جاء الحديث: «أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُمْنَى» » صار قاطعًا للاحتمال قطعًا نهائيًّا لا يمكن أن يراد به العيب.
فإذا قال قائل: ما وجهه؟
قلنا: وجهه لو كان لله أكثر من عين لكان الرسول ﷺ يذكره؛ لأنه أدل على تعظيم الله وأبين في التمييز؛ أدل على التعظيم إذا كان له أعين كثيرة، وأبين في التمييز أبين من أن يقال: إن الفرق هو أن هذا أعور والرب عز وجل ليس بأعور.
وبهذا يتبين أن دلالة حديث الدجال -وهو صحيح- دلالة واضحة ظاهرة، على أنه روي في حديث عن الرسول عليه الصلاة والسلام ذكره ابن القيم في مختصر الصواعق المرسلة: «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَإِنَّهُ بَيْنَ عَيْنَيِ الرَّحَمْنِ»[[أخرجه المروزي في تعظيم قدر الصلاة (١٢٨) من حديث أبي هريرة.]]، وهذا الحديث فيه ضعف، لكننا في الحقيقة لسنا بحاجة إليه؛ لأن الحديث ثابت في الصحيحين في قصة الدجال واضح والحمد لله، (...).
* من فوائد الآية الكريمة: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾.
* من فوائدها: إثبات اليد لله عز وجل في قوله: ﴿أَيْدِينَا﴾، وقد سبق الكلام عليها مستوفى في الدرس الماضي.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أننا نملك هذه الأنعام ملكًا شرعيًّا وملكًا حسيًّا قدريًّا؛ أما الشرعي فإننا نملك أعيانها ومنافعها بالبيع والشراء والتأجير وغير ذلك، وأما الكوني الحسي فلأننا نملك زمامها وربطها، وهي مسخرة لنا؛ نقيمها وننيخها، ونذهب بها ونرجع بها، وهذا من تمام نعمة الله سبحانه وتعالى علينا بهذا الملك.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه أتى بقوله: ﴿فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ الجملة الاسمية التي تفيد الثبوت والاستمرار؛ أي: ملك مستقر تام.
ثم قال عز وجل: ﴿