تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱلَّيْلَ فِى ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِى ٱلَّيْلِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِىٓ إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى وَأَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴿٢٩﴾
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ إلى آخره [لقمان: ٢٩]. الهمزة هنا للاستفهام التقريري؛ فمعنى ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ قد رأيتَ، فهو يقرِّر سبحانه وتعالى هذه القضية المشاهَدة المعلومة لكلِّ أحد، والخطاب في قوله: ﴿تَرَ﴾ إمَّا للرسول عليه الصلاة والسلام أو لكلِّ مَن يصلح للخطاب، والمعنى الثاني أشمل وأعمُّ، فتكون شاملةً لكلِّ مَن يصلح له الخطاب.
﴿أَلَمْ تَرَ﴾ أيُّها الرائي المخاطَب (﴿أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ﴾ يُدخل ﴿اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ﴾ يُدخله ﴿فِي اللَّيْلِ﴾ )، وهذا الإيلاج والإدخال لا يكون إلا بقدرةٍ عظيمة.
وكيف الإيلاج ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾، هل المراد إقبالُ الليل وإقبالُ النهار؛ لأنك ترى الليلَ إذا أقبل يدخل سوادُه في النهار، يدخل على النهار ويطرده، وتري النهارَ إذا أقبل يَلِج في الليل فيطرده، فيكون هذا عبارة عن تقرير طلوع الفجر، وأيش بعد؟ وإقبال الليل.
وقد أقسم الله تعالى بذلك في القرآن الكريم؛ ﴿وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣) وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾ [المدثر ٣٣، ٣٤] ولا يُقسم بشيءٍ من المخلوقات إلا لعِظَمه، فيكون معنى الإيلاج الإدخال به؛ إدخال الليل بالنهار أو بالعكس، متى؟ عند كلِّ صباح وعند كلِّ مساء، هذا وجه.
أو أنَّ المعنى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾ بمعنى أنَّه يزداد النهارُ مدَّةً حتى يدخل في الليل، ويزداد الليلُ مدَّةً حتى يدخل في النهار؛ يعني يطول النهار فإذا طال أخَذ من الليل، فمعنى ذلك أنَّه دخل عليه، ويطول الليلُ فإذا طال أخَذ من النهار فيكون قد دخل عليه واختلسَ منه. أي: هذا أيضًا معنى لكلمة الإيلاج.
وكلاهما معنى صحيح؛ ففي إقبال الليل وإدباره آيةٌ عظيمةٌ من آيات الله، وفي كون هذا يزيد وهذا ينقص أيضًا آيةٌ من آيات الله عز وجل؛ لأن الخلْق لو اجتمعوا كلهم على أن يأتوا بالليل في النهار أو بالنهار في الليل ما يستطيعون، لو اجتمعوا كلهم على أن يزيدوا في النهار دقيقة واحدة أو في الليل دقيقة واحدة يستطيعون ولَّا لا؟
* طلبة: لا.
* الشيخ: ما يستطيعون مهما أُوتوا من قوَّة، إذَنْ فهذا دليلٌ على كمال قدرة الله عز وجل.
ثم إنَّ في إيلاج الليل في النهار على المعنى الثاني، هو بالعكس، فيه دليل على رحمة الله؛ لأن تناوُب الليل والنهار في الزيادة والنقص فيه مصلحة عظيمة جدًّا؛ لأن الليل إذا طال حصل البردُ والشتاءُ، وظهرت أشجار الشتاء، وماتت الحشرات التي قد يكون بقاؤها ضارًّا للإنسان والنبات، وكذلك إذا ازداد النهار ازداد الحرُّ، ونضجت الثمار، وزال البخار من الأرض، وماتت بذلك حشراتٌ كثيرة من أجْل الحرِّ لو أنها بقيتْ وتنامتْ لأضرَّتْ بالناس، فيكون هذا فيه أيضًا دليل على كمال الحكمة والرحمة مع القدرة.
يقول المؤلف: (﴿يُولِجُ﴾ يُدخِل ﴿اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ﴾ يُدخِله ﴿فِي اللَّيْلِ﴾ فيزيد كلٌّ منهما بما نقص من الآخر ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ ) أي: ذلَّلهما. لأي شيء؟ لمصالح العِباد، والدليل على ذلك قوله تعالى في الآية العامة الشاملة: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية ١٣]، ﴿سَخَّرَ لَكُمْ﴾ شوف كلمة ﴿لَكُمْ﴾، إذَنْ كلُّ ما ذُكِر من تسخيرٍ في الكون فهو لبني آدم، ولهذا يقال في بعض الآثار: «يَا ابْنَ آدَمَ، خَلَقْتُكَ مِنْ أَجْلِي، وَخَلَقْتُ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ أَجْلِكَ»[[لم نقف عليه، وقد ذكره الأبشيهي بنحوه في المستطرف (١ / ٧٨).]]، والله عز وجل يقول: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات ٥٦]، ويقول: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة ٢٩]، ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾.
