×

فاطر

الآية ٢٤

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

إِنَّآ أَرْسَلْنَـٰكَ بِٱلْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ۚ وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ ﴿٢٤﴾

إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [فاطر ٢٤]. ﴿بَشِيرًا﴾ هذه حال بمعنى مُبَشِّر، حال من الكاف في ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾. قال المؤلف: (﴿بَشِيرًا﴾ من أجاب إليه ﴿وَنَذِيرًا﴾ من لم يجب إليه). والبشارة هي الإخبار بما يَسُر، وقد تستعمل في الإخبار بما يسوء كما في قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران ٢١]. وأما الإنذار فهو التخويف؛ أي: الإعلام بما يُخوِّف، والنبي عليه الصلاة والسلام كانت رسالته بشارة وإنذار؛ لأنها إما أمر يُبشَّر فاعله بما يقتضيه ذلك الأمر، وإما نهي يُخَوَّف صاحبه من ارتكابه، فالشريعة كلها بشارة ونذارة. وقول المؤلف رحمه الله: (﴿بَشِيرًا﴾ من أجاب إليه ﴿وَنَذِيرًا﴾ من لم يُجِبْ) قد يقال: إن الأولى إبقاء الآية على عمومها؛ أي: بشيرًا لمن أجاب إليه، ونذيرًا له في نفس الوقت؛ لأن من أجاب أيضًا يحتاج إلى إنذار، فيكون البشارة والإنذار شاملة لمن أجاب ومن لم يُجِب حتى من لم يُجِب يُبَشَّر إن أجاب ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾. ثم قال: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤] ﴿إِنْ﴾ بمعنى (ما) فهي نافية، وقد ذكرنا لها ضابطًا فيما سبق، أي ذكرنا لـ(إن) النافية ضابطًا لكنه لا يحيط بجميع مواردها وهو أنه إذا أتت بعدها (إلا) فهي نافية، مثل: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٣]، ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة ١١٠]، ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ [ص ٧] ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء ١٣٧]، ومنها أيضًا هذه الآية: ﴿إِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤]. وقوله: ﴿مِنْ﴾ زائدة زائدة، زائدة إعرابًا، زائدة معنى. فإن قلت: كيف تكون زائدة زائدة؟ قلنا: لأن (زاد) يستعمل لازمًا ومتعديًا فيُقال: زاد الطين بلة هذا متعدٍّ. ﴿فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [التوبة ١٢٤] هذا متعدٍّ أيضًا. وتقول: زاد المال. هذه لازمة. فمعنى زائدة زائدة؛ يعني زائدة هذا من الناقص الذي هو الزيادة أي..، من الناقص الذي لا يتعدى، وزائدة الثانية من المتعدي. و﴿أُمَّةٍ﴾ مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد. ﴿إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤]، قال المؤلف رحمه الله: (﴿خَلَا﴾ بمعنى سلف، ﴿فِيهَا نَذِيرٌ﴾ أي: نبي ينذرها). والأمة هنا بمعنى الطائفة، وتأتي في القرآن على أربعة أوجه: تكون بمعنى الطائفة كما هنا، وتكون بمعنى الزمن، مثالها: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف ٤٥]، وتكون بمعنى الدِّين والْمِلَّة ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [المؤمنون ٥٢]، وتكون بمعنى الإمام في ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا﴾ [النحل ١٢٠]. ما من أمة ﴿إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤] أي سلف ومضى نذير ينذرها، وذلك لتقوم الحجة على العباد؛ لأن العقول مهما بلغت لا يمكن أن تعرف ما يجب لله عز وجل من الحقوق كما