×

السجدة

الآية ٢٦

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّنَ ٱلْقُرُونِ يَمْشُونَ فِى مَسَـٰكِنِهِمْ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَـَٔايَـٰتٍ ۖ أَفَلَا يَسْمَعُونَ ﴿٢٦﴾

أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ﴾ [السجدة ٢٦]. * يستفاد من هذه الآية الكريمة: استعمال ضرب الأمثال، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا﴾، يعني: فإذا كنا أهلكنا مَن قبلهم فسنهلكهم إذا كانوا مثلهم، ولهذا قال الله تعالى في سورة يوسف: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف ١١١]. * ومن فوائد الآية الكريمة: الاستدلال بالشيء المحسوس على الشيء المعقول؛ لقوله: ﴿يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾، أو بعبارة أخرى الاستدلال بعين اليقين على صدق علم اليقين، ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ﴾ هذا أيش؟ علم اليقين، ﴿يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ هذا عين اليقين، نعم. * ومن فوائد الآية الكريمة: جواز المشي بدار المعذَّبِين ومساكنهم، منين نأخذه؟ * طالب: (...). * الشيخ: قال: ﴿يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾، هل ذِكْر الخبر عن الشيء يفيد حِلَّهُ؟ * طالب: نعم. * الشيخ: لا، ما يفيد في الواقع، الحقيقة أنه لا يفيد، يعني كون هذا هو الواقع إنهم يمشون في مساكنهم ما يدل على أن هذا مشي مأذون فيه، أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ الظَّعِينَةَ تَمْشِي مِنْ حَضْرَمَوْتَ إِلَى عَدَنَ أَوْ إِلَى صَنْعَاءَ لَا تَخْشَى إِلَّا اللهَ»[[أخرج الحميدي في مسنده (٩٤٠) عن عدي بن حاتم، قال: قال رسول الله ﷺ: «كيف بك إذا أقبلَت الظعينة من أقصى اليمن إلى قصور الحيرة لا تخاف إلا الله»، وأخرج البخاري (٣٥٩٥) عنه أنه حاتم قال: بينا أنا عند النبي ﷺ إذ أتاه رجل فشكا إليه الفاقة، ثم أتاه آخر فشكا إليه قطع السبيل، فقال: «يا عدي، هل رأيت الحيرة؟» قلت: لم أرها، وقد أنبئت عنها، قال «فإن طالت بك حياة لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدًا إلا الله...». الحديث.]] ، والظعينة وحدها حرام تمشي ولَّا لا؟ * طالب: إي نعم. * الشيخ: حرام، وقال الرسول: «لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ»[[أخرجه أحمد (٢١٨٩٧) من حديث أبي واقد الليثي رضي الله عنه.]] ، اليهود والنصارى، وهذا حرام ولَّا حلال؟ * طالب: حرام. * الشيخ: حرام، فالإخبار عن كونهم يمشون في مساكنهم ما يدل على أن المشي حلال، لكن هل يدل على أنه حرام؟ لا يدل على أنه حرام، لا على أنه حلال، ولا على أنه حرام، فنرجع إذن إلى الأدلة الدالة على ذلك؛ على التحريم أو التحليل، نجد أن الأدلة تدل على أن السير فيها جائز، وأما السُّكْنَى فلا تجوز، ومع ذلك وقد قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُعَذَّبِينَ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ، فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٧٠٢)، ومسلم (٢٩٨٠ / ٣٨) من حديث ابن عمر رضي الله عنه.]] ، واضح؟ فالإنسان اللي يقصدها نقول: لا تدخلها إلا باكيًا، وأما الذي يمر بها مرورًا فله أن يمر، ولكن يُسْرِع كما أسرع النبي عليه الصلاة والسلام. أما الذهاب إلى هذه المساكن من أجل أن يتفرج يقول: ما شاء الله، والله حضارة عظيمة هذه، شوف الحضارة القديمة، هل يوجد حضارة جديدة مثلها؟ ويُشَمّ من كلامه تعظيم هؤلاء، فهذا من السير في الأرض المأمور به، توافقون؟ * طلبة: لا. * الشيخ: لا نوافق، هذا من السير في الأرض المنهي عنه؛ لأن كوننا ندخل على هؤلاء نتفرج مُنْبَسِطِينَ مُنْبَهِرِين بقوتهم متناسين ما وقع بهم من العذاب لمخالفتهم أمر الله ورسله، هذا مذموم وليس محمودًا، ولا مأمورًا به، وعليه فنقول لكل مَن أراد أن يذهب إلى هذه البلاد: إذا كنتم فعلتم ذلك على سبيل النزهة فهذا حرام عليكم، أما على سبيل الاعتبار والاتعاظ بما جرى لهم من العذاب والنكال، وأن تتأثروا بذلك حتى تبكوا، فهذا جائز، وإلا فلا تدخلوا، لا تُعَرِّضُوا أنفسكم للعذاب. * طالب: شد الرحال؟ * الشيخ: شد الرحال ما فيه بأس، لأنه ما هو على سبيل التعبد لهذا المكان نفسه. * ومن فوائد الآية الكريمة: أن في إهلاك الأمم عبرة وآية؛ لقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ﴾، فهو آية؛ لكون الله تعالى أخذهم وأهلكهم مع قوتهم، وهي عبرة أن الله أخذهم، لماذا؟ لمخالفته، كما قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ [غافر ٢١]، وقال في آية أخرى: ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الحجر ٨٤]، وقال في آية أخرى: ﴿أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا﴾ [الروم ٩]، كل هذا يفيد بأنه يجب علينا نحن أن نعتبر بهذه الآيات، وأن نخاف. ثم قال تعالى: ﴿