* طالب: (...).
* الشيخ: (...). ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ أي: ذلَّلهما لمصالح العِباد، وذكر الشمس والقمر بعد ذِكْر الليل والنهار لأن الشمسَ آيةُ النهار والقمرَ آيةُ الليل؛ لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ وهو القمر ﴿وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ [الإسراء ١٢]، ولذلك فالقمر ما فيه نور، ممحو، إنما يستفيد نوره من الشمس، كلَّما قابلها ازداد نورُه فإذا تَمَّت المقابلة بينه وبين الشمس في ليالي الإبدار كمُل نوره، ثم كلَّما ضعفت المقابلة ضعف نوره.
* طالب: شيخ، الآية يتبادر منها أنه الإدخال؛ الإيلاج (...) الطول (...).
* الشيخ: كلٌّ صالح، كله إيلاج.
* الطالب: الطول إيلاج! كيف (...)؟!
* الشيخ: لأن النهار يدخل في الليل؛ (...) إذا قدَّرنا أننا الآن في تساوي الليل والنهار، كم الليل؟
* الطالب: اثنتا عشرة ساعة.
* الشيخ: والنهار؟
* الطالب: اثنتا عشرة ساعة.
* الشيخ: طيب، يطول النهار فيكون ثلاثة عشر ساعة، ويكون الليل؟
* الطالب: إحدى عشرة.
* الشيخ: إحدى عشرة، إذنْ دخل النهارُ في الليل؛ أي: في زمن الليل.
* الطالب: يعني في الزمن، زمن الليل.
* الشيخ: في زمن الليل، وكذلك بالعكس.
(﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ﴾ منهما ﴿يَجْرِي﴾ في فَلَكه ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ وهو يوم القيامة).
﴿كُلٌّ يَجْرِي﴾، ﴿كُلٌّ﴾ هذا التنوين يقول النحويون: إنه عوض عن محذوف، عن كلمة؛ يعني: كلُّ واحدٍ من الشمس والقمر يجري إلى أجلٍ مُسَمًّى.
العجيب أنه رُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «إنَّ الشمس والقمر يجريان في فَلَكهما في النهار، ويجريان في فَلَكهما تحت الأرض في الليل»[[أخرجه ابن منده في التوحيد (٥٨) من حديث ابن عباس.]]، وهذا يدلُّ على أنَّ ابن عباس يرى أنَّ الأرض كروية؛ لأنه إذا صار يجري تحت الأرض فمعناه أنها كروية، وهو كذلك؛ لأن الشمس والقمر في الليل يجريان تحت الأرض كما قال رضي الله عنه.
* طالب: أي أرض؟
* الشيخ: أرضنا هذه، تكون تحتها.
* الطالب: والأراضي الباقية؟
* الشيخ: (...)..
* الطالب: أقول: الأرضين الباقية، الست الباقية، يعني تحت.
* الشيخ: إي نعم، الست الباقية تحتنا، يعني الأرض طبقات، (...)، طبقات بعضها فوق بعض، ألَمْ ترَ إلى البيضة فيها القشرة الأعلى، ثم القشرة الثانية: (...) الذي يليه البياض، ثم البياض، ثم قشرة رقيقة، ثم الأصفر، والأصفر أيضًا طبقات، الأرض مثل البيضة هكذا، كذلك أيضًا السماوات نفس الشيء؛ طبقات مكوَّرة.
* طالب: يعني ما هي منفصلة؟
* الشيخ: (...) منفصلة؟
* الطالب: يعني الأرضين ما هي منفصلة عن بعضها.
* الشيخ: إي، فيه خلاف؛ بعض العلماء يقول: إن بينها فصْل وهواء؛ يعني مثلما أن السماوات بينها هواء وفصْل، وبعضهم يقول: ما بينها فصْل.
* الطالب: قلنا: إنه تدور الشمس والقمر من تحت الأراضي كلها؛ الأرضين السبع.
