تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
وَلَا ٱلظِّلُّ وَلَا ٱلْحَرُورُ ﴿٢١﴾
وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ﴾ [فاطر ٢١]، قال المؤلف: (الجنة والنار) يعني المراد بالظل عند المؤلف الجنة، والمراد بالحرور النار، ولكن -كما قلت- الظاهر أن هذا مَثَلٌ بأمر حسي لا يمكن إنكاره، لكن يُنتقل منه إلى أمر معنوي.
الظل والحرور لا يستويان، أيهما أحسن؟
* طلبة: الظل.
* الشيخ: ما فيه شك، الظل، فالظل معروف؛ هو الفيء الذي تقلَّصت عنه الشمس، هذا ظل، وإن شئت فقل: الظل هو المكان الذي ليس فيه أشعة للشمس، وإنما نقول ذلك؛ لأن الجنة ما فيها شمس، وقد قال الله تعالى فيها: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة ٣٠] مع أنه ليس فيها شمس.
وأما الحرور فالحرُور على وزن (فَعُول)، وهو الهواء الحار، وبعضهم يقول: إنه الهواء الحار في النهار، والسَّمُوم الهواء الحار في الليل.
وبعضهم يقول: كلاهما بمعنى واحد، فالحرُور والسَّمُوم هما الهواء الحار، وهذا معروف، يكون في أيام الصيف، وإذا كان معه شمس ازداد شدةً في الحرارة.
الآن عندنا الأعمى والبصير، والظلمات والنور، والظل والحرور، على كلام المؤلف نقول: هذه المنفيات الثلاثة، أو هذا النفي في المواضع الثلاثة؛ الأول يعود إلى ذات المؤمن والكافر، والثاني يعود إلى عمل المؤمن والكافر، والثالث يعود إلى مستقر المؤمن والكافر، ولَّا لا؟ فالأول نفي للذوات، والثاني نفي في الأفعال والمنهج، والثالث للمستقر والمأوى.
﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ﴾ [فاطر ١٩ - ٢١].
الرابع: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ [فاطر ٢٢] (المؤمنون والكافرون). فعلى كلام المؤلف يكون في الآية تكرار؛ لأنه فسر بالأول الأعمى والبصير بالمؤمن والكافر، وهنا قال: ﴿الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ [فاطر ٢٢] (المؤمنون والكافرون).
ولو أردت أن أسلك مسلكه لقلت: ﴿الْأَحْيَاءُ﴾ ذوو العلم، و﴿الْأَمْوَاتُ﴾ ذوو الجهل؛ لقوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام ١٢٢]، ولأن الله تعالى جعل الوحي روحًا تحيا به القلوب والنفوس، ولكنني لا أسلك مسلكه إنما لو أردت أن أسلك مسلكه لقلت: العلماء والجهال.
﴿الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ [فاطر ٢٢] العلماء والجهال، واضح؟ لأنني إذا سلكت هذا المسلك فعندي على ذلك برهان وهو قوله: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا﴾ إلى آخره [الأنعام: ١٢٢]. إذا سلكت هذا المسلك سلمت الآية من التكرار، ونحن نعلم جميعًا أن من القواعد المعروفة في الكلام أنه إذا دار الأمر بين حَمْل الكلام على التأسيس أو على التوكيد وَجَب حمله على التأسيس؛ لأنه هو الأصل، الأصل في الكلام أن يكون مستقلًّا مُؤَسِّسًا لا مُؤَكِّدًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: التأسيس يعني الأصل أساس؛ يعني هذا معنى جديد غير المعنى الأول.
فإذا قال قائل مثلًا: هذه الجملة مؤكِّدة للأولى، وقال الثاني: هذه الجملة مستقلة بنفسها فإنه يُحمل على أنها مستقلة بنفسها.
* طالب: قال في الأول: الكافر والمؤمن، بعدين: الكفار والمؤمنون يعني ما يصير..؟
* الشيخ: لا، ما هو بظاهر جمع ومفرد.
قال المؤلف رحمه الله تعالى.. أنا أقول: إن الأحياء والأموات يُراد به الحياة الحسية والموت الحسي، كل يعرف الفرق بين الحي والميت ولَّا لا؟ حتى الكفار يعرفون الفرق بين الحي والميت، ما يشابِه هذه المعاني المحسوسة الأربعة من المعاني المعقولة فهو مثلها ولَّا مخالف لها؟ فهو مثلها، فالذي يماثل هذه الأشياء المحسوسة من الأمور المعقولة هو مثلها.
