تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
وَلَوْ أَنَّمَا فِى ٱلْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَـٰمٌ وَٱلْبَحْرُ يَمُدُّهُۥ مِنۢ بَعْدِهِۦ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَـٰتُ ٱللَّهِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴿٢٧﴾
وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ [لقمان ٢٧] (...) نشوف الإعراب.
﴿وَلَوْ أَنَّمَا﴾ (لو) هذه شرطية، وفِعل الشرط محذوف؛ أي: ولو ثبت أنَّ ما في الأرض من شجرة ... إلى آخره. و(ما) اسم موصول بمعنى الذي.
و﴿فِي الْأَرْضِ﴾ جارٌّ ومجرورٌ متعلق بمحذوفٍ صلة الموصول؛ يعني: ولو أنَّ الذي استقر في الأرض.
﴿مِنْ شَجَرَةٍ﴾ جارٌ ومجرورٌ، بيانٌ لـ(ما) الاسم الموصول؛ لأن الاسم الموصول مبهمٌ يحتاج إلى بيان، فـ﴿مِنْ شَجَرَةٍ﴾ بيانٌ له؛ يعني: لو أنَّ الذي في الأرض من الشجر.
وقوله: ﴿أَقْلَامٌ﴾ خبر أنَّ، يعني: ولو أنَّ الذي في الأرض من الأشجار كان أقلامًا -هذا المعنى- كان أقلامًا يُكتب بها.
﴿وَالْبَحْرَ﴾ يقول: (عطف على أسم أن)، ﴿وَالْبَحْرَ﴾ ، وفي قراءة ﴿وَالْبَحْرُ﴾.
* طالب: (...).
* الشيخ: هنا ﴿وَالْبَحْرُ﴾ الموجودة في المصحف، لكن المؤلف (...) منصوبة، قال: (عطْف على اسم أنَّ).
﴿وَالْبَحْرُ﴾ إذا كانت بالرفع فهي مبتدأ، قال ابن مالك:
وَجَائِزٌ رَفْعُكَ مَعْــــــطُوفًا عَــــــــــلَى ∗∗∗ مَنْصُوبِ (إِنَّ) بَعْدَ أَنْ تَسْتَكْمِلَا؎وَأُلْحِقَتْ بـ(إنَّ) (لكنَّ) و(أنّْ) ∗∗∗ ................................
هذه (أنَّ) قال: (﴿وَالْبَحْرَ﴾ عطفٌ على اسم أنَّ) فتكون بالنصب. ﴿يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ [لقمان ٢٧] وين الخبر؟
* طلبة: ﴿مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان ٢٧].
* الشيخ: لا، هذه جواب الشرط، الخبر محذوف قدَّره المؤلف بقوله: (مِدَادٌ)؛ يعني: لو أنَّ ما في الأرض من الأشجار أقلامٌ وما فيها من البحار مدادٌ. (مداد) يعني حِبر يُكتَب به.
جواب الشرط (﴿مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ (المعبَّر بها عن معلوماته ...) إلى آخره.
﴿مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ (نفد) أيش معناه؟
* طالب: انتهى.
* الشيخ: انتهى وخلص.
﴿مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾، ﴿كَلِمَاتُ﴾ فاعل ﴿نَفِدَتْ﴾، الكونية والشرعية ما تنفد؛ السبب لأنه سبحانه وتعالى لم يَزَل ولا يزال متكلِّمًا، والخلْق له نهاية ولَّا ما له نهاية؟
* طلبة: لا.
* طلبة آخرون: نعم.
* الشيخ: لا، الخلْق ما له نهاية؛ لأنه إذا دخل الناسُ الجنة أو النار أيش يكون؟ خلود دائم سرمدي أبدي، فإذَنْ كلُّ شيءٍ يخلقه الله فإنما يخلقه بماذا؟ يخلقه بالكلمة (كُنْ) فيكون. إذا كانت المخلوقات لا تنتهي، وكذلك أيضًا أفعال الله عز وجل في الأزل ما لها نهاية، فإنها لا يمكن أن تنفد أبدًا، حتى لو فُرِض أنَّ البحر ومِن بعده سبعة أبحر تمده، والشجر كل الشجر الذي في الأرض أقلام، وصار يُكتب بها، فإنَّ كلمات الله عز وجل لا تنفد، ووجْه ذلك واضح؛ لأن المخلوقات لا تنفد، وكل مخلوق فإنه يكون بالكلمة؛ ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢].