* الشيخ: الآن الأرضون السبع هي الكتلة الآن، كتلة الأرض هذه اللي يسمُّونها الكرة الأرضية هذه متضمِّنة للسبع، السبع في جوفها، والدليل على هذا قوله عليه الصلاة والسلام: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا طُوِّقَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٥٢)، ومسلم (١٦١٠ / ١٣٧) من حديث سعيد بن زيد.]]؛ لأنه إذا ظلم الأرضَ العُليا اللي نحن عليها الآن هو معناه اعتدى على التي تحتها والتي تحتها والتي تحتها إلى السابعة، ولهذا عند العامة الآن يقولون: (...).
* * *
.. ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ﴾؛ يعني: وألَمْ ترَ أنَّ الله بما تعملون خبير. هنا الرؤية بمعنى العِلم في الموضعين كما قدَّرها المؤلف؛ يعني: أوَلَمْ تعلم أنَّ الله بما تعملون خبير.
فإن قال قائل: علمي بأنَّ الله يولج الليلَ في النهار وأنه سخَّر الشمسَ والقمرَ علمٌ طريقُه الحسُّ، أنا أشاهد ذلك، لكن ﴿وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [لقمان ٢٩] ما طريق هذا العلم، هل هو الحسُّ الشاهد أو الخبر الصادق؟
الخبر الصادق لا شك، نحن نعلم أنَّ الله بما نعمل خبير لأنه أعلمَنا بذلك سبحانه وتعالى وهو أصدق القائلين.
لكن هل نحن نعلم ذلك أيضًا عن طريق الحسِّ الشاهد أو لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: كيف ذلك؟ نقول: نعم، نعلم ذلك لما نشاهد من عقوبات المعاصي مثلًا، ومن ثواب الطائعين، ومما يحدث للإنسان نفسه من أثر الطاعة ومن أثر المعصية؛ الإنسان المؤمن يحصل له من المعصية أثرٌ سيِّئٌ في نفسه، حتى إنَّ بعض الناس يضيق صدره ولا يدري أيش السبب، لكن سببه معصية خفيت عليه؛ كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ مِئَةَ مَرَّةٍ» »[[أخرجه مسلم (٢٧٠٢ / ٤١) من حديث الأغر بن يسار.]]، أو كما قال عليه الصلاة والسلام، فالإنسان يحس بعلم الله عز وجل وخبرته بما يعمل من الآثار.
* طالب: (...).
* الشيخ: من الآثار، فالحاصل الآن أن ﴿وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ نقول: نحن نعلم ذلك عن طريقين هما: الخبر الصادق، والحسُّ الشاهد؛ نُحِسُّ بذلك بما نرى من آثار أعمالنا الصالحة أو آثار أعمالنا السيئة.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، هذا أيضًا من العلامات، فالحاصل من هذا يكون هذا التقرير -﴿أَلَمْ تَرَ﴾ تعلم- تقريرًا للأمر الواقع المشاهَد المحسوس والأمر المعلوم به عن طريق الخبر الصادق (...).
* * *
.. قال الله تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [لقمان ٢٦].
* يستفاد من هذه الآية: أنَّ مُلك السماوات والأرض لله وحده، وطريق الفائدة منها؟
* طالب: طريق الفائدة لأنَّ كل ما في الكون (...) لله سبحانه وتعالى.
* الشيخ: (...) لكن يختصُّ به الله، فما هو الطريق الدالُّ على اختصاص الله تعالى به من الجملة؟
* طالب: (...) الاختصاص.
* الشيخ: نعم، ما طريقه؟
* الطالب: تقديم الجار والمجرور.
* الشيخ: تقديم الخبر.
* الطالب: تقديم الخبر على المبتدأ (...).
* الشيخ: إذَنْ في الآية الكريمة .. من فوائدها: أن مُلك السماوات والأرض لله وأنه خاصٌّ به، من أين أخذْنا أنه خاصٌّ؟ من تقديم الخبر؛ لأن تقديم ما حقُّه التأخير يفيد الحصر والاختصاص.
* ويستفاد من هذه الآية الكريمة: أنَّ الناس لا يملكون أموالهم ملكًا مطلقًا، تقول مثلًا: أنا أملك بيتي، وسيارتي، وما أشبه ذلك، لكن ملكي لها ليس مطلقًا، أليس كذلك؟ لأن الملك المطلق لِمَن؟ لله عز وجل، ولهذا تَصَرُّفي فيها على حسب ما أذِنَ الله به، ما هو على حسب ما أريد أنا، وبهذا يزول الإشكال الذي يورَد فيقال: إذا قلت: إنَّ مُلك السماوات والأرض خاصٌّ بالله، أليس الله تعالى قد أضاف الملْك إلى الإنسان؛ ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء ٣]، إذَنْ كيف الجواب؟ نقول: هذا الملْك ليس ملْكًا مطلقًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، (...) ما نراها في القرآن، لكن نقول: ليس ملكًا مطلقًا، بدليل أنَّه مقيَّدٌ بإذن الله؛ بما أذِنَ الله فيه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله وهما: الغنِيُّ، والحميد، وما دلَّا عليه من الصفة وهى الغِنَى والحمد، وما دلَّ عليه اجتماعهما من الصفة أيضًا؛ وهو أنَّ غِنَى الله مقرونٌ بكونه محمودًا فيدلُّ على أنه غِنًى ذاتِيٌّ، وأنَّه سبحانه وتعالى -مع كونه غنيًّا- جوادٌ يجود بما عنده، أو لا؟ إذْ ليس كلُّ غنِيٍّ حميدًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان أن مُلك الله للسماوات والأرض ملكٌ مشتملٌ على الفضْل والحمد، من أين نأخذه؟ لأنه ذكره بعد قوله: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ﴾، فكونه غنيًّا يتمدَّح سبحانه وتعالى بغِناه بعد ذِكْر مُلك السماوات والأرض يدلُّ على فضله بهذا الغِنَى، وعلى حمده على هذا الملك أنَّه ملكٌ مبنيٌّ على الحمد، وهذا كقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة ٢]، حَمِد نفسه لكونه ربًّا للعالمين؛ لأن ربوبيَّته سبحانه وتعالى ربوبيَّة يُحمَد عليها لِمَا فيها من كمال الفضل والإحسان والعدل (...)، أفهمتم هذه؟ ويش قلنا فيها؛ الفائدة؟ إثبات أن مُلك السماوات والأرض لله مبني على الفضل والحمد؛ لأنه ذكره بعد قوله: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾.
* ويستفاد من الآية الكريمة: افتقار ما في السماوات والأرض إلى الله، من أين تؤخذ؟
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم؛ لأن قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ دليلٌ على أنَّ ما في السماوات والأرض محتاجون إليه فقراء؛ كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر ١٥].
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات أن السماوات جمع وعددها سبع، تؤخذ من قوله: ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾، أما تعيين العدد بالسبع فمن آيات أخرى.
ثم قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان ٢٧].
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى يتكلم؛ من قوله: ﴿كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾.
* ويستفاد منها: أنَّ كلماته مسموعة؛ لأنها تُكتب، ولا يُكتب إلا ما كان مسموعًا. هكذا؟ هل فيها نظر هذه الفائدة؟
* طالب: فيها نظر.
* الشيخ: كيف ذلك؟
* الطالب: لأنه لا يمكن أن تكتب الصوت (...).
* الشيخ: طيب، يعني يمكن الإنسان يكتب كلماته هو بدون أن يُسمع غيره.
* الطالب: لكن لا يكتبها غيره.
* الشيخ: إي، لكن هو لازم يكتبها غيره؟ هل من اللازم كونها تُكتب أن يكتبها غيره؟
إذَنْ هذه الفائدة فيها نظر، لكن يؤخذ إثباتُ أنَّ الله يتكلم بصوت؛ أنَّ الكلام لا يُسَمَّى كلامًا إلا حيث يكون صوتًا أمَّا مجرَّد ما في النفس فليس بكلام.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ كلمات الله تعالى لا نفاد لها، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾، ووجه ذلك تقدَّم في التفسير أنَّ الله تعالى لم يَزَل ولا يزال خلَّاقًا فعَّالًا لِمَا يريد، ومن لازم ذلك أن يكون متكلِّمًا؛ لقوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢].
* ومن فوائد الآية الكريمة: تمام قدرة الله عز وجل؛ حيث كان قادرًا على كلامٍ لا ينفد.
* ومن فوائدها: إثبات العِزَّة والحكمة؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾، وإثبات الحكم أيضًا من قوله: ﴿حَكِيمٌ﴾، وإثبات هذين الاسمين: ﴿عَزِيزٌ﴾ و﴿حَكِيمٌ﴾.
* ومن فوائدها أيضا: ما دلَّ عليه اجتماع العِزَّة والحكمة من صفات الكمال أو لا؟ يعني قلنا: إن الاسم قد يكون له معنًى في ذاته ومعنًى في اجتماعه إلى غيره؛ فاجتماع العِزَّة مع الحكمة يفيد كمالًا أكثر مما لو انفردت العِزَّة أو الحكمة، وهو أنَّ عِزَّة الله عز وجل مربوطة بالحكمة.
ثم قال الله عز وجل: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان ٢٨].
