×

فاطر

الآية ٨

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

أَفَمَن زُيِّنَ لَهُۥ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ فَرَءَاهُ حَسَنًا ۖ فَإِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ ۖ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَٰتٍ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴿٨﴾

أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ إلى آخره. * من فوائد الآية الكريمة: أن من الناس من يعمى قلبه حتى يرى السيئة حسنة، وفي مقابل ذلك يرى الحسن سيئًا؛ لقوله: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾. * ومن فوائدها: إبهام الفاعل ليشمل كل ما يمكن أن يقع منه هذا الفعل؛ لقوله: ﴿زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾، وقد مر علينا أن المزين هو الله عز وجل في الأصل، والشياطين في المباشرة. * ومن فوائدها: انقسام الأعمال إلى سيء وصالح؛ لقوله: ﴿سُوءُ عَمَلِهِ﴾. * ومن فوائدها: الرد على الجبرية؛ لقوله: ﴿سُوءُ عَمَلِهِ﴾ فأضاف العمل إليه، وهم يقولون: إن الأعمال لا تضاف للإنسان؛ لأنه مجبر عليها. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن من هذه حاله لا يستوي مع من ليس كذلك بحيث يرى السيئ سيئًا، والحسن حسنًا، ونأخذها من أن المحذوف يكون مقابلًا للمذكور؛ لأن الهمزة هنا للتسوية؛ يعني: أيستوي هذا وهذا؟ والجواب: لا يستويان. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الهداية والإضلال بيد الله؛ لقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾. * ومن فوائدها -وهي تتفرع على هذه الفائدة-: أننا إذا علمنا ذلك فإننا نسأل الهداية من الله، ونستعيذ من الضلال بالله، نستعيذ من الضلال بالله عز وجل؛ لقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾. * ومن فوائدها: إثبات مشيئة الله عز وجل؛ لقوله: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾، ولكنه مر علينا أن كل فعل علقه الله بمشيئته فإنه مقرون بالحكمة، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠]. * ومن فوائدها: الرد على القدرية؛ لقوله: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ فإن القدرية يقولون: إن أفعال العبد من ضلالة أو هداية لا تتعلق بها مشيئة الله؛ لأن مذهبهم -القدرية- مذهبهم: أن الإنسان مستقل بعمله، ليس لله تعالى فيه تعلق إطلاقًا، حتى إن غلاتهم يزعمون أن الله لا يعلم عمل العبد حتى يقع، ويقولون: إن الأمر أُنُف، أي: مُسْتَأْنف؛ أي: إن علم الله عز وجل يحدث بعد أن لم يكن. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن رسول الله ﷺ -وعز من أرسله- كان يحزن حزنًا عظيمًا تكاد تذهب نفسه من شدته؛ لقوله: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ وجه ذلك أن الأصل في النهي أن يكون عما وقع، وقد يكون عما لم يقع، وهو كثير أيضًا، ويدل على أن هذا أمر واقع قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ٣]. * ومن فوائدها: شفقة النبي ﷺ على أمته. * ومن فوائدها أيضًا: أن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يحزن لعدم إيمانهم أو طاعتهم لمصلحته هو، ولكن لمصلحتهم؛ لقوله: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾. * ومنها: أن النبي ﷺ بشر، يتأثر بما يتأثر به البشر من أسباب الفرح وأسباب الحزن، وهذا أمر واقع، «وقد دخل النبي عليه الصلاة والسلام على عائشة ذات يوم مستبشرًا تبرق أسارير وجهه، فسألته عن ذلك فقال: «أَلَمْ تَرَيْ إِلَى مُجَزِّزٍ الْمُدْلِجِيِّ دَخَلَ عَلَى أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ وَزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَهُمَا مُتَغَطِّيَانِ بِرِدَاءٍ قَدْ ظَهَرَتْ أَقْدَامُهُمَا فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الْأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٧٣١)، ومسلم (١٤٥٩ / ٣٩) من حديث عائشة.]]، ففرح عليه الصلاة والسلام حتى ظهر ذلك على وجهه، فالأعراض البشرية تطرأ على النبي ﷺ كغيره من البشر من الفرح والحزن والغم والاستبشار والنسيان وعدم العلم وغير ذلك؛ لأنه لا يتميز عن البشر إلا بشيء واحد وهو الوحي، قال الله عز وجل: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الكهف ١١٠] شوف ﴿بَشَرٌ﴾ تغني عن ﴿مِثْلُكُمْ﴾ لكن هذا من باب التأكيد؛ لئلا يذهب ذاهب إلى أنه بشر قد خُصص بشيء فقال: ﴿بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾، ثم ذكر الميزة فقال: ﴿يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [الكهف ١١٠]، وفي هذا رد واضح على أولئك القوم الذين يدعون أن للنبي ﷺ تأثيرًا في الخلق كتأثير ربوبية الله عز وجل؛ لأنه لو كان كذلك ما ذهبت نفسه عليهم حسرات لهداهم، وسَلِم من هذه الحسرات التي تكون على نفسه. * ومن فوائدها: إثبات علم الله عز وجل بكل ما نعمل؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [فاطر ٨]. * ومن فوائدها: عناية الله برسوله ﷺ في مثل هذه الجملة التي تفيد تسليته وتهوين الأمر عليه، وأنه ما من حساب هؤلاء عليه من شيء، كما أنه ليس من حسابه هو عليهم من شيء.