تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ۖ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ﴿٧﴾
الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [فاطر ٧] إلى آخره.
* طالب: (...) حتى المؤمنين اللي عندهم معاصي..
* الشيخ: لا، هنا يقول: الحزب، هنا الحزب -حزب الشيطان- قد يكون حزبًا له (...)، وهذا قد يكون ما نقول: لا يكون، لكن الشيطان يريد من هذا من كل من يدعوه أن يكون من أصحاب النار.
قال: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ في هذه الآية إثبات الثواب والعقاب؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [فاطر ٧].
* ومن فوائدها: بلاغة القرآن حيث يجمع بين الشيء وضده، وهو مصداق قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر ٢٣]، قال (...) في معنى قوله: ﴿مَثَانِيَ﴾ أنه تثنى فيه المعاني، وهنا لما ذكر عذاب الكافرين ذكر ثواب المؤمنين.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بلاغة القرآن أيضًا من وجه آخر حيث بدأ بذكر عذاب الكافرين، بعد أن ذكر ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عدوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر ٦] فبدأ بما فيه التحذير بعد ما فيه التبشير، من آيات المناسبة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكافر عذابه شديد؛ يعني ليس بالعذاب السهل (...) شدة عذاب الكافرين (...) من أين هذا (...)؟
* طالب: (...).
* الشيخ: أسألك من أين؟
* الطالب: من ناحية اتباعهم للشيطان.
* الشيخ: ما نوع السبب؟ ما وجه شدته؟
* الطالب: وجه شدته؟
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: أنهم في النار، عذاب شديد.
* الشيخ: (...) شدته، هل هو بكيفيته أو بكميته؟
* الطالب: بالكمية والكيفية.
* الشيخ: بالكمية والكيفية؛ لأنه دائم ولأنه عذاب لا نظير له؛ إي نعم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأجر لا يثبت إلا (...) في وصفين؛ أحدهما: الإيمان، والثاني: العمل الصالح.
* ومن فوائد الآية: تقسيم الأعمال إلى صالح وفاسد، يؤخذ من قوله: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، وما هو الضابط؟ قلنا فيما سبق: إن الضابط أن ما كان خالصًا صوابًا فهو صالح، وما كان فيه شرك أو بدعة فليس بصالح.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات (...) أجرهم مرتين من زوال المكروه الثابت في قوله: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾، وحصول المطلوب الثابت في قوله: ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: بلاغة القرآن؛ لأنه لما ذكر عملًا واحدًا في الكفار ذكر جزاءً واحدًا، ولما ذكر وصفين في المؤمنين ذكر وصفين في ثوابهم، وهذا ظاهر أيضًا في مثل سورة الإنسان ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ [الإنسان ١]، إذا تأملتها وجدت الله عز وجل لم يذكر في الكافرين وعذابهم إلا قليلًا بالنسبة للأبرار، السبب ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا﴾ [الإنسان ٤] قال: للكافرين فقط، ولم يقل شيئًا من أعمالهم، بل كان الجزاء مختصرًا: ﴿سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا﴾.
وذكر الأبرار وأطال في ذكر ما لهم من النعيم؛ لأنه ذكر عدة أعمال من أعمالهم ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (٥) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان ٥، ٦] شوف، الأبرار عباد الله ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ [الإنسان ٧ - ٩] الإخلاص التام ﴿لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩) إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ [الإنسان ٩، ١٠] نعم، في تردد هذه الأوصاف من أوصافهم، فأطال في ذكر جزائهم لما أطال في ذكر أعمالهم أطال في ذكر جزائهم بخلاف الكافرين، وهذا بلا شك من بلاغة القرآن.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأجور تختلف؛ لقوله: ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ باختلاف أي شيء؟ تختلف باختلاف العمل، وتختلف باختلاف العامل، وإذا كانت متعدية فإنها تختلف باختلاف من انتفع بها، فمثل أن تختلف باختلاف العمل: «أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢٧)، ومسلم (٨٥ / ١٣٩) من حديث عبد الله بن مسعود.]].
الواجب أفضل من المستحب، باختلاف العامل: مر علينا: «أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى»[[أخرجه البخاري (١٤٢٦) من حديث أبي هريرة.]]، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٦٧٣)، ومسلم (٢٥٤١ / ٢٢٢) من حديث أبي سعيد.]] هذا باختلاف أيش؟
* طالب: العامل.
* الشيخ: باختلاف العامل، تختلف أيضًا باختلاف المحل إذا كانت متعدية فالصدقة على القريب صدقة وصلة، والصدقة على من هو أشد حاجة أفضل من الصدقة عمن دونه وهكذا، فاختلاف الأعمال يستلزم اختلاف الأجور أيضًا، تختلف أيضًا (...) باختلاف الإخلاص.