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: إثبات الخلْق والبعث؛ لقوله: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ﴾.
* ويستفاد منها: كمال قدرة الله؛ حيث جعل -جلَّ جلالُه- الخلقَ والبعثَ لجميع الخلق كنفسٍ واحدةٍ، وهذا في غاية ما يكون من القدرة.
* ومن فوائدها: إثبات البعث؛ لقوله: ﴿وَلَا بَعْثُكُمْ﴾.
* ومن فوائدها: الاستدلال بالمشهود على الموعود، من أين؟ ويش الفائدة المطلوبة؟
* طالب: الاستدلال بالمشهود على الموعود.
* طالب آخر: الخلْق (...).
* الشيخ: المشهود الخلْق، والموعود البعث، وقد قَرَنهما الله جميعًا بإثبات كل واحدٍ منهما وأنه كما قدر على الخلق أولًا فهو قادرٌ على البعث ثانيًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين: (السميع) (البصير) لله، وإثبات ما دلَّا عليه من صفة، وإثبات الكمال باجتماعهما؛ السمع والبصر؛ إذْ ليس كلُّ سميعٍ بصيرًا، وليس كلُّ بصيرٍ سميعًا، وقد سبق لنا معنى السميع ومعنى البصير، لا حاجة للإعادة.
ثم قال الله عز وجل: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾ إلى آخره [لقمان: ٢٩].
* في هذه الآية: إثبات قدرة الله عز وجل في إيلاج الليل في النهار وإيلاج النهار في الليل.
* ومن فوائدها أيضا: بيان رحمة الله عز وجل؛ لأن هذا الإيلاج فيه من المصالح الكثيرة ما هو مشاهَدٌ معلومٌ وما ليس بمعلوم.
* ومنها: بيان نعمة الله عز وجل على عباده بتسخير الشمس والقمر؛ لقوله: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾.
* ومن فوائدها: أنَّ الشمس والقمر يجريان؛ لقوله: ﴿كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾.
* ومنها: بيان كمال النظام في أفعال الله؛ لقوله: ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ معيَّن لا يختلف لا تقدُّمًا ولا تأخُّرًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على من قال: إن الشمس والقمر ثابتان؛ لقوله: ﴿كُلٌّ يَجْرِي﴾، وهذا خبرٌ من خالقهما سبحانه وتعالى، وهو أعلم بما خَلَق؛ قال الله تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك ١٤]، فيكون فيه ردٌّ واضحٌ على الذين يقولون: إنهما ثابتان لا يجريان.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ لكلِّ موجودٍ من الخلق غاية؛ لقوله: ﴿كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾، إلا الجنة والنار فإنهما باقيتان أبد الآبدين بإبقاء الله تعالى لهما، ليس بقاؤهما ذاتيًّا؛ لأن ما جاز إحداثُه جاز إعدامُه، أو بعبارة أخرى: ما جاز حدوثُه جاز عدمُه، ولكنَّ الله عز وجل قضى بأبديَّة الجنة والنار كما تدلُّ على ذلك الأدلة الصريحة الصحيحة.
* طالب: كل موجود (...).
* الشيخ: يعني قصدك أنَّ كل موجودٍ له غاية، نظن أن فيه قياسًا على هذا؛ جريان الشمس والقمر مع أنهما دائمًا وأبدًا كما قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ﴾ [إبراهيم ٣٣]، فمع كونهما دائبين لهما غاية، فما سواهما مثلهما.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسم (الخبير) من أسماء الله؛ ﴿وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.
* ومنها: تحذير المرء من المخالفة؛ لقوله: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾؛ يعني فاحذر أن تخالف (...) في عملك، فإنَّ الله تعالى عليم به.
طيب، قوله: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ * هل يستفاد منه الحصر؟ لأنَّه قدَّم المعمول ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾، يعني أصله: وأنَّ الله خبيرٌ بما تعملون. نقول هذا الحصر (...) إضافي، الغرض منه التحذير؛ يعني كأنه قال: لو لم يكن خبيرًا بشيءٍ لَكان خبيرًا بأعمالكم. فإفادة الحصر هنا لتمام التحذير؛ يعني كأنه قال: لو لم يكن خبيرًا بشيءٍ لَكان خبيرًا بأعمالكم، فاحذروا المخالفة.
* طالب: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.
* الشيخ: هذا معلوم تفسيره، مرَّت علينا قبل مدَّة قصيرة أن الخبرة هي العلم ببواطن الأمور، ما هي مرَّت علينا في وصايا لقمان: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان ١٦]؟!