تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ وَلَا تُطِعِ ٱلْكَـٰفِرِينَ وَٱلْمُنَـٰفِقِينَ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴿١﴾
يقول الله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الأحزاب ١]، البسملة تقدم الكلام عليها من حيث المعنى ومن حيث الإعراب، وقلنا في الإعراب: إنها جارٌّ ومجرور متعلِّق بمحذوف، وأنه ينبغي أن يُقَدَّر ذلك المحذوف فعلًا خاصًّا متأخِّرًا.
مثال ذلك: عندما تريد أن تقرأ تقول: بسم الله الرحمن الرحيم، يكون التقدير: بسم الله الرحمن الرحيم أقرأ، وهو أحسن من أن تقول: التقدير ابتدائي بسم الله الرحمن الرحيم، أو: التقدير أبتدئ بسم الله الرحمن الرحيم، لماذا؟ لأننا إذا قَدَّرْنَاه فعلًا خاصًّا كان أدلَّ على المقصود؛ فإن كلمة (ابتداء) عامة في كل ما يُبْتَدَأ به، لكن إذا عَيَّنْتَ الفعل وقلت: باسم الله أقرأ، كان أدل على المقصود، هذا واحد.
نقدِّره فعلًا؛ لأن الأصل في الأعمال هي الأفعال، ولهذا تعمل بدون شرط، وأما ما يعمل من الأسماء فإنه لا يعمل إلا بشروط، كاسم الفاعل واسم المفعول والمصدر، وما أشبه ذلك، نجعله متأخِّرًا لسببين:
السبب الأول: التبرك بالبداءة باسم الله، والثاني: الدلالة على الحصر؛ لأن تأخير العامل يدل على الحصر، أو بعبارة أعم؛ لأن تأخير ما حقه التقديم يدل على الحصر.
إذن نقول في البسملة كلما جاءت: متعلِّقة بماذا؟ بمحذوف، ويقدَّر هذا المحذوف فعلًا خاصًّا متأخِّرًا.
عندما تريد أن تتوضأ كيف نقدِّر؟ باسم الله أتوضأ، عندما يريد الإنسان أن يذبح ذبيحة يقول: التقدير باسم الله أذبح، وعلى هذا فَقِسْ.
يقول الله: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ وهنا (اسم) مضاف إلى (الله) وهو مفرد، فيُفِيد العموم، ولهذا قدَّرَه الشُّرَّاح بأن المعنى: بكل اسم من أسماء الله، والاسم مأخوذ من السمو وهو الارتفاع، وقيل: من السِّمَة وهي العلامة، ولو قيل بأنه مأخوذ من هذا وهذا لم يكن بعيدًا؛ لأنه يُظْهِر المسمي فيكون فيه معنى الارتفاع، ولأنه يُمَيِّزه فيكون فيه معنى العلامة، وأسماء الله تعالى تقدم الكلام عليها في درس التوحيد، لا حاجة إلى الكلام عليها هنا.
﴿الله﴾ عَلَمٌ على ذات الله سبحانه وتعالى، وهو أصل الأعلام، أسماء الله كما نعرف أعلام وأوصاف، لكن أصلها كلمة (الله)، ولهذا تأتي الأسماء دائمًا تبعًا لها فهي الأصل، وربما تأتي لفظ الجلالة تابعة لغيرها من الأسماء، مثل: ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١) اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [إبراهيم ١، ٢]، فهنا (الله) تابعة لما قبلها.
وقوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ اسمان مشتقان مِن ؟ من الرحمة، لكن الأول منهما يدل على الرحمة باعتبارها وصفًا لله، والثاني يدل على الرحمة باعتبارها فعلًا له، فهو رحمن وهو رحيم، مُتَّصِف بالرحمة، وفاعل للرحمة، يعني أنه سبحانه وتعالى مع كونه رحيمًا فإنه يرحم، وهذا الذي قَرَّرْتُه هو ما قرره ابن القيم رحمه الله في الفرق بين الرحمن وبين الرحيم، وإن كان بعض العلماء يفرِّق بينهما بأن الرحمن ذو الرحمة العامة، والرحيم ذو الرحمة الخاصة، ويقول: إنه يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب ٤٣]، لكن المعنى الذي أشار إليه ابن القيم أبلغ وأحسن، ولهذا جاءت (الرحمن) على وزن فَعْلَان، وهذا الوزن يدل غالبًا على السعة والامتلاء، فهو سبحانه وتعالى واسع الرحمة، وهو سبحانه وتعالى يرحم من يشاء، كما قال تعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [العنكبوت ٢١].