يقول: (وزيادة (لا) في الثلاثة تأكيد) هذه الجملة أفادت أن لدينا زيادة، وأن الفائدة من هذه الزيادة التوكيد، وين الزيادة؟ ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ [فاطر ١٩]، ما فيها شيء ﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ﴾ [فاطر ٢٠] (...) ﴿وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ [فاطر ٢١، ٢٢] كم دول؟
* طالب: خمسة.
* الشيخ: طيب ﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ﴾، هذه واحدة ﴿وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ﴾ ﴿وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾، خمسة لكن جعلها المؤلف ثلاثة؛ لأن المتقابل فيها ثلاثة، شوف (الظلمات والنور) هذه (...) أن تكون واحدة، و(الظل والحرور) واحدة، و(الأحياء والأموات) واحدة.
المهم أن زيادة (لا) في المواضع كلها سواء قلنا: ثلاثة أو خمسة هي للتوكيد؛ إذ لو قيل: وما يستوي الأعمى والبصير والظلمات والنور والظل والحرور والأحياء والأموات؛ استقام الكلام، لكن يؤتى بـ(لا) الزائدة للتوكيد.
* وفيها أيضًا فائدة ثانية: وهي عدم السآمة والملل؛ لأنها لو حُذِفت لطالت المعطوفات بعضها مع بعض، فكُرِّر فيها عامل النفي ليكون أبعد عن السآمة.
فإن قلت: هل لذلك نظير في كتاب الله؟
قلنا: نعم؛ لهذا نظير في مواضع كثيرة منها ما نقرؤه في كل صلاة، وهي: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة ٧]؛ إذ لو قال: غير المغضوب عليهم والضالين؛ استقام لكن زيدت (لا) للتوكيد.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر ٢٢].
﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ﴾، قال المؤلف: (هدايته فيجيبه -أي المسمع- بالإيمان)؛ يعني أن الله تعالى يدعو إلى دار السلام كما قال في آية أخرى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ [يونس ٢٥]، دعاء الله تعالى إلى دار السلام هل يسمعه كل أحد؟ أما من حيث الإدراك الحسي فإن كل أحد يسمعه، أما من حيث الإجابة فلا؛ من الناس من يُجيب ومنهم من لا يجيب؛ ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس ٢٥] فالله تعالى يُسمِع من يشاء يعني بمعنى (...) لاتباع هؤلاء الرسل.
﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر ٢٢] ﴿مَا﴾ هذه في الإعراب نقول: إنها؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، لها اسم أخص.
* طالب: حجازية.
* الشيخ: حجازية، واسمها الضمير ﴿أَنْتَ﴾، والباء في ﴿بِمُسْمِعٍ﴾ زائدة للتوكيد. ﴿بِمُسْمِعٍ﴾ خبرها منصوب بهذه الفتحة، مُقدَّرة على آخره منع من ظهورها حركة حرف الجر الزائد.
﴿مَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ﴾. وقوله: ﴿مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ ﴿مَنْ﴾ هذه مفعول لـ﴿مُسْمِعٍ﴾؛ لأن ﴿مُسْمِعٍ﴾ اسم فاعل.
﴿بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾. قال المؤلف: (أي الكفار شبههم بالموتى فيجيبون) يعني ما أنت بمسمعهم.
* طالب: (فلا يجيبون).
* الشيخ: لا، عندي (فيجيبون).
* طالب آخر: عندي (فيجيبون).
* الشيخ: إي، الصواب عندي، الصحيح عندي، نعم، اللي عندي خطأ؛ لأنها إذا كانت (فيجيبون) فيجب أن تحذف النون؛ لأنه جواب النفي في قوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر ٢٢]، أما النسخة اللي عند الأخ وإخوانه فإنها منفصلة عما قبلها؛ أي: فهم في عدم إسماعهم لا يجيبون.
على كل حال المؤلف رحمه الله يقول: ﴿مَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر ٢٢] قال: (أي الكفار)، والذي يظهر لي أن المراد به الموت حقيقة، الرسول عليه الصلاة والسلام لا يُسمع الموتى حقيقة كما قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل ٨٠]، فلو أن الرسول عليه الصلاة والسلام ذهب إلى المقبرة مقبرة الكفار وقال: يا أيها الناس، اتقوا الله واعبدوه وما أشبه ذلك، هل يسمعون هذه الموعظة فينتفعون بها؟ لا، ما يسمعونها فينتفعون بها، ولكننا نقول: ننتقل من هذا إلى أن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يُسْمِع الموتى، لا يُسمِع الكفار لموت قلوبهم؛ لأن قلوبهم ميتة، ومن قلبه ميت -والعياذ بالله- فإنه لا ينتفع بما يسمع من المواعظ فكأنه لا يسمع.
