×

لقمان

الآية ٢٨

تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين

مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَٰحِدَةٍ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌۢ بَصِيرٌ ﴿٢٨﴾

مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان ٢٨] خلقًا وبعثًا؛ لأنه بكلمة (كُن) فيكون). لأنه يعني الخلق والبعث؛ ما خلقكم جميعًا إلا كنفسٍ واحدةٍ، وما بَعْثكم جميعًا إلا كنفسٍ واحدةٍ، إذَن الكثرة لا تُعجز الله عز وجل؛ لأن الكثرة عنده والقِلَّة على حدٍّ سواء، الكلُّ تتعلق به القدرة، وهو كلُّه سهلٌ عليه؛ لأنه يكون بأيِّ كلمة؟ بكلمة (كُن)، فالله عز وجل لَمَّا خلق السماوات والأرض هل احتاج إلى عُمَّال وعوامل. * طلبة: لا. * الشيخ: في هذه نقول: إذا كان البناءُ واسعًا كان أشقَّ، وإذا كان ضيقًا كان أهون؟ لا، إنما هو بكلمة (كُن)، وما كان بكلمة (كُن) فلا فرق بين أن يكون كثيرًا أو قليلًا، ولهذا قال الله عز وجل في آية أخرى: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ [النحل ٧٧]، يعني: بل هو أقرب من لمح البصر، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر ٥٠] هذا غاية ما يكون من السرعة والإنجاز، وقال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات ١٣، ١٤] كل هذا يدلُّ على كمال قدرته عز وجل. فإن قال قائل: إذا كان الأمر كذلك فلماذا خلق السماوات في ستة (...)؟ كيف مقرونة بالحكمة؟ لأن هذا الخلْق يحتاج إلى أشياء؛ مقدِّمات وأسباب يحصل بها كمالُ الخلْق. أليس الله قادرًا على أن يخلق الجنين في بطن أُمِّه بدون أن يتناولها رجُل؟ * طلبة: بلى. * الشيخ: بلى، كما حصل في عيسى، ومع ذلك فإنَّ الله تعالى قد جعل لهذا أسبابًا، إيصالُ ماء الرجل للمرأة، ثم بعد ذلك الجنين يتطوَّر شيئًا فشيئًا حتى يصل إلى الغاية، ثم إذا كان قابلًا لأن يخرج إلى الدنيا خرج، ثم مع ذلك ينمو شيئًا فشيئًا، ما يأتيه العقل كاملًا دفعة واحدة، ولا يأتيه النموُّ دفعة واحدة، ولكنَّه على وَفْق الحكمة، فيكون هذا الجواب عمَّا يَرِد في الذهن أو يُورَد على المرء: لماذا خلق الله السموات والأرض في ستة أيام؟ ولماذا يخلق الجنين في بطن أُمِّه لمدة تسعة أشهر؟ وما أشبه ذلك. فالجواب أنَّ أفعاله مقرونةٌ بحكمة، وأنَّه سبحانه وتعالى جعل لك الأسباب مربوطة بمسبَّباتها، فلا بدَّ من أن يكون هناك سببٌ وينتج عنه مسبَّبٌ، ولا بدَّ من أن يكون هذا السبب مطابقًا موافقًا حتى يتمَّ الخلق على كماله. ﴿إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ (﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ يسمع كلَّ مسموع، ﴿بَصِيرٌ﴾ [لقمان ٢٨] يبصر كلَّ مبصَرٍ لا يشغله شيءٌ عن شيءٍ). ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾.. * طالب: (...). * الشيخ: مبصَر. * الطالب: (...). * الشيخ: لا، كل مبصَر، وكل مبصَر فهو مخلوق، ما ثَمَّ إلا خالقٌ أو مخلوقٌ، يعني كأنك تقول إن (...) ما يبصر نفسه. * الطالب: (...) المبصَرات الحسية. * الشيخ: لا، كل مبصَر يعني كل ما من شأنه أن يتعلَّق به البصر، (...) أنا ما أُبصِره لكنَّ الله عز وجل يُبصره، الآن نتفاوت في شيءٍ يُبصره زيد ولا يُبصره عمرو. ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ تقدم أنَّ السميع ينقسم إلى قسمين: قِسم بمعنى مجيب، وقِسم بمعنى سامع؛ يعني مُدرك للأصوات. فالسميع الذي بمعنى مجيب مثل قول إبراهيم: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم ٣٩] أي: مجيبه، ومن المعلوم أيضًا أنه لا يجيبه إلا بعد أن يسمعه سمعَ إدراكٍ، ولكن الفائدة من الدعاء هي إجابة الداعي، أمَّا مجرَّد أن يُسمَع دعاؤه فلا فائدة له من ذلك حتى يُجاب. وتقدَّم أنَّ سمع الإدراك ينقسم إلى ثلاثة أقسام، ما هي؟ ما يفيد التهديد، وما يفيد التأييد، وما يفيد سعة سمع الله سبحانه وتعالى وإدراكه لكل مسموع. فممَّا يفيد التهديد قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف ٨٠] هذا الغرض منه أيش؟ التهديد. ومما يفيد التأييد قوله تعالى لموسى وهارون: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه ٤٦]. ومما يفيد الشمول، شمولَ سمع الله عز وجل لكلِّ ما يُسمع، مثل قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾ [المجادلة ١]، ولهذا قالت عائشة: «تبارك الذي وسِعَ سمعُه الأصوات، إنِّي في طرف الحجرة وإنَّه ليخفى عليَّ بعضُ حديثهم»[[أخرجه النسائي (٣٤٦٠)، وابن ماجه (١٨٨) من حديث عائشة.]]، والله عز وجل من فوق سبع سماوات يسمع هذا الحديث والتحاور كلَّه لم يَفُته سبحانه وتعالى شيء. أما قوله: ﴿بَصِيرٌ﴾ فالبصير.. * طالب: المعنى الثاني للسميع. * الشيخ: هذا بمعنى إدراك المسموع. * الطالب: قلنا: بمعنى المجيب. * الشيخ: بمعنى المجيب وبمعنى المدرِك للأصوات؛ سامع للأصوات، وسمع الأصوات قلنا: ينقسم إلى ثلاثة أقسام، واضح؟ أمَّا بالنسبة للبصير؛ فالبصير بمعنى المبصِر؛ أي: مدرِك ببصره سبحانه وتعالى، فللَّهِ تعالى بَصَرٌ يُبصِر به المبصَرات؛ كما جاء في الحديث الصحيح: «حِجَابُهُ النُّورُ، لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ»[[أخرجه مسلم (١٧٩ / ٢٩٣) من حديث أبي موسى.]]. وقد يكون البصير أيضًا دالًّا على العلم؛ مثل: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة ٢٦٥] أي: عليمٌ به، وعند الناس الآن إذا قالوا: فلان بصيرٌ بالأشياء؛ يعني: عنده علمٌ بها وخبرة. ثم قال تعالى: ﴿