والبسملة آية من كتاب الله، تأتي في مبتدأ كل سورة، إلا في سورة براءة؛ فإنه ليس فيها بسملة، وذكر أهل العلم أن سبب سقوط البسملة في (براءة) أن الصحابة رضي الله عنهم أشكل عليهم هل هي من سورة الأنفال، أو هي سورة مستقلة، فجعلوا بينهما فاصلًا ولم يكتبوا ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وهذا واضح، لكن أوضح منه أنه لو كانت البسملة قد نزلت بين سورة الأنفال و(براءة) لم يمكن أن تسقط؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر ٩]، لكن لما أشكل على الصحابة هل هي مستقلة (براءة) أو من سورة الأنفال وضعوا الفاصل فقط.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾، النداء هنا للنبي صلي الله عليه وسلم بوصفه نبيًّا، وقد يناديه الله تعالى بوصفه رسولًا، فيخاطبه سبحانه وتعالى بوصفه رسولًا في مقام الرسالة كما في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ [المائدة ٦٧].
والنبي مشتَقّ، أصلها: النبيء، وقيل: أصلها: النَّبِيُو، بالواو، فعلى القول الأول يكون مشتقًّا من النبأ، وأُبْدِلَت الهمزة بالياء تخفيفًا، وعلى القول الثاني يكون مشتقًّا من النَّبْوَة وهي الارتفاع، ولا شك أن مقام النبوة أنه مقام رفيع، وأن النبي مُخْبِرٌ ومُخْبَرٌ أيضًا، فهو فَعِيل بمعنى فاعل وبمعنى مفعول.
يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾، والمراد به نبينا محمد ﷺ، يقول: ﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾، ﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾: دُمْ على تقواه، صَرَفَها المؤلف عن ظاهر لفظها؛ لأنك إذا أمرت أحدًا بشيء فالأصل أنه غير مُتَلَبِّس به، فإذا قلت: يا فلان قُمْ، فهل هو قائم، ولَّا لا؟ لا، هذا هو الأصل، الأصل أن الأمر إنشاء ما لم يكن، فإذا قلت: يا فلان قم، أو يا فلان اقعد، فإنه حين توجيه الأمر إليه ليس متصفًا بهذا الوصف، أليس كذلك؟
النبي عليه الصلاة والسلام قال الله له: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾، فلو أخذنا بظاهر العبارة لكان النبي صلي الله عليه وسلم حين توجيه الخطاب إليه لم يكن مُتَّقِيًا، وهذا أمر لا يمكن، لذلك يكون معنى ﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾ أي: دم على تقواه، ومن هنا نأخذ أن الأمر بالشيء قد يكون أمرًا بتجديده، وقد يكون أمرًا بالاستمرار عليه، عرفتم؟
وقد يكون أمرًا بالتفصيل لهذا المأمور به، فمثلًا إذا قلت: يا أيها المؤمن آمِنْ، فالمعنى: دُمْ على إيمانك وحَقِّقْه.
وفي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ﴾ [النساء ١٣٦]، الأمر هنا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللّهِ﴾، أي: دُومُوا عليه، لكن فيه تفصيل، يعني: آمَنُوا مُجْمَلًا، ثم قال: ﴿آمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ﴾.
فصار إذن توجيه الأمر في الأصل يوجَّه الأمر في الأصل إلى مَن لم يكن مُتَلَبِّسًا به، هذا هو الأصل، وقد يوجَّه إليه لطلب الاستمرار، وقد يوجَّه إليه لبيان التفصيل، كما في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ﴾، وقوله: ﴿اتَّقِ اللَّهَ﴾ دائمًا تأتي التقوى في القرآن الكريم كثيرًا، فما معنى التقوى، ومن أين هي مشتقة؟ نقول: هي مشتقة من الوقاية، ولهذا يقولون: إن أصل التاء فيها واو، فتَقْوَى بمعنى وَقْوَى هذا أصلها، وإذا كانت بمعنى الوقاية فإن التقوى هي أن يتخذ الإنسان وقاية من عذاب الله عز وجل، ولا وقاية من عذاب الله إلا بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وعلى هذا فنقول: إن المراد بالتقوى فِعْل أوامر الله واجتناب نواهيه.