لا يمكن أن تعرف ما يجب له من الأسماء والصفات على سبيل التفصيل، وإن كان العقل يدرك أن الإنسان لا بد أن يعبد خالقه، ويدرك أن الخالق لا بد أن يكون متصفًا بصفات الكمال، لكن على سبيل الإجمال لا على سبيل التفصيل، فمن أجل ذلك أرسل الله الرسل لتقوم الحجة على العباد، فما من أمة إلا خلا فيها نذير. قد تكون الأنبياء في وقتٍ واحد في أمكنة متعددة، وقد يكون الأنبياء في وقت واحد في مكان واحد، أما أن يُوجَد مكان واحد لم يكن فيه نبي فهذا لا يمكن، لا بد أن تكون جميع الأمم قد بعث إليها الرسل، ونظير هذا قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل ٣٦] بعثنا في كل أمة. * يستفاد من هذه الآية الكريمة عدة فوائد: * منها: ثبوت رسالة النبي ﷺ على وجه مؤكد لا مِرية فيه من قوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾ [فاطر ٢٤]. * ومنها: فضيلة النبي ﷺ لكونه رسول رب العالمين فإن الرسالة مقام عظيم لا ينالها إلا من هو أهل لها، كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤]، ويقول الله عز وجل: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة ٢٥٣]، وهم -أي الرسل- مفضلون على من سواهم من الخلق، ففي الآية فضيلة ومنقبة لرسول الله ﷺ. * ومنها: بيان ما يشتمل عليه دين الرسول عليه الصلاة والسلام من الحق الذي ضده الباطل، والباطل إن كان في الأخبار فهو الكذب، وإن كان في الأحكام فهو الجور والظلم، وعليه فرسالة النبي ﷺ متضمنة للحق في الأخبار وبالأحكام. ففيه بيان أيضًا فضيلة هذه الشريعة الإسلامية التي جاء بها النبي ﷺ. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن كل ما كان حقًّا فإن الشريعة جاءت به، سواء نصَّت عليه بمعناه الخاص أو بالمعنى العام، ومن ثم أثبت بعض الفقهاء، أو بعض الأصوليين ما يُسمَّى بالمصالح المرسَلة، وجعلوها دليلًا مستقلًّا، والصواب أنها ليست دليلًا مستقلًّا؛ لأن هذه المصالح إن شهد الشرع لها فهي من الشرع، ولا حاجة إلى أن نجعلها دليلًا مستقلًّا، وإن لم يشهد لها فليست بمصلحة، وصاحبها الذي زعمها مصلحة يعتبر واهمًا. فكوننا نثبت دليلًا خامسًا نسميه المصالح المرسلة؛ هذا خطأ، لماذا؟ لما قلت لكم الآن؛ وهو أن هذه المصلحة إن شهد لها الشرع فهي من الشرع دَلَّ عليها الكتاب والسنة، وإن لم يشهد لها فليست بمصلحة، فلا تُعتبر. ولذلك أيضًا زعم بعضهم إحداث دليل سادس وهو استصحاب الحال بمعنى أن الأمر يبقى على ما كان عليه حتى يتبين ارتفاعه وانتفاؤه، هذا أيضًا ليس بصواب؛ يعني لا يصح أن نجعله دليلًا مستقلًّا، لماذا؟ لأنه قد دلَّت عليه السُّنَّة فقد شُكِي إلى الرسول عليه الصلاة والسلام الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال: «لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٧)، ومسلم (٣٦١ / ٩٨) من حديث عبد الله بن زيد.]]. إذن نبني على بقاء الأصل، واستصحاب الحال، وحينئذٍ لا يحتاج أن نجعل هذا دليلًا مستقلًّا، وإنما جعل بعض العلماء هذين الدليلين مستقلين؛ لأن الإنسان ينقدح في ذهنه أن هذا شيء منفصل عن دلالة الكتاب والسنة فيذهب ويجعله دليلًا مُستقلًّا، وإلا فلو تأمل لوجد أن ذلك موجود في الكتاب والسُّنَّة، وأنه لا حاجة إلى أن نثبته دليلًا مستقلًّا. ولقد تجرأ بعض المتأخرين على الدليل الأول وهو المصالح المرسَلة حتى أدخل فيه ما شهد الشرع ببطلانه. ومن ذلك: قولهم بإجازة الربا البنكي، وأنه يجوز بِناءً