* طالب: (...).
* الشيخ: باختلاف الإخلاص؛ يعني أنه كلما كان الإنسان في عمله أخلص كان عمله أفضل، ولّا لا؟ ويمكن أن نقول أيضًا: تختلف باختلاف الاتباع، وكلما كان اتباعه أكثر لله (...) كانت أكمل، وعلى كل حال فالاختلافات هذه في وجودها يختلف بها الأجور.
قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر ٨].
* طالب: (...).
* الشيخ: (...) ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ فتجد أن هذه الآية ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ أن هذه المشيئة تابعة لحكمة، فمن اقتضت حكمة الله أن يضله أضله، وهو الذي لا يريد الخير؛ لقوله: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف ٥]، وقوله: ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [فاطر ٨] المراد به هداية التوفيق، وربما نقول: هداية التوفيق والدلالة، ولكن الأهم هداية التوفيق، ولعل هذا هو المراد هنا؛ لأن الذين أضلهم الله قد هداهم الله هداية الدلالة، ثم قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ [يونس ٢٥] وهذا عام، ولكن الهداية قال: ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس ٢٥] فما كل مدعوٍّ يهتدي.
وقوله: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر ٨] هذا نَهْيٌ عما كان ولّا عما لم يكن؟ الظاهر أنه نهي عما كان، وأن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يتحسر على هؤلاء المكذبين الذين كانوا يكذبونه، والنهي عن الشيء قد يكون نهيًا عما كان وقد يكون نهيًا عما لم يكن، فقوله للنبي عليه الصلاة والسلام: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء ٢١٣، ٢١٤] هذا نهي عما؟
* طالب: لم يكن.
* الشيخ: عما لم يكن؟ ولّا عما كان؟
* طلبة: (...).
* الشيخ: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾.
* الطلبة: عما لم يكن.
* الشيخ: عما لم يكن صح؛ لأن الرسول ما فعل، كذا؟ ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء ٢٩]؟
* طالب: عما لم يكن.
* الشيخ: ولّا عما كان؟
* طالب: عما كان.
* طالب آخر: عما لم يكن.
* الشيخ: هل (...) في نفسه (...)؟
* طالب: (...).
* الشيخ: يعني (...).
* طالب: بالنسبة (...).
* الشيخ: (...) لا تقتلوا أنفسكم، هل المعنى: لا يقتل بعضكم بعضًا فهذا صحيح، نَهْيٌ عمَّا لم يكن وعما كان، لكن إذا كان نهيًا أن يقتل الإنسان نفسه فهذا طبعًا لم يكن؛ إذ لا يمكن أن يقتل نفسه إلا وهو موجود.
* طالب: إذا انتحر ما يقتل نفسه يا شيخ؟
* الشيخ: إي، لكن ما تقول: ولا تقتل نفسك.
* الطالب: في حياته؟
* الشيخ: إي، قبل أن يموت، أما بعد أن (...) فلا يمكن، إذن فلا (...) نقول هذه نهي عما لم؟
* طالب: (...).
* الشيخ: سبحان الله، (...) ما كان.
* طالب: (...).
* الشيخ: الرسول عليه الصلاة والسلام كان يتحسر على فوات (...) والأدلة (...) ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ [هود ١٢]، ويقول عز وجل: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ أي: مهلك نفسك ﴿أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ٣].
فالرسول عليه الصلاة والسلام تحسر لهؤلاء لعدم إيمانهم؛ يقول هنا: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ يعني لا تذهب نفسك من أجلهم، نعم، كما يقال: بكيت عليك الدهر. أي: من أجلك، فالمعنى: لا تذهب نفسك من أجلهم حسرات.
قوله: ﴿حَسَرَاتٍ﴾ قيل: إنها حال على أنها مصدر أُريد به اسم الفاعل؛ أي: حاسرةً، والحسرة هي الهم الشديد والغم على ما فات، فكل من فاته شيء يحبه ويطلبه فاهتم لذلك واغتم يُقال: تحسر، وقيل: إن ﴿حَسَرَاتٍ﴾ مصدر (...)، وأنه مفعول من أجله، المعنى: فلا تذهب نفسك؛ أي: تهلك من أجل الحسرات عليهم.
قال المؤلف: (﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ﴾ على المزين لهم ﴿حَسَرَاتٍ﴾ باغتمامك ألا يؤمنوا ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [فاطر ٨] فيجازيهم عليه).
في هذه الجملة تهديد وتسلية؛ تهديد لهؤلاء المخالفين، وتسلية للرسول عليه الصلاة والسلام؛ يعني لا (...) فإن حسابهم على الله وسوف يجازيهم.
قوله تعالى: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ أو من أولها أظن، من أول الآية.
قال الله تعالى: ﴿