إذَنْ يتبيَّن لنا وجْه كَوْن هذه الجملة الخبرية صدقًا محضًا، وهي صِدق لا شك، خبرُ الله صِدقٌ، لكن قد يقول قائل: كيف؟! ويش وجه هذا؟! نقول: هذا وجهه؛ إذْ إنَّ الإنسان قد يستعظم أن تكون البحار؛ البحر المحيط ومن ورائه سبعة أبحر، يكون مدادًا وما في الأرض من الشجر أقلامًا يُكتَب به ثم لا تنفد الكلمات، قد يستعظم هذا الشيء، ولكنَّه إذا عرف كمال قدرة الله وعظمته ما استعظم هذا.
وقوله: ﴿مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ قال: (المعبَّر بها عن معلوماته بكتْبها بتلك الأقلام بذلك المداد ولا بأكثر من ذلك؛ لأن معلوماته تعالى غير متناهية). عفا الله عن المؤلف، هذا تحريف؛ عبَّر يقول: إنَّ المراد بالكلمات المعلومات -معلومات الله- يعني: ما نفد ما يعلمه. لكن هذا تحريفٌ ظاهر للقرءان؛ الله يقول: ما نفدتْ كلماتُه، والكلمات هي اللي تُكتب، أمَّا المعلومات فقد تُكتب وقد لا تُكتب، فهل كل معلوماتك تكتبها؟! لكن كلماتك إذا أردتَ أن تعبِّر عنها للغير تنطق بها وتكتبها، فالمعنى: ﴿مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ أي: كلماتُه بالحق، حقيقةً يعني، الكلمات الحقيقيَّة لو أُمليتْ على أحدٍ وصارت البحارُ مدادًا لها والأشجارُ أقلامًا لها ما نفدتْ، ووجه ذلك ظاهرٌ، وهذا يدلُّ على عظمة الله عز وجل وكمال قدرته.
(﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ﴾ لا يُعجزه شيء ﴿حَكِيمٌ﴾ [لقمان ٢٧] لا يخرج شيءٌ عن علمه وحِكمته).
قوله: ﴿عَزِيزٌ﴾ يقول: (لا يُعجزه شيء)، وأحيانًا يعبِّر المؤلف نفسُه يقول: ﴿عَزِيزٌ﴾ (لا يغلبه شيء)؛ وذلك لأن العِزَّة -كما سبق- تنقسم إلى ثلاثة أقسام: عزَّة القَدْر، والثاني: عزَّة القهر؛ وهي الغَلَبة، والثالث: عزَّة الامتناع، وهي أنه سبحانه وتعالى لا يناله شيءٌ بسوء أبدًا، ممتنعٌ عن كلِّ سوءٍ لقوَّته سبحانه وتعالى.
وأمَّا قوله: ﴿حَكِيمٌ﴾ فهو هنا قال: (لا يخرج شيءٌ عن علمه وحِكمته)، ففسر الحكمة بالعلم، وقد سبق لنا أن (الحكيم) مشتق من الحُكم والحِكمة؛ فهو حكيمٌ لا يخرج عن مُلكِه شيءٌ وحُكمِه، وحكيمٌ لا يخرج عن حكمته شيءٌ، إذَنْ هو حاكمٌ مُحكِم، كلها تؤخذ من كلمة (حكيم).
وفي قرن (العزيز) بـ(الحكيم) بها إثباتُ صفة ثالثة غير العزَّة والحكمة، وهي أنَّ عِزَّته عز وجل مقرونةٌ بحكمة، فتكون عِزَّةً أكمَل، وتكون حكمةً أكمَل؛ وذلك أنَّ العزيز من الخلْق قد تأخذه العزَّة بالإثم فلا يكون حكيمًا في تصرُّفه، أليس كذلك؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: لكنَّ الله عز وجل عِزَّته مقرونةٌ بالحكمة، لا يمكن أن تخرج أفعاله عن الحكمة التي هي موافَقة الصواب.
ثم قال عز وجل مبيِّنًا كمال قدرته بعد أن ذكر عمومَ مُلكه وكمالَ كلماته، قال: (﴿