ثم قال: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٣]، فسر المؤلف ﴿إِنْ﴾ بـ(ما)، وهذا يدل على أن ﴿إِنْ﴾ نافية، وقد ذكرنا فيما مضى أن من علامات (إن) النافية الاستثناء بعدها، أن تتبع بـ(إلا)، يعني ما أنت إلا نذير.
قال: (منذر لهم) والنذير -كما سبق- هو الْمُعلِم إعلامًا يتضمن التخويف، فالإعلام المتضمن التخويف يسمى إنذارًا.
وقوله: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٣] هل هذا الحصر حقيقي أو إضافي؟ إضافي؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام نذير وبشير ولَّا لا؟ لكن المقام هنا يقتضي أن يُذكر الإنذار فقط؛ لأنه في مقارعة الكفار، ومقارعة الكفار تحتاج إلى الإنذار أكثر مما تحتاج إلى التبشير.
وقوله: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٣]، كيف يكون مقابلة بينها وبين الجملة اللي قبلها؟
كأنه يقول: أنت لا تستطيع أن تُوصل الهداية إلى قلوب الكافرين، ولكن تستطيع أن تنذرهم؛ لأن هذا هو المقام؛ مقامك إنذار، أما أن تُوصل الهداية إلى قلوب هؤلاء الكفار الذين يُشبِهون الموتى فهذا ليس إليك.
وصدق الله عز وجل فإن النبي عليه الصلاة والسلام ما استطاع أن يهدي أقرب الناس إليه، وأشفق الناس إليه، وهو عمه أبو طالب ولَّا لا؟ وشاء الله عز وجل أن يهدي أقوامًا من فارس والروم من أبعد الناس عن الرسول عليه الصلاة والسلام نسبًا ومكانًا؛ لأن الأمر بيد الله عز وجل ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية ٢١، ٢٢]. ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٣].
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [فاطر ٢٤].
﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾ الإرسال بمعنى الأمر بالتبليغ، أو في قضاء الحاجة، فمثلًا تقول: أرسلتُ غلامي يُخبِر فلانًا بكذا وكذا؛ يعني أمرته بالتبليغ، أرسلت غلامي يشتري كذا وكذا، أمرته أن يشتري الحاجة لكنها منفعة؛ يعني الدفع.
وقوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ [فاطر ٢٤]، هذه يحتمل أن تكون الباء للتعدية؛ أي: أننا أعطيناك حقًّا وأرسلناك به.
ويحتمل أن تكون وصفًا للرسالة؛ يعني أرسلناك رسالة حق؛ والمعنى يختلف، فعلى المعنى الثاني يكون معنى الآية أن رسالة النبي ﷺ حق، وعلى المعنى الأول يكون معناها أن الرسول ﷺ جاء بالحق، وإن كان المعنيان متلازمين لكنهما مختلفان من حيث المورد، فعلى الأول يكون مورد الوصف نفس الرسالة، وعلى الثاني يكون مورد ذلك -مورد الوصف- الْمُرْسَل به، أفهمتم الآن ولَّا لا؟
﴿أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ أي: أعطيناك حقًّا تبلغه للناس.
﴿أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ يعني أن رسالتنا إليك حق فيكون الوصف للرسالة نفسها؛ يعني: لست بكاذب بل أنت صادق هذا على جعلنا الوصف عائدًا إلى الرسالة، أما إذا جعلناه عائدًا إلى الْمُرْسَل به فالمعنى أن ما جئت به ليس بباطل بل هو صِدْق في الأخبار وعَدْل في الأحكام.
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا﴾ [فاطر ٢٤]، قال المؤلف: (بالهدى) (﴿بَشِيرًا﴾ من أجاب إليه ﴿وَنَذِيرًا﴾ من لم يُجِب إليه).
﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ يعني أنك تُبَشِّر وتنذر، لكن تُبَشِّر بالخير من أجاب، وتُنذِر بالعقوبة من لم يُجِب وعصى؛ وذلك لأن الشرع يتضمن أوامر ونواهي، فمن ارتكب النواهي أو ترك الأوامر واجهناه بماذا؟ بالإنذار، ومن فَعَلَ الأوامر واجتنب النواهي واجهناه بماذا؟ بالبشارة.
﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤] ﴿إِنْ﴾ (ما) يعني نافية ﴿مِنْ أُمَّةٍ﴾ ﴿مِنْ﴾ حرف جر زائد زائد، أو زائد زائدًا؟ يجوز، على أن تكون (زائدًا) حالًا من الضمير المستتر في (زائد) الأولى. المهم أنه زائد لفظًا زائد معنى.
و﴿أُمَّةٍ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ خبر.
ما من أمة، ما هي الأمة؟ هي الطائفة من الناس التي على منهج واحد طائفة على منهج واحد، ودين واحد، أو قومية واحدة، أو ما أشبه ذلك، هذه الأمة، ليست كل طائفة نسميها أمة، فمثلًا أنتم الآن ما نسميكم أمة إلا لأنكم على طريق واحد، لكن لو اجتمعت جماعة في مكان متشتتين، كل واحد له منهج؛ ما نقول: هؤلاء أمة، إلا إذا كانوا من قبيلة واحدة أو ما أشبه ذلك.
(﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا﴾ سلف ﴿فِيهَا نَذِيرٌ﴾ نبي ينذرها)؛ يعني كل الأمم أرسل الله إليهم نذيرهم، لماذا؟ لتقوم عليهم الحجة؛ لأنه إذا لم يكن للناس نذير فإن لهم حجة على ربهم، يقولون: يا ربنا، ما أرسلت إلينا رسولًا.
كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ [طه ١٣٤]، وقال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء ١٦٥]. وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام على ما في قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤] من الإشكال والجواب عنها (...)
قال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ [فاطر ١٩].
* في هذه الآية فوائد، منها: بلاغة القرآن، حيث ينتقل بسامعه وقارئه من الأمثال الحسية إلى الأمثال المعنوية؛ ذلك لأن الأمثال الحسية لا يمتري فيها أحد، ولا يمكن لأحد أن يجادل فيها؛ لأنك إذا قلت مثلًا: هذه لمبة وهذا نور؛ ما أحد ينازع فيها، فانتقل من المحسوس إلى المعقول؛ المعنى.
* ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة البصر؛ لأن نفي الاستواء بين الأعمى والبصير معناه تفضيل مَن؟ تفضيل البصير؛ ولهذا أكثروا من دعاء الله عز وجل: اللهم مَتِّعْنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أبقيتنا.
وكذلك أيضًا نقول في ﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ﴾ [فاطر ٢٠]، فإن فيها من بلاغة القرآن ما في قوله: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ [فاطر ١٩]، وفيها الانتقال من المثل الحسي إلى المثل المعنوي.
* فيها أيضًا: تفضيل النور على الظلمة؛ لأن نفي الاستواء فيهما معناه: تفضيل النور على الظلمة.
* ومنها أيضًا: إذا انتقلنا من المثل الحسي إلى المعنوي أن طريق الهدى واحد، وطرق الضلال متفرقة؛ لقوله: ﴿الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ﴾ [فاطر ٢٠].
وذكرنا شاهدًا من القرآن على هذا وهو قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام ١٥٣]، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾ [البقرة ٢٥٧] فيه طاغوت يجرهم إلى نوع من الكفر والفسق، نسأل الله العافية.
* ومنها أيضًا: أنه لا يستوي الظل والحرور، وهذا مَثَل حسي انتقل منه إلى المثل المعنوي وهو ظل الجنة وحر النار لا يستويان، أيهما أفضل؟ ظل الجنة، اللهم اجعلنا منهم وإياكم.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: التحذير من عمل أهل النار؛ لأن نفي الاستواء بين الظل والحرور أمر معلوم، وتأذي الإنسان بالحرور أيضًا أمر معلوم، ففيه التحذير من عمل أهل النار.
هل يؤخذ من الآية الكريمة أنه لا حرج على الإنسان أن يطلب الظل، وأن يطلب النور؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: كذا؟ معلوم؛ لأننا ما دمنا ذكرنا أن هذا النفي معناه تفضيل النور على الظلمات وتفضيل الظل على الحرور فلا حرج على الإنسان أن يطلب الأفضل بل قد يجب أحيانًا؛ ولهذا لما رأى النبي عليه الصلاة والسلام زحامًا ورجلًا قد ظُلِّل عليه بصيام رمضان في السفر ما قال: لا تُظلِّلوا عليه ولكن قال: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٩٤٦)، ومسلم (١١١٥ / ٩٢) من حديث جابر بن عبد الله.]].
وقوله: ﴿