×

فاطر

الآية ٢٢

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

وَمَا يَسْتَوِى ٱلْأَحْيَآءُ وَلَا ٱلْأَمْوَٰتُ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَآءُ ۖ وَمَآ أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِى ٱلْقُبُورِ ﴿٢٢﴾

وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ [فاطر ٢٢] فيها أيضًا ما سبق في نظائرها. وفيها فضيلة العلم وهو كذلك، وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر ٩]. والعلم جهاد في سبيل الله، وإن شئت فقل على الأصح: العلم سلاح للجهاد في سبيل الله؛ لأنه قد يحمل العلم من لا ينتفع به ولا ينفع غيره، فهو سلاح لكن إذا نفعت نفسك وغيرك صرت مجاهدًا به، قال الله تعالى: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان ٥٢]، فالعلم سلاح يتوصل به الإنسان إلى الجهاد في سبيل الله. * ومن فوائدها أيضًا؛ من فوائد قوله: ﴿الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ [فاطر ٢٢]: أن فيها الحث على طلب العلم، وأنه حياة الأمة كما أنه حياة الفرد، فلا يمكن أن تحيا الأمة حياة، لا أقول: حياة بهيمية، يمكن أن تحيا حياة بهيمية بدون علم لكن لا يمكن أن تحيا حياة طيبة إلا بالعلم، وكل الناس ينشدون الحياة الطيبة لكن ما طَيِّبها؟ العلم إذا أثمر ثمرته؛ وهو الإيمان والعمل الصالح، قال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل ٩٧]. يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر ٢٢]. * من فوائدها: أن الله عز وجل هو الذي بيده مقاليد الأمور حتى أنت يا محمد لا تستطيع أن تُسمِع أحدًا بل الْمُسمِع هو الله. وفيه: إثبات المشيئة لله؛ لقوله: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾. * وفيه: رد على القدَرِية الذين ينكرون أن يكون لأفعال العباد مشيئة لله عز وجل؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [فاطر ٢٢] ولكن هذه المشيئة الْمُطلقة هنا -وفي كل موضع جاءت مطلقة- مُقيَّدة بماذا؟ بالحكمة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠]. * ومن فوائدها: أنه ينبغي للإنسان، بل يجب على الإنسان أن يلجأ إلى الله عز وجل وحده في جلب المنافع ودفع المضار؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [فاطر ٢٢]، فإذا كان الإسماع من الله فلا تسأله من غيره، لا تسأله إلا من الله؛ ولهذا ينبغي لنا دائمًا أن نكون داعين لله عز وجل ونحن نشعر بأننا مفتقرون إلى الله، وأن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يُحقِّق لنا ما نرجوه وما ندعوه به، لا تعتمد على نفسك وتنسى الله، افزع إلى الله دائمًا في الدعاء، في السجود، وبين الأذان والإقامة، وفي كل مواطن الإجابة الزمنية والمكانية والحالية؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة ١٨٦]. ثم اعلم أيضًا أن الدعاء مع كونك تطلب الحاجة من الله هو نفسه أيضًا عبادة تتقرب به أيضًا، فتكسب بهذا الدعاء تكسب فيه ثمرتين: الثمرة الأولى: الثواب على هذه العبادة. والثمرة الثانية: حصول المطلوب أو دفع المكروه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن رسول الله ﷺ لا يستطيع أن يُسمِع مَنْ في القبور؛ لقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر ٢٢]، فلو أن الرسول ﷺ ذهب إلى أهل المقبرة ودعاهم وقال: يا أهل القبور، آمنوا بالله ورسوله، يا أهل القبور، اعملوا صالحًا. يسمعون؟ لا يسمعون. فإن قلت: ما الجواب عما ثبت في الصحيح من أن الرسول عليه الصلاة والسلام وقف على قتلى المشركين في قليب بدر، وجعل يدعوهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: «يَا فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ، هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ فَإِنِّي قَدْ وَجَدْتُ مَا وَعَدَ رَبِّي حَقًّا». فقال له عمر: يا رسول الله، ما تكلم من أناس جيفوا، أو كلام من هذا المعنى، فقال: «مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٩٧٦)، ومسلم (٢٨٧٥ / ٧٨) من حديث أبي طلحة الأنصاري.]]. يعني أنهم يسمعون، فما هو الجواب؟ * طالب: لقول قتادة رحمه الله: «إن الله أحياهم فأسمعهم كلام النبي ﷺ تنكيلًا وتخزية لهم ثم أماتهم»[[ أخرجه البخاري (٣٩٧٦).]]، وتقول عائشة: «إن أهل القليب لا يسمعون الرسول ﷺ ولكن يخاطبهم الرسول لما يجدون من العذاب في القبر»[[أخرجه أحمد في المسند (٢٦٣٦١).]]. * الشيخ: أما ما ذكرت عن عائشة فلا شك أن كلام الرسول عليه الصلاة والسلام ينتقده؛ لأنه قال: «مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ»، وأما ما ذُكر عن قتادة فمعنى كلامه أنه خاص بهؤلاء. فإن قلت: ما الجواب عما ثبت في الحديث الصحيح أيضًا من «أن الميت إذا دُفِن وتولَّى عنه أصحابه حتى إنه ليسمع قرع نعالهم وهم ينصرفون عنه»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٣٨)، ومسلم (٢٨٧٠ / ٧٠) من حديث أنس بن مالك.]]؟ * طالب: (...). * الشيخ: هذا عند الدفن وأيضًا لا يلزم من سماع قرْع النعال أن يسمع الكلام والدعوة. فلو قلت: ما الجواب عما رواه أبو داود وغيره، وصححه ابن عبد البر ووافقه أو لم يخالفه ابن القيم من أنه «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُسَلِّمُ عَلَى قَبْرٍ كَانَ يَعْرِفُهُ فِي الدُّنْيَا إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ رُوحَهُ فَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ»[[ أخرجه البيهقي في الشعب (٨٨٥٧) من حديث أبي هريرة، وابن عبد البر في الاستذكار (١ / ١٨٥) من حديث ابن عباس، ولم نقف عليه عند أبي داود.]]؟ فالجواب أن يقال: هذا في حال مخصوصة دل عليها الحديث، ولا يلزم من هذا إذا سمع السلام عليه وهو دعاء له أن يرد السلام على من سَلَّم أن يسمع كل من تكلم عنده. فإن قلت: ما الجواب عما قاله الفقهاء من أن الميت يتأذى بقول المنكر عند قبره أو فِعْل المنكر عند قبره؟ فالجواب: أن قول الواحد من الناس غير الرسول عليه الصلاة والسلام ليس بحجة وإنما يحتج له لا به. ثم على رأيهم رحمهم الله، يحملون معنى قوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر ٢٢] أي: بِمُسْمع من تدعوهم إلى الإيمان والعمل الصالح فإنك لا تسمعهم سماعًا يستجيبون له، لكنه سماع يحتاج إلى (...). وهذا هو الجواب الأخير عن قول من يقول: إن الموتى يسمعون ما يقال عندهم، وما يخاطبون به. نقول: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر ٢٢] أي: سماعًا ينتفعون به ويستجيبون له، والله أعلم. والواجب على المؤمن نحو هذه الأمور الغيبية أن يؤمن بما جاء به النص فقط والباقي يسأل، بل يجب عليه أن يقول: العِلْم عند الله، فلا يجزم بالنفي، ولا يجزم بالإثبات، نعم، له أن يجزم بالنفي ويجعل ما ثبت فيه الحديث من السماء مخصصًا؛ لأنه قال: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر ٢٢]، وفي الآية الأخرى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [النمل ٨٠]. ثم قال تعالى: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٣] * من فوائد هذه الآية الكريمة: أن محمدًا رسول الله ﷺ ليس إلا مُبلِّغًا ومنذرًا فليس في يده جلب الهداية لأحد ولا دفْع الضرر عنه؛ لأنه قال: ﴿