على ما توهموه من المصالح المرسَلة. وقالوا: إن اقتصاديات العالم في العصر الحاضر لا تتم إلا باستعمال هذه الطريقة، فالألفاظ والأساليب إذا جاءت على غير ما جاء في الكتاب والسُّنة يحصل بها مفسدة فهنا أدخلوا شيئًا شهد الشرع ببطلانه، وإذا شهد الشرع ببطلانه فإننا نشهد أنه ليس فيه مصلحة، وأن المصلحة الموهومة منه يخلفها مفاسد كثيرة. فلهذا نحن نرى ألا.. فلنجعل دليلًا مستقلًّا وإلا فليس من الشرع، وليس فيه مصلحة، والمصالح الموهومة فيه إذا كانت مخالفة للشرع لا بد أن يخلفها مفاسد كثيرة. * من فوائد الآية الكريمة: أن رسالة النبي عليه الصلاة والسلام تتضمن من حيث الجزاء أمرين: هما البشارة والإنذار، البشارة لمن أطاع، والإنذار لمن خالف سواء كانت تلك الطاعة عامة أو في بعض الأشياء، وكذلك نقول في المخالفة. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن مآل الناس إما إلى جنة، وإما إلى نار وليس ثمة دار ثالثة؛ لأن البشارة بالجنة، والإنذار بالنار، وليس هناك دار ثالثة يصل الناس إليها. * ومن فوائد الآية الكريمة: الترغيب في طاعة الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لقوله: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [فاطر ٢٤]، والتخويف من مخالفته؛ لقوله: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: لطف الله تعالى بعباده بإرسال الرسل إلى جميع الخلق ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤]، وقد بَيَّن الله سبحانه وتعالى ذلك في قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء ١٠٧]؛ يعني إلا لنرحم بك العالمين، وليس الرسول نفسه هو الرحمة، ولكنه أرسل لرحمة الخلق؛ ليرحم الله الخلق برسالته. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: بطلان الاحتجاج بالقدَر على معصية الله؛ لقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾. ولو كان الاحتجاج بالقدَر على المعاصي والمخالفات، لو كان ثابتًا لم يرتفع بإرسال الرسل؛ لأن القدَر لا يرتفع بإرسال الرسل، فالرسل أرسلهم الله تعالى إقامةً للحجة على الخلق ورحمةً بهم أيضًا، لهذا ولهذا. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان أن النبي ﷺ ليس ببِدْع من الرسل حتى تُنكَر رسالته، ويقال: كيف جاء هذا الرجل برسالة من عند الله؟ ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾، ويشهد لهذا قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف ٩]. * ومن فوائد الآية الكريمة: قصور العقول عن معرفة ما يجب لله تعالى؛ لأنها لو استقلت بذلك ما احتاجت إلى إرسال الرسل. * ومنها أيضًا: بطلان ما ذهب إليه المتكلمون من أهل البدع الذين بنوا عقيدتهم على ما يقتضيه العقل وقالوا: ما اقتضى العقل إثباته لله أثبتناه سواء كان مذكورًا في الكتاب والسنة أم لم يُذكر، وما نفاه العقل وجب علينا نفيه، وإن ذُكِر في الكتاب والسنة، وما لم يدل العقل على نفيه وإثباته فإننا نتوقف فيه، وأكثرهم قالوا: ننفيه؛ لأنه لا بد من دلالة العقل على إثباته، فإذا لم يدل على إثباته وجب نفيه؛ لعدم وجود الدليل، ويش تقول في هذه الفائدة؟ * طالب: (...). * الشيخ: وإثباته، وما لا يقتضي إثباته ولا نفيه؟ * الطالب: يتوقفون وأكثرهم (...). * الشيخ: تؤخذ من قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾. ووجه ذلك أنه لو كانت العقول هي المرجع ما احتيج إلى إرسال الرسل.