×
سبأالآية ٢١

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

وَمَا كَانَ لَهُۥ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَـٰنٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِٱلْـَٔاخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِى شَكٍّ ۗ وَرَبُّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ حَفِيظٌ ﴿٢١﴾

وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ تسليط) ﴿وَمَا كَانَ لَهُ﴾ الضمير يعود على إبليس، ﴿عَلَيْهِمْ﴾ أي: على القوم الذين أغواهم، ﴿مِنْ سُلْطَانٍ﴾ ﴿مِنْ﴾ زائدة لفظًا لا معنى، و﴿سُلْطَانٍ﴾ اسم كان مُؤَخَّر؛ أي: ما كان له سلطان عليهم، والمراد بالسلطان هنا التسلط أو التسليط؛ ولهذا قال: تسليط، فهي إذن اسم مصدر، وليس المراد بها السلطان الذي هو المعنى. المعنى ما كان للشيطان عليهم تسليط ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾، وعلى تقدير المؤلف أن سلطان بمعنى تسليط يكون الاستثناء متصلًا؛ أي: ما جعلنا للشيطان تسليطًا عليهم إلا لنعلم، وإذا جعلنا السطان بمعنى التسلط أو القدرة فالاستثناء يكون منقطعًا أي: ما كان له عليهم سلطة لكن لنعلم مَنْ يتبعه إلى آخره. وقوله ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ﴾ اللام هنا للتعليل أو للعاقبة؟ يحتمل أن تكون للتعليل أو للعاقبة، وعلى كلا التقديرين فيها إشكال؛ الإشكال هو أن ظاهرها تَجَدُّد علم الله، ومعلوم أن علم الله أزليٌّ أبدي أي قديم مستمر، لا بد أن يستمر، فكيف صحَّ أن تكون اللام هنا للتعليل أو للعاقبة؟ يقول المؤلف في تفسيرها: (علم ظهور)؛ وذلك لأن تَعَلُّق علم الله بالشيء له حالان: الحال الأولى: قبل وجوده. والحال الثانية: بعد وجوده. فتعلق علم الله به بعد الوجود يُسَمَّى علم ظهور أي: علمه بعد أن ظهر وبان، وعلم الله تعالى قبل وجوده عِلْمُ تَقْدِير أي أنه قَدَّر أن يكون، وعلم التقدير ثابت بلا شك، فإن الله لن يزل ولا يزال عالمًا بكل ما يكون. انتبه إذا قلنا: إن العلم علمُ تقديرٍ وعلم ظهور زال الإشكال، وصار علم الله للشيء بعد وقوعه بأنه ظهر ووقع، وعلم الله قبل وقوعه علمًا بأنه سيقع، وفرق بين المتعلقين. وقيل إن المراد بالعلم هنا: العلم الذي يترتب عليه الجزاء، وذلك لا يكون إلا بعد الامتحان، فإن علم الله تعالى بالشيء قبل أن يقع علم لا يترتب عليه لا ثواب ولا عقاب؛ لأن المكلف لم يؤمر ولم ينهَ، فإذا أُمِر ففعل أو أُمِر فلم يفعل حينئذ صار مثابًا أو معاقبًا، كما قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ [محمد ٣١]، ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران ١٤٢] وعلى هذا الوجه يكون علم الله تعالى علمين: علم معناه أن الله تعالى عالم بأن هذا الشيء سيقع، ولكن لا يترتب عليه الثواب والعقاب. وعلم يترتب عليه الثواب والعقاب، وذلك لا يكون إلا بعد امتحان المكلف به وهل يَفْعَل أو لا يَفْعَل؛ يعني: هل يمتثل أو لا يمتثل؟ فتبين أن في هذه المسألة التي ظاهرها تجدد علم الله أن عنها جوابين: الجواب الأول.. مَنْ يعرف الجواب الأول؟ العلم الذي يَتَبَيَّن به الخفيُّ؛ لأن الأمر لم يزل ولا يزال أمام الله سبحانه واضحًا ظاهرًا. قال: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ﴾ هنا ضُمِّنَت ﴿نَعْلَمَ﴾ معنى (نُمَيِّز)، ولهذا قال: ﴿مِمَّنْ هُوَ﴾ يعني: إلا لنُمَيِّز مَن يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك. والناس بالنسبة للآخرة ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: قسم آمنوا بها. وقسم كفروا بها وأنكروا. وقسم في شكٍّ وتردُّد. الذين آمنوا بها أمرهم واضح، والذين كفروا بها وقالوا: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ [الإسراء ٤٩] هذا لا يمكن، هذا أيضًا أمرهم واضح، والذين تردَّدوا قالوا: يمكن أن تكون حقًّا ويمكن أن تكون باطلًا، بأي القسمين يلحقون بالكافر ولا بالمؤمن؟ بالكافر نعم؛ لأن الواجب أن يؤمن؛ ولهذا قال عز وجل: ﴿مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ﴾ فكيف ممن هو منها مُنْكِرًا وجاحدًا ومكذِّبًا؟ فالله عز وجل جعل للشيطان سُلْطَة على بني آدم؛ لأجل أن يمتحن هؤلاء الناس فيعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك، الذي في شك من الآخرة يَتْبَع من؟ يتبع الشيطان قطعًا؛ لأنه لا يؤمن بأن هناك يومًا آخر يثاب الناس فيه ويعاقَبون، فهو يري أن لنفسه الحرية المطلقة، وهي في الحقيقة حرية من شيء وَرِقٌّ في شيء، قال ابن القيم رحمه الله: هَرَبُوا مِنَ الرِّقِّ الَّذِي خُلِقُوا لَهُ ∗∗∗ ........................... ما هو الرق الذي خُلِقْنا له؟ العبودية لله عز وجل. ..................... ∗∗∗ وَبُلُوا بِرِقِّ النَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ نسأل الله العافية؛ لأنهم صاروا عبيدًا لأنفسهم وشياطينهم، فلا يمكن أن يتحرر الإنسان من عبادة الله على زعمه إلا كان رقيقًا لغيره للنفس والشيطان، والحاصل أن هؤلاء الذين كانوا في شك من الآخرة لا يمكن أن يعملوا ولا أن يقوموا بطاعة الله؛ ذلك لأن الذي يقوم بطاعة هو الذي يؤمن بأنه سوف يُحْشَر ويثاب أو يعاقب. قال: (﴿مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ﴾ فنجازي كُلًّا منهما ﴿وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ ) الجملة خبرية تفيد معنى ولازمَ ذلك المعنى؛ فهي خبرية تفيد أن الله على كل شيء حفيظ أي: مراقب ومُطَّلِع ومُهَيْمِنٌ على كل شيء، سواء كان ذلك مما يتعلق بفعله أو مما يتعلق بفعل الخَلْق، فهو جل وعلا رقيب على كل شيء لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، هذا المعنى يستلزم معنى آخر وهو التحذير من المخالفة، لأن الإنسان متى عَلِم أن الله سبحانه وتعالى حفيظ على كل شيء خاف ولم يخالف، أما إذا كان في شك من هذا فإنه يعمل كما يشاء. ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ﴿قُلِ﴾ قال: (يا محمد لكفار مكة) فهنا المؤلف جعل الخطاب خاصًّا من وجهين: من جهة المخاطَب ومن جهة المدعوِّ؛ المخاطب قال: (﴿قُلِ﴾ يا محمد) والمدعو (كفار مكة)، ولكن هذا غير مُسَلَّم للمؤلف أو للمفسر، بل نقول: إن (قل) يمكن أن تكون موجهة لك مَنْ يتوجه الخطاب إليه من الرسول ﷺ أو غيره ممن وَرِثه في أمته؛ أي: قل أيها الناس، أما بالنسبة للمدعوِّين فنقول: الأصح أنه عام لكل مَنْ دَعا مع الله غيرَه من كفار مكة وغيرهم. وهكذا يجب أن يكون لدينا قاعدة وهو: (أنه إذا دار الأمر أن يكون الخطاب خاصًّا أو عامًّا وجب أن يكون عامًّا)؛ لأن العام يدخل فيه الخاص ولا عكس، وكلما كان معنى القرآن أوسع كان أوجه. إذن نقول: قل أيها المخاطب ممن تدعو إلى الله، قل للذين يدعون مع الله غيره: ادعوا الذين زعمتم، (﴿ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ أي: زعمتموهم آلهة) ادعوهم، هل المراد بالدعاء هنا دعاء المسألة أو دعاء الإحضار؟ ادعوهم أي أحضروهم، أو دعاء المسألة؛ يعني: اسألوهم اطلبوا منهم الحوائج هل يستجيبون لكم أم لا؟ نعم، يحتمل المعنيين، يحتمل المعنى: أحضروهم لنناقشهم، أو ادعوهم دعاء مسألة؛ يعني: اسألوهم، كما تقول: ادعُ الله، أي: اسأله. وقول المؤلف: (أي زعمتموهم آلهة)، شوف ماذا قدَّر المؤلف؟ قدَّر ضميرًا واسمًا ظاهرًا؛ الضمير زعمتموهم (هم)، هذا الضمير، والاسم الظاهر: (آلهة)، فأفادنا رحمه الله بأن (زعم) تنصب مفعولين، وأن المفعولين محذوفان، وتقدير الكلام زعمتموهم آلهة؛ لأن (زعم) من الأفعال التي تنصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر فهي من أخوات ظن، ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ قال: (من غيره لينفعوكم بزعمكم). ..لهؤلاء المشركين أن تنفعهم هذه الآلهة، فهل تنفعهم؟ لا، لا يمكن أن تنفعهم؛ وذلك لانتفاء أسباب النفع من عدة أوجه: أولًا: لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض استقلالًا، ولا يملكون ذلك مشاركة، وليس لهم معونة يعينون الله تعالى بها، والرابع ليس لهم شفاعة إلا بعد إِذْن الله، فبيَّن الله تعالى أن أسباب النفع في هذه الآلهة منتفية. فقوله: ﴿لَا يَمْلِكُونَ﴾ الجملة استئنافية لبيان حال هؤلاء الآلهة، (﴿لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ وزن ذرة من خير أو شر ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ ) صح هذا، لا يملكون مثقال ذرة لا في السماوات ولا في الأرض، ويملكون دون المثقال! ولا دون المثقال؟! نعم؛ لأن التقدير إذا قُصِدَ به المبالغة فلا مفهوم له سواء كان في الكثرة أو في القلة، فهنا ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ يعني: ولا دونها واضح؟ طيب، في الكثرة: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ﴾ [التوبة ٨٠]، ولو أكثر من سبعين ما يغفر الله لهم؛ ولهذا قال في آية (المنافقين): ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [المنافقون ٦]، فإذا جاء القيد للمبالغة قلة أو كثرة فليس له مفهوم. إذن لا يملكون مثقال ذرة ولا دونها في السماوات ولا في الأرض، ولو كانوا يملكون ذلك لقلتم: نتعلق بهم لعلهم يعطوننا مما يملكون، صحَّ ولَّا لا؟ طيب، هل لهم شرك في السماوات أو في الأرض؟ لا، ولو كان لهم شرك لقلتم: لعلهم يعطوننا من نصيبهم، ولهذا قال: (﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ﴾ شركة) ﴿مِنْ﴾ هذه زائدة لفظًا لا معنى، وعلى هذا فـ﴿شِرْكٍ﴾ مبتدأ مؤخر، وخبره الجار والمجرور المقدم ﴿وَمَا لَهُمْ﴾ ما لهم شرك في السماوات ولا في الأرض. (﴿وَمَا لَهُ﴾ تعالى: ﴿مِنْهُمْ﴾ من الآلهة ﴿مِنْ ظَهِيرٍ﴾ ) ﴿وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ ﴿مِنْ ظَهِيرٍ﴾ أيضًا نقول في إعرابها كما قلنا ﴿مِنْ شِرْكٍ﴾؛ أي: أن ﴿مِنْ﴾ زائدة لفظًا لا معنى، و﴿ظَهِيرٍ﴾ مبتدأ مؤخر، والظهير بمعنى المعين، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء ٨٨]، إذن ليس لهم مع الله معونة حتى يُدْلُوا على الله بها، ويقولون: أعطنا عوض معونتنا لننفع مَن أيش؟ من يدعونا، ما لهم مساعدة مع الله، (﴿وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ معين). (﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ﴾ تعالى ردًّا لقولهم: إن آلهتهم تشفع عنده ﴿إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ﴾ بفتح الهمزة وضمها ﴿أُذِنَ لَهُ﴾ فِيهَا) إذا قالوا: نعم آلهتنا لا تملك شيئًا في السماوات ولا في الأرض، آلهتنا ليس لها مشاركة مع الله، آلهتنا لم تُعِن الله، لكنها تشفع، كما قالوا؛ ﴿يَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس ١٨]، تشفع، قطع الله هذه الوسيلة الأخيرة ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ إذن هذه الآلهة ما تستطيع أن تشفع إلا بعد إِذْنِ الله، وهل يمكن أن يأذن؟ لا، لا يمكن؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم ٢٦]، ويقول عز وجل: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء ٢٨]، ومعلوم أنه سبحانه وتعالى لا يرضى عن الكافرين لا أن يشفعوا، ولا أن يُشْفَع فيهم، فتبين أن جميع ما يتعلق به المشركون في شركهم مع الله كلُّه باطل وكلُّه ممتنع؛ فإن الأسباب التي يمكن أن ينتفعوا بها واحد من أمور أربعة -نعدها-: الملك استقلالًا، الملك مشاركة، الإعانة، الشفاعة، وكل هذه الأربعة منتفية في عبادة هذه المدعُوَّة من دون الله، فانقطع جميع كل سبب يتشبث به المشركون، وحينئذ فيجب أن تكون العبادة والدعاء لمن؟ لله تعالى وحده؛ لأنه هو الذي له ملك السماوات والأرض. طيب، ما هي الشفاعة عنده؟ الشفاعة في اللغة: جَعْل الفرد شِفْعًا، أو جَعل الوِتْر شفعًا، ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ [الفجر ٣]، فضموا واحدٍ إلى واحد؟ * طلبة: شفع. * الشيخ: وضم واحد إلى ثلاثة؟ * طلبة: شفع. * الشيخ: شفع، وهكذا. لكنها في الاصطلاح: التوسط للغير في جلب منفعة أو دفع مضرة، هذه الشفاعة؛ أن تتوسَّط لغيرك إما بجلب منفعة له أو دفع مضرة، فالشفاعة لأهل الجنة أن يدخلوا الجنة في جلب منفعة، والشفاعة فيمن استحق النار ألا يدخلها وفيمن دخلها أن يُخْرَج هذه شفاعة لدفع الضرر، فلا تخرج الشفاعة عن هذين الأمرين: إما لجلب النفع، وإما لدفع الضرر. إنسان شفع لشخض في أن تُعْلَى مرتبتُه؟ جلب منفعة. شفع لشخص أن كتب عليه غرامة أن ترفع عنه الغرامة، هذه دفع مضرة. وقوله: ﴿إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ أو ﴿أُذِنَ لَهُ﴾ الإذن هنا الكوني ولَّا الشرعي؟ الكوني يعني: إلا لمن رَخَّص الله له في أن يشفع، وشرط الإذن أن يكون الله تعالى راضيًا عن الشافع أيش؟ والمشفوع له، فيأذن فيها سبحانه وتعالى كرامةً للشافع وبيانًا لفضله ورحمة بالمشفوع له وإحسانًا إليه، والله (...). ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الدعاء هنا (...). يقول الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ﴾ [سبأ ٢٠] يستفاد من هذا أن إبليس يوصف بالصدق ويوصف بالكذب وما هو الوصف اللازم له؟ الكذب؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [النساء ١٢٠]، وقال النبي ﷺ: «صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ»[[أخرجه البخاري (٢٨٠٣) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، ولكن قد يصدُق. * ومن فوائد الآية الكريمة: بيان حكمة الله عز وجل في تسليط الشيطان على بني آدم؛ وهي أن يعلم من يؤمن بالآخرة فيعمل لها ممن لا يؤمن ويكون في شك فلا يَعْمَل؛ لقوله: ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإيمان حاجز عن اتباع الشيطان؛ لقوله: ﴿فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، ولهذا يمر بكم كثيرًا: لا يؤمن أحدكم حتى يكون كذا وكذا، من كان يؤمن بالله واليوم فليقل كذا وكذا أو فليفعل كذا كذا، مما يدل على أن الإيمان حاجز عن اتباع الشيطان وموجب لاتباع هديِ الرُّسل عليهم الصلاة والسلام. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الشيطان إمام لكل ضالٍّ؛ لقوله: ﴿فَاتَّبَعُوهُ﴾، فكل الضالين إمامهم الشيطان وهم مُتَّبِعون له. * ومن فوائد الآية الكريمة -على إذا قلنا بأن ﴿مِنَ﴾ للتبعيض، وأن المراد بالاتباع الاتباع المطلق- من فوائدها: أن بعض المؤمنين قد يتبع الشيطان في بعض الأمور، لأنه قلنا: ربما يكون الاستثناء متصلًا، وتكون ﴿مِنَ﴾؛ إذ إن بعض المؤمنين قد يتبعون الشيطان في بعض الأمور مثال ذلك: «لَا يَأْكُلْ أَحَدُكُمْ بِشِمَالِهِ وَلَا يَشْرَبْ بِشِمَالِهِ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ» »[[أخرجه ابن ماجه (٣٢٦٦) عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: «ليأكلْ أحدُكم بيمينه، وليشربْ بيمينه، وليأخذْ بيمينه، وليعطِ بيمينه؛ فإن الشيطان يأكلُ بشماله، ويشربُ بشماله، ويعطي بشماله، ويأخذُ بشماله».]] إذا فعل أحد ذلك صار متبعًا للشيطان، ولهاذ كان القولُ الراجح تحريمَ الأكل بالشمال والشرب بالشمال، وأنه ليس مكروهًا بل هو حرام، والإنسان يكون عاصيًا بذلك، إلَّا إذا كان أفندينًا تَقَدُّمِيًّا حضاريًّا فإنه يأكل بالشمال. * طالب: بالشوكة. * الشيخ: لا، الشوكة ما تخالف، لكن الكلام على الشمال، إذا أكلت باليمين كُلْ بثلاث شوك ما يهم، لكن إذا أكلت باليسار هذه هي المشكلة الذي يزعم فاعلوها أنهم تقدميون وحضاريون، نعم، ولكن ليس كل تقدُّمٍ محمودًا؛ فإن الله يقول عن فرعون: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ [هود ٩٨]، طيب، إذن على هذا القول الأخير: أن ﴿مِنْ﴾ للتبعيض يكون الاستثناء متصلًا ويكون لبعض المؤمنين شيء من اتباع الشيطان لا الاتباع الكامل. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات علم الله؛ لقوله: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾، وتعلق علم الله تعالى بالموجودات سبق لنا أمس أنه ينقسم إلى قسمين: تعلق بها قبل الوجود، وتعلق بها بعد الوجود؛ فالتعلق بها بعد الوجود يكون علمه بها علم أمر واقع، والأول يكون تعلق علمه بها أنه علم بما سيقع، وبهذا يزول الإشكال في مثل هذه الآية حيث إن ظاهرها يفيد تجدد علم الله سبحانه وتعالى، لأنا نعلم أن الله سبحانه وتعالى محيط بكل شيء علمًا أزلًا وأبدًا، ومن ظن أن الله لا يعلم الشيء إلا بعد وجوده فقد كفر. * ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الآخرة ووجوب الإيمان بها، تؤخذ.. منين تؤخذ؟ * طالب: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ﴾. * الشيخ: إذن فيه إثبات الآخرة ووجوب الإيمان بها. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن الشك فيما يجب فيه اليقين كفر؛ لقوله: ﴿مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ﴾، ولم يقل: ممن هو منكر لها؛ لأنه قد تقول: ظاهر الحال إنه لما قال: يؤمن بالآخرة كان يقول اللي يقابله: (يكفر بالآخرة)، لكن قال: ﴿مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ﴾ لنستفيد منها فائدة وهو أن ما يُطلَب فيه اليقين يكون الشك فيه كالإنكار كفرًا. * ومن فوائد الآية الكريمة: عموم رعاية الله ومراقبته لكل شيء، تؤخذ منين؟ * طالب: ﴿وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾. * الشيخ: ﴿وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ صح. * ومن فوائدها: أن ربوبية الله عز وجل تنقسم إلى خاصة وعامة، والخاصة إلى أَخَصّ وإلى خاصة؛ لقوله: ﴿وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ فهذه ربوبية أخص من الخاصة، فإن ربوببة الله عز وجل لخواص عباده كالأنبياء أخص من ربوبيته لعموم المؤمنين، وربوبيته للمؤمنين أخص من ربوبيته لعامة الناس؛ شوف ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ [النمل ٩١] خاصَّة ولَّا عامة؟ * طالب: عامة. * الشيخ: يا إخوان، رب هذه البلدة خاصة كيف عامة؟ ﴿رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ بعدئذٍ لما كانت الربوبية الخاصة هنا قد تُوهِم اختصاص ربوبيته لهذه البلدة، بعد هذا قال: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ عامٌّ. ثم قال الله عز وجل: ﴿