×

سبأ

الآية ٢٢

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

قُلِ ٱدْعُوا۟ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ ۖ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَلَا فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُۥ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ ﴿٢٢﴾

قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [سبأ ٢٢] في هذا دليل على أنه ينبغي في المناظرة التحدي للمناظر فيما يُعْلَم أنه لن يكون؛ لقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾؛ فيجب على كل دعاة حق أن يتحدوا هؤلاء المبطلين بأن يُبْرِزوا لباطلهم شيئًا من النفي، وهذا كما أنه في الشرك يكون أيضًا فيما دونه، فإنه ينبغي أن يكون الداعي إلى الله عز وجل على علم بالأمور حتى يستطيع الجدل فيها؛ لأن من لم يكن على علم فيها فإنه سيقف حيران ولا يتمكن من مقابلة الخصم. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذه الأصنام المدعوة من دون الله لا تملك شيئًا لنفسها فلا تملك شيئًا لغيرها، ليس لها ملك ولا شرك في الملك ولا معاونة على تَصَرُّف ولا شفاعة، والأمر في هذا واضح ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ﴾ أي ما لله ﴿مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾. * ومن فوائدها: إثبات الشفاعة بإذن الله؛ لقوله: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾، ولو كانت الشفاعة لا تنفع مطلقًا ما صح الاستثناء، ولو كانت تنفع مطلقًا ما صح النفي، انتبه لو كانت الشفاعة مطلقًا تنفع، أذن الله فيها أم لم يأذن، ما صحَّ النفي، ولو كانت تنفع مطلقًا ما صح الاستثناء، إذن فهي تنفع بإذن الله. * * * ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ﴾ أي: عند الله ﴿إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾، وهنا ﴿لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾؛ لكمال سلطانه، فالنفي هنا متضمن لإثباتٍ وهو كمال السلطان؛ لأن من كمال السلطان ألا يتكلم أحد عند الملِك المشفوع إليه أبدًا إلا بإذنه؛ ولهذا تجد الإنسان إذا كان ذا هيبة عند الناس وكان في مجلس تجد الناس لا يتكلمون هيبةً له، وتجد السلطان إذا كان ذا هيبة ما أحد يقدر يتكلم في مكان جلوسه ولا مع أخيه سرًّا؛ لأنهم يهابونه، فلكمال سلطان الله عز وجل لا يستطيع أحد يشفع إلا بإذنه، حتى أخص عباده به وهم الأنبياء، وأخصهم محمد ﷺ لا يمكن أن يشفع إلا إذا أَذِن الله، حتى في مقام الرحمة يوم القيامة فإن الله تعالى يجعل مئة رحمة يرحم بها الخلق، في مقام الرحمة وعند شدة الهَمِّ والغم المقتضي لرحمة الله ما يمكن يشفع الرسول ﷺ إلا بإذن الله أبدًا؛ لماذا؟ لكمال سلطان الله عز وجل إذا كانت الشفاعة لا تنفع إلا بإذن الله، فهل هذه الأصنام المكروهة عند الله المُنْحَطَّة عنده قَدْرًا هل يمكن أن تشفع لعابديها؟ أبدًا، حتى عيسى عليه الصلاة والسلام الذي عُبِدَ من دون الله لا يمكن أن يشفع لعابديه؛ ولهذا يقول يوم القيامة: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة ١١٧]، ولا يمكن أن يشفع لهم. ﴿