تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَٱنتَظِرْ إِنَّهُم مُّنتَظِرُونَ ﴿٣٠﴾
فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾ [السجدة ٣٠].
* يستفاد من الآية الكريمة: أن الْمُكَابِر يُعْرَض عنه ويُتْرَك حتى ينزل به العذاب، فإذا رأيت مَن يكابر تأمره بالحق ولكن يكابر ويجادل ويعاند فاتركه؛ لأن بقاءك معه لا يجدي شيئًا، فالإنسان المكابِر الذي يقول: هذه ليست بشمس، ولكن هذا قمر، تقول: الآن نحن في النهار في الضحى وشوف الشمس ، قال: لا، أنت غلطان، نحن الآن بعد صلاة العشاء، وهذا الذي ترى إنما هو القمر، تتكلم معه؟ أبدًا، تطلب مَن يقرأ عليه أو مَن يداويه؛ لأنه مجنون، كذلك مَن تُرِيه الحق مثل الشمس، والحق أَبْيَن من الشمس، ثم يقول: لا، هذا غير صحيح، فإن هذا ينبغي أن يُطْلَب له مَن يداوي عقله قبل فكره، هذا مُكَابِر ما فيه فائدة الكلام معه، ولهذا يقول الشاعر:
كَيْفَ يَصِحُّ فِي الْأَذْهَانِ شَيْءٌ ∗∗∗ إِذَا احْتَاجَ النَّهَارُ إِلَى دَلِيـــــلٍ
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الْمُكَذِّب ماذا ينتظر بتكذيبه؟ ما ينتظر إلا العذاب، ﴿إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾، وأما تفسير المؤلف: ﴿إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾ أن يَحِلّ بك هلاك أو نحوه فهذا فيه نظر، بل يقال: إنهم منتظرون للعذاب بكونهم استمروا على كفرهم، فهم كالمنتظِر لما ينزل بهم.
وقد يقال: إن الآية تشمل المعنيين جميعًا، يعني: هم ينتظرون (...) أن تموت، وينتظرون عذابهم باستمرارهم على المعصية، كما قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾ [الطور ٣٠، ٣١]، ﴿وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾ [السجدة ٣٠] نسأل الله العافية.
* طالب: الانتظار هو الترقب؟
* الشيخ: إي نعم، الترقب.
* الطالب: يقال: إنهم ينتظرون العذاب الأليم.
* الشيخ: نعم، كيف؟ هم ينتظرونه، سواء أحسوا بذلك أو ما أحسوا؛ لأن مآلهم إلى العذاب -والعياذ بالله- ولهذا إذا مات الكافر يُعَذَّب على طول، بل هو يُحِسّ بالعذاب في حال النَّزْع، ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون ٩٩، ١٠٠]، قال الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون ١٠٠].