ومن المعلوم أننا إذا قلنا: فِعْل أوامر الله، أوامر مضاف إلى الله، أن الإنسان سينوي بهذا الفعل امتثال أمر الله، وكذلك إذا قلنا: اجتناب نَهْي الله، فإن الإنسان سيجتنبه؛ لأن الله نهى عنه؛ لأن مجرد الفعل بدون نية ليس بتقوى، ومجرد الترك بدون نية ليس بتقوى، لكن لما كان الفعل والترك مضافًا إلى الله صار لا بد فيه من النية.
﴿اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ فيما يخالف شريعتك، ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ عَطْف قولِه: ﴿وَلَا تُطِعِ﴾ على ﴿اتَّقِ اللهَ﴾ من باب عطف الخاص على العام؛ لأن ترك طاعة هؤلاء من تقوى الله عز وجل، فيكون عطفه على التقوى من باب عطف الخاص على العام، وهذا كثير في القرآن والسنة وكلام العرب.
﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾، الكافر هو الذي صرَّح بكفره وأعلنه، وأما المنافق فهو الذي أخفى كُفْرَه، وأَظْهَرَ أنه مؤمن، فمن اين اشتُقّ الكفر أو الكافر؟
يقولون: إن الكُفْر في الأصل الستر، ومنه: الكُفُرَّى وهو غلاف الطلع؛ لأنه يستره، هذا في الأصل، وسُمِّي الذي لا يؤمن بالله كافرًا لأنه سَتَرَ نعمة الله عز وجل، وجحد شريعته، فصار بذلك ساترًا للحق، وساترًا للنعمة التي أنعم الله بها عليه، وأما النفاق فإنه مأخوذ من نَافِقَاء اليربوع، اليربوع دويبة معروفة تتخذ بيتًا في الأرض، وتحفر الجحر وتجعل له بابًا، وتجعل في آخره بابًا مُغْلَقًا بشيء من التراب، بمعنى أنها تحفر، إذا وصلت إلى منتهى الحجر حفرت إلى أن يبقى عليها شيء قليل من طبقة الأرض، بحيث إذا دفعته برأسها، أو إذا دفعه برأسه انفتح، هذه هي النافقاء، لماذا يصنع ذلك؟ لأجل إذا حُجِرَ من باب الْجُحْر خرج من هذا، فهكذا المنافق إذا خُوطِب بالإيمان قال: إنه مؤمن، فتخلَّص، كما أنه إذا أتى إلى قومه يقول: إنه كافر، فيتخلَّص من ملامة هؤلاء وملامة هؤلاء.
﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾، معلوم أن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يمكن أن يطيع الكافر، لكن الذي قد يمكن أن يطيع المنافق؛ لأن المنافق لا يُحِسّ بنفاقه وكفره، ولا يُعْلَم عنه، فقد يغتر به الإنسان، فلهذا قدَّم الله الكافرين هنا على المنافقين، مع أنه في باب الوعيد يقدِّم المنافقين على الكافرين، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء ١٤٠]، وقال تعالى: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ﴾ [الأحزاب ٧٣].
﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ يقول المؤلف: (فيما يخالف شريعتك)، هذا القيد يقتضي تخصيص النهي، مع أن النهي مطلَق ﴿لَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾، فما الذي حمل المؤلف على أن يقيِّده بما يخالف الشريعة؟ حمله على ذلك لأنه لو فُرِضَ أن الكافر أو المنافق أَمَرَ بما يوافق الشريعة لكان لزامًا علينا أن نطيعه، لا لأنه أَمَرَ، ولكن لأن هذا مقتضى الشريعة، هذا وجه.
ووجه آخر هو أن يقال: إن تقييد المؤلف ذلك بيان للواقع؛ لأن الكافر والمنافق لعداوتهما لشريعة النبي صلي الله عليه وسلم لا يمكن أن يأمر إلا بما يخالف الشريعة، فيكون هذا القيد بيانًا للواقع، والقيد الذي يكون بيانًا للواقع لا يقيِّد؛ لأنه لا يراد.
وأظن أن في ذلك أمثلة مرت علينا كثيرًا، فمن يأتي لي بمثال يكون فيه القيد بيانًا للواقع وغير مراد؟ (...) إلى شيء لا ينفعهم، ولكن هذا بيان للوقع.
وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة ٢١]، فإن قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ قَيْد مُبَيِّن للواقع، وليس المعنى أن هناك ربًّا لم يخلق وربًّا خلق، واضح؟ الأمثلة في هذا كثيرة، فهنا يمكن أن نحمل كلام المؤلف في قوله: (فيما يخالف شريعتك ) على أنه بيان للواقع، وهو أن الكافر والمنافق لا يمكن أن يأمران إلا بما يخالف الشريعة؛ لأن الكافر كافر بها، والمنافق أيضًا كافر بها لكنه يُظْهِر الإيمان.
ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا﴾ بما يكون قبل كونه، ﴿حَكِيمًا﴾ فيما يخلقه، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ هذه الجملة محلها أو موضعها مما قبلها في المعنى تعليلية، ووجه كونها تعليلًا لما قبلها أن الله لَمَّا أمر نبيه ﷺ بالتقوى، ونهاه عن طاعة الكافرين بَيَّنَ أن هذا الأمر والنهي صادر عن علم وحكمة، وأنه سبحانه وتعالى أعلم بما يكيده هؤلاء الأعداء من الكفار والمنافقين، فلا تطعهم فليسوا أهل نصر لك أبدًا.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا﴾ بما يكون قبل كونه، هل هذا التقييد صحيح؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ليش؟ لأنه عليم بما يكون قبل كونه وبعد كونه حال كونه موجودًا، وبعد كونه حال كونه معدومًا، فإن علم الله تعالى يتعلق بالأشياء في أحوالها الثلاث؛ قبل الوجود، وحين الوجود، وبعد العدم، ولَّا لا؟
قبل الوجود وحين الوجود وبعد العدم، عرفتم؟ عِلْم المخلوق لا يتعلق بالأشياء في هذه الأحوال كلها، قبل الوجود معلوم أنه لا يعلمه، وحين الوجود يعلمه –مثلًا-، لنفرض أنه يعلمه، وبعد العدم قد ينساه، ولَّا لا؟ فعلم المخلوق محفوف بنقصين: جهل سابق، ونسيان لاحق، أما الله عز وجل فإن علمه كامل جملة وتفصيلًا في جميع الأحوال، قبل الوجود، وحين الوجود، وبعد العدم، ولهذا قال موسى عليه السلام: ﴿عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى﴾ [طـه ٥٢]، فنفى عنه الضلال الذي هو الجهل، والنسيان الذي هو الذهول عن الشيء بعد علمه.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا﴾ إذا نقول: ﴿عَلِيمًا﴾ بما يكون قبل كونه، وبما يكون حين كونه، وبما يكون بعد عدمه، في كل الأحوال.
﴿حَكِيمًا﴾ مرت علينا كثيرًا، وبَيَّنَّا أنه مشتق من الحكمة والْحُكْم، من الحكمة والحكم، وأن حكم الله عز وجل كوني وشرعي، وأن الحكمة نوعان أيضًا: غائية وصورية؛ صورية مو معناها أنها بالصورة فقط، لكن كون الشيء على هذه الصورة حكمة، والغاية منه حكمة أخرى.
فإذا كان كذلك فكم تكون الأقسام؟ أربعة؟ نعم، نشوف: حُكْم مشتمل على الحكمة في صورته وغايته، حكم كوني، حكم شرعي مشتمل على الحكمة في صورته وفي غايته، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾، وهنا إشكال في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ﴾؛ لأن المعروف أن الشيء الماضي قد مضى، ﴿كَانَ عَلِيمًا﴾ فهل يفيد أنه الآن ليس بعليم ؟ لا، لماذا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، ما هو هذا؛ لأن (كان) قد تكون مسلوبة الزمان، ويُقْصَد بها اتصاف اسمها بخبرها، وتَحَقُّق ذلك الاتصاف بدون أن يلاحظ الزمن فيها، عرفتم؟ وهي كلما جاءت بالنسبة إلى الله تعالى وأسمائه وصفاته فإنها على هذا الباب، أيش؟ أنها تفيد تحقُّق اتصاف الموصوف الذي هو اسمها بصفته وهو خبرها، بقطع النظر عن الزمان، فعليه نقول: إن الفعل هنا مسلوب الزمان، يعني: لم يزل ولا يزال عليمًا حكيمًا.
العلم والحكمة من الصفات الذاتية أو الفعلية ؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: من الصفات الذاتية؛ لأن الله لم يزل ولا يزال عليمًا، ولم يزل ولا يزال حكيمًا، والله أعلم. (...)
وفي لفظ ﴿إِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ ، ﴿يَعْمَلُونَ﴾ حسب النسخة اللي عندي.
﴿