تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
أَلَمْ تَرَوْا۟ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُۥ ظَـٰهِرَةً وَبَاطِنَةً ۗ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَـٰدِلُ فِى ٱللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَـٰبٍ مُّنِيرٍ ﴿٢٠﴾
أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [لقمان ٢٠]
* في هذه الآية الكريمة: بيان نعمة الله سبحانه وتعالى على عباده بهذه النعم.
* ومن فوائدها: أن الله جل وعلا يحب أن يتمدح بما أعطى أو بما أسدى إلى عباده من النعم؛ لقوله: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ﴾ [لقمان ٢٠].
* ومنها: أن الله تعالى سخَّر لنا ما في السماوات وما في الأرض، وهو ظاهر وقد قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية ١٣].
* ومنه: جواز استخدام ما في هذا الكون -السماوات والأرض- لمصالحنا؛ لأنه مُسَخَّر لنا فإذا كان مسخرًا لنا فلنا أن ننتفع به فيما أحل الله لنا.
فلو قال قائل مثلًا: هل لنا أن ننقب عن المعادن الجارية والجامدة؟ نقول: نعم.
هل لنا أن نحاول الصعود إلى الكواكب والنجوم لنرى ما فيها من الآيات وكيف سُخِّرَت لنا؟
الجواب: نعم، ولكن على كل حال إذا كان هذا يُكَلِّف نفقات باهظة أكثر مما نستفيد منه فإن الحكمة تقتضي ألا نفعل؛ لأن الآن هذه المحاولات يكون فيها من نفاد الأموال شيء كثير فإذا قُدِّر أن ما فيها من نفاد الأموال أكثر بأضعاف وأضعاف مما نستفيد منها فإن العقل يقتضي ألا نفعل؛ لأن هذا من السفه والتبذير، والإنسان العاقل لا يبذل المال إلا وهو يرى أنه ينتفع بأكثر مما بذل، أليس كذلك؟ لو فُرِض أنك بذلت مالًا قدرُه ألف ريال لتحصل على منفعة تساوي أَلْفَيْ ريال محمودٌ هذا ولَّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: طيب، بالعكس بذلت مالًا يبلغ ألف ريال لتحصيل منفعة بقدر ألف ريال، هذا مذموم؛ لأنك الآن أضعت ألف ريال بدون فائدة فيكون هذا من إضاعة المال والإسراف.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن نعم الله عز وجل وافرة؛ يعني: كثيرة كاملة؛ لقوله: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ﴾ [لقمان ٢٠].
* ومن فوائدها: أن نِعَم الله عز وجل نوعان: ظاهرة وباطنة، سواء فسرنا الظاهرة بالأمور المحسوسة، والباطنة بالأمور المعنوية، أو فسَّرناها بالظاهرة لكل أحد، والباطنة ما لا يعرفها إلا صاحبها، أو فسرنا الظاهرة بما هو أعم يعم جميع الناس كالمطر والخصب، والباطنة بما هو دون ذلك، على كل حال النعم وافرة وسابغة من كل وجه.
* ويستفاد من الآيات السابقة من وصايا لقمان؛ يستفاد منها: ما أعطاه الله تعالى من الحِكَم؛ فإن كل ما أوصى به ابنه كله حِكَم موافقٌ للعقل، والشرع أيضًا يؤيده ولَّا لا؟ يؤيده.
* ويستفاد منها أيضًا: أن الله عز وجل إذا قصَّ علينا نبأ أحد فإن كان ذلك خيرًا فإنه يريد منا أن نفعله، وإن كان غير ذلك فإنه يريد منا أن نتجنبه؛ لمَّا قص علينا قصة قارون: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦) وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧) قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص ٧٦ - ٧٨] قصَّ ذلك علينا لنحذر ونخاف ولأجل ألا نسكت على من رأيناه يبدل ويفسد في الأرض، وهنا قصَّ علينا قصة لقمان من أجل أن نعتبر بهذه الحكم وأن نقتدي به في نصيحة أبنائنا وأهلنا.
* * *
ثم قال عز وجل: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [لقمان ٢٠].
﴿مِنَ النَّاسِ﴾ هذه ﴿مِنَ﴾ للتبعيض، وقد اختلف المعربون في (مِن) التبعيضية هل هي اسم؟ يعني بمعنى: بعض، أو أنها حرف دال على هذا المعنى؟
وعلى هذا الاختلاف ينبني الاختلاف في الإعراب؛ فإذا قلنا: (مِن) اسم بمعنى: بعض فإننا نقول: (مِن) مبتدأ و﴿مَنْ يُجَادِلُ﴾ خبره، وإذا قلنا: إنها حرف فإننا نقول: (مِن) حرف جر، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم، و﴿مَنْ يُجَادِلُ﴾ مبتدأ مؤخر.
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾.
﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ قال المؤلف: (أي: أهل مكة) بناء على قاعدته -رحمه الله- أن كل السور المكية يحمل فيها العموم في مثل هذا السياق على مَنْ؟ على الخصوص؛ وهم أهل مكة.
والصواب أن ذلك عامٌّ؛ يعني: ﴿مِنَ النَّاسِ﴾ من أهل مكة وغيرهم.
﴿مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ المجادلة مأخوذة من الجَدْل وهو فَتْل الحبل لإحكامه؛ ومنه ما يسمى الجَدَايل -جدايل المرأة- أي: فَتْل رَأْسِها وإحكامه، هذا معناها في اللغة.
لكنها في الاصطلاح؛ المجادلة هي الممانعة؛ بمعنى أن كل واحد من المتناظرين يُحْكِم الحجة من أجل إفحام خَصْمِه، فهي إذن إحكام الحجة لإفحام الخصم، هذه المجادلة؛ إحكام الحجة لإفحام الخصم وتعجيزه.
والمجادلة إن كانت بعلم وحكمة فهي ممدوحة بلا شك، وقد تكون واجبة أحيانًا كما في قوله تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل ١٢٥]، وإن كانت بغير علم فإنها مذمومة كمن يجادل في إيراد الحجج والعلل الواقعة لإفحام خصمه ونصر قوله ولو بالباطل فهذا من المنكرات المحرمة؛ ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ﴾ [غافر ٥].
﴿مِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ﴾ يقول: (أي أهل مكة).
﴿مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ﴾ ﴿فِي اللَّهِ﴾ هل المراد في ذاته سبحانه وتعالى، أو المراد في ربوبيته، أو ألوهيته ، أو أسمائه وصفاته ، أو أحكامه وأفعاله؟
الجواب: تشمل كل هذا؛ فمِنَ الناس مَنْ يجادل في ذات الله فينكر وجود الله أصلًا، ويجادل في ذاته، ومن الناس من يُجادِل في وحدانيته يُقِرُّ به، لكن ينكر الوحدانية، ومن الناس مَنْ يجادل في ألوهيته؛ أي في تفرده بالألوهية، ومن الناس من يجادل في أسمائه وصفاته.
وأكثر ما وقع فيه الجدل بين المسلمين في باب الأسماء والصفات، بين المسلمين ما هو بين المسلمين والكافرين، لكن المسلمون الذين ينتسبون إلى الإسلام ويُسَمَّوْن أهل القبلة، هؤلاء كثُر الجدل بينهم في باب أسماء الله وصفاته.
كذلك من الناس من يجادل في أحكام الله، وما أكثر المجادلين في أحكام الله، تجده يجادل؛ تقول: هذا الشيء حرام. ثم يأتي ويجادلك: ويش اللي يحرمه؟ ويش الفرق بينه وبين كذا؟ وهات الدليل، وهذا الدليل منقوض، وهذا التعليل باطل وهكذا بغير علم، أما إذا كان بعلم فليس فيه ذم، لكن بغير علم.
كذلك من الناس مَنْ يجادل في أفعال الله -والعياذ بالله- فيقول: لماذا أنعم الله على هؤلاء الكافرين بالنعم الكثيرة ومن المسلمين من هو في جهد شديد ومرض وفقر وجهل وما أشبه ذلك؟ هذا يجادل في أفعال الله.
كذلك يجادل في أفعال الله في مسألة القدر؛ فيقول مثلًا: إما أن يكون الله قد قدَّر على الإنسان عملَه أو لا، فإن كان قدَّر عليه عمله فكيف يعاقبه؟ وإن لم يُقَدِّر عليه عمله فمعنى ذلك أن الإنسان مستقل به فيكون منفردًا في الحوادث ومشاركًا لله فيها، وما أشبه هذا من الجدل الذي يكون بغير علم؛ ولهذا ينبغي للإنسان في مسائل الشرع وفي مسائل القدر أن يستسلم لما يدل عليه الكتاب والسنة وألا يجادل؛ لأنه إن فتح على نفسه باب الجدل ما يستقر له قدم أبدًا؛ ولهذا قال ابن حجر رحمه الله: إن المسائل العقلية ما لها دخل في الأمور الخبرية؛ لأننا لو أردنا أن نحيل هذه الأمور على العقل فإن العقل قد يجوز ما كان ممتنعًا شرعًا غاية الامتناع، كما أنه قد يمنع ما هو جائز، والمراد بالعقل ما ادعى صاحبه أنه عقل، أما العقل الصحيح الصريح فإنه لا بد أن يوافق النقل الصحيح، وإذا شئتم أن يتبين لكم هذا فاقرؤوا كتاب شيخ الإسلام ابن تيمية -إن أطقتموه- المسمَّى بكتاب العقل والنقل، أو: موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول.
فالمهم أن الجدل بابُه واسع، والكلام هنا في المجادلة المذمومة وهي المجادلة بغير علم.
إذن ﴿فِي اللَّهِ﴾ في ذاته، أيش بعد؟ ربوبيته، ألوهيته، أسمائه وصفاته، أحكامه، أفعاله.
﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ يعني: ما عنده علم ذاتي ولكنه مكابرة ومعاندة.
(﴿﴿وَلَا هُدًى﴾ ﴾ من رسول) يعني: ولا عنده اقتداء بغيره، فهو ليس عنده علم في نفسه يهتدي به، وليس عنده علم من غيره يهتدي به، ﴿وَلَا هُدًى﴾.
(﴿﴿وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ ﴾ أنزله الله تعالى، بل بالتقليد) هو ما عنده علم ولا اهتداء بهدي رسول ولا كتاب أنزله الله فيهتدي به، إذن لماذا يجادل؟ يجادل بالباطل.
وقال المؤلف: (بالتقليد)؛ لقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ هذا الذي أوجب للمؤلف أن يقول: (بل بالتقليد)؛ لأنه قال لقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ ﴿قِيلَ لَهُمُ﴾ ﴿قِيلَ﴾: هذه مبني للمجهول، فمن القائل؟ الله، الرسول، المؤمنون، كل هذا يمكن أن يكون، قال الله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ [الأعراف ٣]، والنبي عليه الصلاة والسلام يحث الأمة على اتباعه، والمؤمنون كذلك يدعون الناس إلى اتباع ما أنزل الله، فيكون هنا حذف الفاعل لإرادة العموم.
﴿إِذَا قِيلَ﴾ كذا؟ هذا أعمُّ مما لو قال: وإذا قال الله لهم، أو وإذا قال لهم الرسول، أو وإذا قال المؤمنون، فقوله: ﴿إِذَا قِيلَ﴾ يكون أشمل.
﴿اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ ﴿مَا﴾ مفعول ﴿اتَّبِعُوا﴾ و﴿أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ ما المراد به؟ القرآن لا شك؛ لأن الله أنزله. السنة؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، كيف؟! ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء ١١٣]، قال العلماء: الحكمة هي السنة.
إذن: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ من القرآن ومن السنة؛ لأن السنة وَحْيٌ إن كان الله أوحاها إلى رسوله، وإلَّا فإقراره سبحانه إياها بمنزلة الوحي؛ ولهذا قال العلماء: إن إقرار النبي ﷺ بمنزلة قوله.
﴿