×

فاطر

الآية ٢٣

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

إِنْ أَنتَ إِلَّا نَذِيرٌ ﴿٢٣﴾

إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٣] يعني ما أنت هاديًا للناس؛ أي: هداية توفيق ورشاد، ولكنك منذر فأنت هادٍ هداية دلالة فقط. يقول: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٣]. ثم قال: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤]. ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ في هذا دليل على أن رسالة النبي ﷺ حق، وأنه ليس بكاذب؛ لأنه قال: ﴿أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن الرسول عليه الصلاة والسلام أهْل للرسالة إذا جعلنا ﴿بِالْحَقِّ﴾ حالًا من ﴿نَا﴾ الفاعل أي: إنا أرسلناك محقين بذلك فيكون فيه دليل على أن الرسول ﷺ أهل للرسالة، وهذا معلوم من أدلة أخرى كقوله: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤] لكن نريد أن نأخذها من هذه الآية. * ومنها أيضا: أن ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام فهو حق ليس بباطل، فإذا نظرت إلى أخباره وجدتها صدقًا، وإذا نظرت إلى أحكامه وجدتها عدلًا، وهذا هو الحق؛ لأن الحق بالنسبة للخبر هو الصدق، والحق بالنسبة للحكم هو العدل. * ومن فوائدها: أن رسالة النبي عليه الصلاة والسلام جمعت بين البشارة والإنذار؛ لقوله: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [فاطر ٢٤]. * ومن فوائدها أيضًا: أن الإنسان يجتمع فيه خصلتان متضادتان في المعنى وإن كانتا متفقتين في المراد، بشير ونذير؛ لأن المبشر هو الذي يعد الناس بالخير ويفتح لهم باب الرجاء، والمنذر هو الذي يخوفهم من (...) فبينهما من حيث المعنى تفاضل، وهما يجتمعا في عين واحدة، هل ننتقل من هذه الفائدة إلى أن الإنسان قد يجتمع فيه خصال إيمان وخصال كفر؟ * طالب: ينذر ويبشر. * الشيخ: لا، ما هم متلازمان، ما هو متلازم إذا رأيت جيشًا مقبلًا على البلد فأنا أنذرهم ولا أبشرهم، لكن إذا رأيت أن الجيش قد انصرف فأنا أبشرهم. وعلى كل حال المعلوم من مذهب أهل السنة والجماعة -وهو الحق- أن الإنسان قد يجتمع فيه خصال إيمان وخصال كفر فيكون مؤمنًا من وجه وكافرًا من وجه كقوله عليه الصلاة والسلام: «اثْنَتَاَن ِفي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ؛ الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، والنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ»[[أخرجه مسلم (٦٧ / ١٢١) من حديث أبي هريرة.]]. وقال النبي عليه الصلاة والسلام أيضًا: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨)، ومسلم (٦٤ / ١١٦) من حديث عبد الله بن مسعود.]]. مع أن قتاله لا يخرج من الإيمان؛ لقوله: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات ٩] إلى قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات ١٠]. * فيها أيضًا من الفوائد: أن الأمر كله لله، ليس لأحد مشاركة فيه حتى أعظم الناس منزلةً لا يُشارك الله تعالى فيما يختص به؛ لقوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾ [فاطر ٢٤] ومعلوم أن مقام الْمُرسِل أعلى من مقام الْمُرسَل. والله أعلم (...). وتعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [فاطر ٢٤]. الخطاب في قوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾ للنبي ﷺ. والإرسال هو تحميل المرسَل شيئًا يُبَلِّغه إلى الْمُرْسَل إليهم. والجملة كما نشاهد مُؤكَّدة بـ(إن)، وتوكيد الجملة يدل على الاهتمام بها من أجل أن يؤمن بها الإنسان إيمانًا كاملًا. يقول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ [فاطر ٢٤] الباء هنا إما أن تكون للتعدية، تقول: أرسلته بكذا لبيان المرسَل به، وإما أن تكون للمصاحبة. والمؤلف رحمه الله يقول: (﴿بِالْحَقِّ﴾ بالْهُدى)، وكأنه أخذ هذا التفسير من قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ [التوبة ٣٣]، ولكن الصحيح في الآية أن المراد ﴿بِالْحَقِّ﴾ ضد الباطل، فيشمل الصِّدْق في الخبر والعَدْل في الأحكام؛ أي: بالصدق في الأخبار والعدل في الأحكام، وليس الْهُدى فقط بل الْهُدى والصلاح والإصلاح وغير ذلك. أما في قوله تعالى: ﴿بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ [التوبة ٣٣] فنعم ممكن أن نقول: المراد بالهدى هناك أن نقول: المراد به العلم النافع؛ لأنه ذكر الهدى وذكر الدين، فذكر العِلْم والعَمَل. أما هنا فلا ينبغي أن نقتصر على قولنا: الحق أي الْهُدى، بل نجعله أعم من ذلك ليشمل الهدى الذي هو العلم، ويشمل دين الحق الذي هو الرشد والصلاح والإصلاح، فالرسول عليه الصلاة والسلام قد تضمنت رسالته العلوم النافعة كلها والصلاح للخلق في معاشهم ومعادهم، وما جاء به فقد تضمن الصِّدْق في الأخبار والعَدْل في الأحكام.قال تعالى: ﴿