×

سبأ

الآية ٢٣

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

وَلَا تَنفَعُ ٱلشَّفَـٰعَةُ عِندَهُۥٓ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُۥ ۚ حَتَّىٰٓ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا۟ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ ۖ قَالُوا۟ ٱلْحَقَّ ۖ وَهُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْكَبِيرُ ﴿٢٣﴾

وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ وقد سبق في الدرس الماضي أن الله لا يأذن إلا إذا كان الشافع والمشفوع له من أهل الشفاعة؛ قال الله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم ٢٦]، وقال عز وجل: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء ٢٨]؛ ولهذا قال العلماء: إن شروط الشفاعة ثلاثة: رضا الله عن الشافع، ورضاه عن المشفوع له، والثالث إذنه بالشفاعة. قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ ﴿حَتَّى﴾ هنا ابتدائية، وليست غائية؛ لأن (حتى) تأتي للغاية، وتأتي للابتداء، وتأتي للتعليل، ولها معانٍ متعددة مَنْ أحب الوقوف عليها فليرجع إلى كتاب المغني، أعني: مغني اللبيب لابن هشام رحمه الله فإنه مفيد لطالب العلم. يقول: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ﴾ فيها قراءتان ﴿فُزِّعَ﴾ و﴿فَزَّعَ﴾ كما قال المؤلف: (بالبناء للفاعل والمفعول). ﴿عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ أي: قلوب الخلق أو عن قلوب الملائكة، فيها قولان لأهل العلم وسيأتي إن شاء الله بيانهما. ﴿فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ قال: (كشف عنها الفزع بالإذن فيها)، ﴿فَزَّع﴾ و﴿فُزِّعَ﴾ بمعنى: أزال الفزع، وليس ﴿فَزَّع﴾ بمعنى ألحق الفزع، بل بمعنى أزاله، وهو فعل يُراد به السلب؛ لأن هناك أفعالًا يراد بها سلب المعنى؛ يعني ضد هذا المعنى، قالوا: ومنه قولهم: قَرَّد البعير، ويش معنى (قَرَّدَ)؟ أزال منهم القراد، (...) والله تعرفون البعير والقراد اللي فيها؟ * طلبة: نعم. * الشيخ: معروف، والقراد معروف. * طالب: ما أدري. * الشيخ: البعير تعرفه. القراض هذا شيء يكون في جِلْد البعير دابة حشرة صغيرة تعض البعير وتشرب الدم منها، اسمه؟ * طالب: جراد. * الشيخ: جراد؟ لا، لا. * طالب: مثل القمل، يا شيخ؟ * الشيخ: مثل القمل للإنسان، هو قمل الإبل. * الطالب: يمسك (...). * الشيخ: إي نعم، هو إذا مسك الجلد ما عاد يطلقه أبدًا، إلا كنت تمسكه أنت وتجره جرًّا. على كل حال إن شاء الله ربما نطلع على البر ونشوف بعيرًا فيها قراض ونوريك إياها. طيب المهم أن قرد البعير ما هو معناه وضع القراض فيها، معناه أزاله عنها، فـ﴿فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ أو ﴿فَزَّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ يعني: أزال الفزع. ﴿عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ قال المؤلف: (بالإذن فيها) أي: في الشفاعة، وعلى هذا فيكون الضمير هنا عائدًا على المشفوع له؛ يعني: إذا لَحِقَ المشفوع له من الهم والكرب والغم ما لحقه، وكذلك الخوف والفزع فأذن الله في الشفاعة زال الفزع عن القلوب؛ لأنه قَرُب الفرج. قال: (﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ ) بالإذن فيها ﴿قَالُوا﴾ بعضهم لبعض استبشارًا ﴿قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ فيها -أي: في الشفاعة- ﴿قَالُوا﴾ القول ﴿الْحَقَّ﴾ أي: قد أذن فيها ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ﴾ فوق خلقه بالقهر ﴿الْكَبِيرُ﴾ العظيم). أفادنا المؤلف رحمه الله أن الضمير في (بِهِمْ) يعود على من؟ المشفوع له، فإن المشفوع قبل الشفاعة يلحقه الفزع والخوف من ذنوبه أو من غير ذلك، فإذا أُذِن في الشفاعة زال الفزع، وقالوا: ماذا قال الله؟ يقول ذلك: فيقول بعضهم لبعض: ﴿قَالُوا الْحَقَّ﴾ أي: قالوا القول الحق، ﴿الْحَقَّ﴾ بمعنى الثابت الموافِق لمحله. وقد سبق لنا أن الحق في الأخبار هو الصدق، والحق في الأحكام هو العدل؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام ١١٥]. طيب، هذا ما ذهب إليه المؤلف على أن الضمير في قلوبهم يعود إلى المشفوع لهم، وأن التفزيع بمعنى إزالة الفزع وهو الخوف بالإذن في الشفاعة، نعم، والسياق لا يأباه، لكن قد ثبت في الحديث الصحيح عن النبي عليه الصلاة والسلام أن المراد به غيرُ ذلك، وأن المراد به الملائكةُ الذين هم عند الله، إذا تكلم الله بالوحي صعقوا فإذا صعقوا فُزِّع عن قلوبهم، يعني: أُزيل الفزع عنها ثم صاروا يتساءلون: ماذا قال الله؟ فيقال: قال الحق وهو العلي الكبير. وإذا جاءت السنة في تفسير القرآن كانت أولى، على أننا سبق أن قلنا: إن القرآن إذا دلَّ على عدة معانٍ لا تتناقض حُمِلَ على جميع المعاني؛ لأنه أوسع وأعظم مما يصل إليه فكر الإنسان، فقد يصل فكري إلى شيء ويصل الفكر الآخر إلى شيء آخر وفكر الثالث إلى شيء ثالث والآية كلها تحتمل هذه المعاني فتُحْمَل عليها، أما إذا كان لا يحتمل إلا معنى فإنه يجب أن يُحْمَل على ما قام الدليل عليه. وقال بعض أهل العلم: حتى إذا فزع عن قلوبهم عند الموت، ما هو ليس يوم القيامة عند الإذن بالشفاعة، ولكن إذا فُزِّع عن قلوبهم عند الموت، لكن هذا ضعيف، وإن كان قد يرد فيُفَزَّع عن القلب عند الموت ويعترف بالحق، فإن فرعون حين غَرِقَ ماذا قال؟ ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس ٩٠]، وقال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ [غافر ٨٤]، لكن هذا المعنى ضعيف، فالآية دائرة بين ما قاله المؤلف وما ثبت به الحديث الصحيح، وهي دالة قطعًا على ما جاء به الحديث الصحيح، وما ذكره المؤلف فهو محتمل ولا تأباه الآية. وقوله تعالى: ﴿قَالُوا الْحَقَّ﴾ ﴿الْحَقَّ﴾ ما إعرابهًا؟ أيش؟ صفة لمصدر محذوف، أي: قالوا القول الحق، ولا يصح أن تكون مفعولًا لقال؛ لأن القول لا يَنْصِب إلا جملة أو ما بمعنى الجملة، القول لا ينصب إلا جملة أو ما بمعناها؛ إلا جملة: كقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم ٣٠]، أين مقول القول؟ ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ جملة، أو بمعنى الجملة كقولك: قلت قصيدة، قلت كلمة، هذه بمعنى الجملة؛ لأن الكلمة والقصيدة والشعر لا يكون إلا جملة. طيب، فإن قلت: ما تقول في قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا﴾ [النحل ٣٠]؟ نقول: هذه ليست مفعولًا لقال، لكنها مفعول لفعل محذوف ويش التقدير؟ * طالب: قالوا قولًا خيرًا. * الشيخ: لا. * طالب: أنزل خيرًا. * الشيخ: أنزل خيرًا، ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا﴾. يقول المؤلف رحمه الله: (﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ﴾ فوق خلقه بالقهر) هذا فيه إما تقصير وإما قصور؛ لأن علو الله عز وجل ليس بالقهر، بل علوه ثلاثة أقسام: علو القهر، وعلو القَدْر، وعلو الذات، لكن المؤلف -عفا الله عنا وعنه- كأنه لا يرى علوَّ الذات، والمنكرون لعلو ذات الله سبحانه وتعالى يَنْقَسِمون إلى قسمين: حلولية، ومعطلة تعطيلًا محضًا. فالحلولية يقولون: إنه يجب عليك أن تؤمن بأن الله في كل مكان بذاته، وتُنْكِر علوه، في كل مكان بذاته؛ إن كنت في المسجد أو كنت في السوق أو كنت في البر أو كنت في البحر، فالله سبحانه وتعالى بذاته في ذلك المكان، وإن كنت في الحُش فهو في الحش، الحش ما هو؟ مكان التخلي يعني -والعياذ بالله- ما نزهوا الله عن الأنتان والأقذار، نسأل الله العافية ولا شك أن هذا كفر محض، ولا يشك أحد في كفر مَنِ اعتقد هذه العقيدة. الطائفة الثانية المنكرة للعلو يقولون: إنه لا يجوز لنا أن نقول: إن الله فوق العالم ولا تحته، ولا يمين ولا شمال، ولا أمام ولا خلف، ولا متصل ولا منفصل، وهذا أيش؟ هذا تعطيل محض؛ يعني: لو قيل لك: صف لنا المعدوم ما وجدت أشد إحاطة بالمعدوم من هذا الوصف؛ الذي ليس فوق العالم ولا تحته، ولا يمين ولا شمال، ولا خلف ولا أمام، ولا متصل ولا منفصل، هذا ليس بموجود قطعًا، أمَّا الرسل وأتباعهم فيؤمنون بأن الله عز وجل بذاته فوق كل شيء، وهذا هو الذي دلَّ عليه العقل والفطرة والإجماع والكتاب والسنة، ولنستعرض لهذا الأمر، وإن كان -الحمد لله- الأمر ظاهرًا، لكن.. الكتاب دلَّ على أن الله بذاته فوق عرشه من وجوه متنوعة؛ فتارة بذكر العلو مثل: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة ٢٥٥]، وتارة بذكر الفوقية ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام ١٨]، وتارة بذكر صعود الأشياء إليه؛ مثل: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر ١٠]، وتارة بذكر نزول الأشياء منه ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [السجدة ٥]، فقد تنوعت الأدلة من كتاب الله على علو الله سبحانه وتعالى. وأما السنة فكذلك دلت السنة على علو الله بذاته من قول الرسول ﷺ وفعله وإقراره؛ فقال عليه الصلاة والسلام: «رَبُّنَا اللَّهُ الَّذِي فِي السَّمَاءِ»[[أخرج أبو داود (٣٨٩٢) عن أبي الدرداء، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَنِ اشتكى منكم شيئًا، أو اشتكاه أخٌ له فليقلْ ربنا الله الذي في السماء..» الحديث.]] وقال: «أَلَا تَأْمَنُونِي وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٥١)، ومسلم (١٠٦٤ / ١٤٤) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.]]. وأما فعله فإنه في يوم عرفة وهو يخطب الناس عندما خطب تلك الخطبة العظيمة «قال لهم: «أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟» قالوا: نعم. قال: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ»، يرفع أصبعه إلى السماء وينكتها إلى السماء. «اللَّهُمَّ اشْهَدْ»[[أخرجه مسلم (١٢١٨ / ١٤٧) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.]] هذا أيش؟ سنة فعلية، لإشارته عليه الصلاة والسلام حين ذكر الله، وأما الإقرارية فإنه« أُتِيَ إليه بجارية فسألها فقال: «أَيْنَ اللَّهُ؟» قالت: في السماء. قال: «أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ»[[أخرجه مسلم (٥٣٧ / ٣٣) من حديث معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه.]]. هكذا قال، ويعتبر هذا أيش؟ إقرارًا، فقد تنوعت السنة بالدلالة أو في الدلالة على علو الله تعالى بذاته. وأما الإجماع فقد أجمع السلف من الصحابة والتابعين وأئمة الأمة على أن الله تعالى في السماء بذاته ولم يقل أحد منهم بحرف واحد إن الله ليس في السماء أو إن الله في كل مكان بذاته أبدًا. وأما العقل فاسأل عقلك هل الكمال في علو الذات أو في نفي العلو عنها؟ الأول بلا شك، علو الذات تدل على الكمال، بل هي الكمال، فإذا كان العلو هو الكمال فإن من المعلوم عقلًا أن الرب متصف بماذا؟ بالكمال، وحينئذ يَثْبُت له العلو عقلًا، أما الفطرة فاسأل فطرتك عندما تسأل الله شيئًا، افرض إنك ما درست ولا حضرت في المساجد ولا شيء، إذا سألت الله عز وجل شيئًا أين يَنْصَرِفُ قلبُك؟ إلى الأعلى؛ ولهذا كان أبو المعالي الجويني كان يقرر فيقول: كان الله ولم يكن شيءٌ قبله، وكان عرشه على الماء. يريد بذلك أن ينكر استواء الله على العرش الذي مِنْ لازمه الإقرار بالعلو فقال له أبو العلاء الهمداني رحمه الله: دعْنَا من ذكر العرش، وأخبرنا عن هذه الضرورة التي نجدها في نفوسنا، ما قال عارف قط: يا الله، إلا وجد مِنْ قلبه ضرورة بطلب العلو، صح، فلطم الجويني لطم على رأسه وصرخ، وقال: حيرني الهمداني. ليش؟ لأن الدليل الفطري لا يمكن النزاع فيه، الدليل الفطري لو نازعك منازع قلت: هذا مجنون. * الطالب: هل في الحديث الذي سرد (...)؟ * الشيخ: كيف؟ * الطالب: (...). * الشيخ: لا، لما قال: وكان عرشه على الماء، وكان الله لم يكن شيء قبله. يعني ما ذكر استوى على العرش، لم يذكر استواءه على العرش، هذا يريد أن يُقَرِّر أن الله تعالى لم يستوِ على العرش فينتفي علوه. * الطالب: حذف شيئًا من الحديث يعني؟ * الشيخ: لا، أبدًا هو نفس الحديث، لكن هو أراد أن يقرر أن الله كان ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء؛ يعني: ولا فيه استواء وعلو. فالآن نقول: إن الأمر الفطري لا يمكن أبدًا لأحدٍ أن يُنْكِرَه، لو أن أحدًا أنكر طلبَ الطعام للجائع يُصَدَّق؟ لو قال: الجائع ما هو بيطلب الطعام؟ ما يُصَدَّق؛ ولهذا تحيَّر أبو المعالي الجويني وعجز عن الإجابة؛ لأن هذا دليل فطري لا ينازع فيه أحد. إذن فقد تطابقت الأدلة على علو الله تعالى بذاته، أما علوه بصفاته؛ سواء كانت صفات قدر أو قهر، فهذا يقرُّ به جميع المنتسبين إلى الإسلام حتى الجهمية والأشاعرة وغيرهم يُقِرُّون بأن الله سبحانه وتعالى عالٍ علوًّا معنويًّا؛ وهو علو الصفات. قال المؤلف رحمه الله: (﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ﴾ فوق خلقه بالقهر ﴿الْكَبِيرُ﴾ العظيم) (﴿الْكَبِيرُ﴾ العظيم) لا شك أن هذا ليس تفسيرًا مطابقًا، ولكنه كأن المؤلف أخذه من قَرْنِ العظيم بالعليِّ في آية الكرسي؛ حيث قال: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة ٢٥٥] وهنا قال: ﴿الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾، ففسَّر ﴿الْكَبِيرُ﴾ بأيش؟ بالعظيم، ولكن الصحيح أن ﴿الْكَبِيرُ﴾ ليس معناه العظيم، بل معناه ذو الكبرياء، ومعناه أن الله تعالى لا يماثله شيء في ذاته، فالسماوات السبع والأرضين السبع في كفه سبحانه وتعالى كخردلة في كفِّ أحدنا؛ يعني: السماوات السبع على عظمها، والأرضين السبع مثل ما لو وضع الإنسان في يده خردلة. حب الخردل تعرفونه، حب الخردل صغير. كبر أيش؟ * طالب: السمسم. * طالب آخر: حبات العدس. * الشيخ: كبر السمسم، هذا الخردلة لو حطتها في كفك ليست بشيء، وهذا أيضًا تمثيل على سبيل التقريب، وإلَّا فالله تعالى أعظم وأجل، فكل المخلوقات بالنسبة له سبحانه وتعالى ليست بشيء، فينبغي أن نقول: إن ﴿الْكَبِيرُ﴾ ليس هو العظيم، بل يفيد معنىً آخر، وهو الذي له الكبرياء، وهو الذي لا يُنْسَب إلى شيء من خلقه، فالسماوات السبع والأراضين السبع في كفه كخردلة في كف أحدنا. (...) في هذه الآية دليل على إثبات الشفاعة؛ لقوله: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ﴾، فإن قلت: ما وجه الدلالة على إثبات الشفاعة مع أنها نفي ﴿لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ﴾؟ (...) ولم يقل: ولا تكون الشفاعة، ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ﴾، دلَّ على إثباتها، لكن لا تنفع إلا بإذنه. * ومن فوائد الآية الكريمة: عظمة الله تعالى وقوة سلطانه، من أين يؤخذ؟ * طالب: (...). * الشيخ: وجه ذلك أنها تدل على عظمة الله وقوة سلطانه، وجه الدلالة؟ * طالب: (...). * الشيخ: هذا ما فيها.. ما قال: إن الله قوي ذو سلطان أو عظيم ذو سلطان، لكن هي تدل على ذلك باللازم، فما وجه الدلالة؟ * الطالب: (...). * الشيخ: ما (...). * طالب: (...). * الشيخ: بخلاف المخلوقين مهما عَظُم ملكهم فإنه يدخل الشافع على الملك والسلطان ويشفع بدون إذن، فكلما عظم السلطان ازدادت الهيبة، وصار لا يتكلم أحد إلا بإذن الله؛ كما قال تعالى في سورة (عم يتساءلون): ﴿وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النبأ ٣٨]. * ومن فوائد الآية الكريمة: قطع كل سبب يتعلق به المشركون في آلهتهم، ما وجهه؟ * طالب: (...). * الشيخ: نعم، قطع كل الأسباب التي يستدلون بها على أنها تنفعهم، وهي: * الطالب: (...). * الشيخ: نعم، وأنه لا تنفع الشفاعة، هذا آخر سبب يمكن ومع ذلك نفاها الله. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيانُ كرم الله عز وجل على كلٍّ من الشافع والمشفوع له، منين تأخذ كرم الله على الشافع والمشفوع له؟ * طالب: (...). * الشيخ: أحسنت. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى يتكلم بكلام مسموع، ونحن الآن نأخذ الفوائد بناء على القول الراجح في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾. * طالب: (...). * الشيخ: كيف؟ * الطالب: (...). * الشيخ: والله ممكن ﴿إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾، ولكن أنا أردت في الآية: ﴿إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾. * الطالب: (...). * الشيخ: أيش بين؟ * الطالب: (...) صعق الملائكة. * الشيخ: صعق الملائكة، ولولا أنهم يسمعون كلامه لم يصعقوا. * ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن كلام الله عز وجل ليس ككلام المخلوقين، بل هو أعظم؛ لأن السامع له يَصْعَق إلا أن يُثَبِّتَه الله عز وجل؛ لقوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾. * ومن فوائدها: أن قول الله عز وجل كله حق؛ لقوله: ﴿قَالُوا الْحَقَّ﴾. * ومن فوائدها: إثبات الربوبية؛ لقوله: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾. * ومن فوائدها: إثبات علوه سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ﴾، وهو ينقسم إلى: علو الذات، وعلو الصفات، وكلاهما ثابت لله عز وجل. * ومن فوائدها: إثبات الكبرياء لله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾. * ومن فوائدها أيضًا: أن للملائكة عقولًا وفَهْمًا وإدراكًا وقلوبًا؛ لقوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾، ولكن هل قلوبهم كقلوب الآدميين؟ الله أعلم، لا نعلم كيفيتها، والملائكة صمت لا يشربون ولا يتكلمون وليس لهم أجواف ولا أمعاء؛ لأنه لا يحتاج إلى الجوف والأمعاء إلا مَنْ يأكل ويشرب. * الطالب: (...)؟ * الشيخ: لا. يتكلمون، أنا قلت: لا يتكلمون؟! يتكلمون، لا أنا أقول: إنهم لا يأكلون ولا يشربون. * ومن فوائد الآية: أن الملائكة يتكلمون؛ ﴿قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾.