تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
وَٱقْصِدْ فِى مَشْيِكَ وَٱغْضُضْ مِن صَوْتِكَ ۚ إِنَّ أَنكَرَ ٱلْأَصْوَٰتِ لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ ﴿١٩﴾
وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ [لقمان ١٩].
* يُستفاد من هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن يكون مشيه قصدًا لا إسراعًا مخلًّا ولا دبيبًا متباطئًا؛ فالإسراع اللي فيه التهور والعجلة والطيش مذموم، والتباطؤ والدبيب أيضًا مذموم، فيستفاد منه: أنه ينبغي أن يكون الإنسان في مشيه قصدًا بين الإسراع والتباطؤ.
* ومن فوائدها أيضًا: أن يقال: إذا كان هذا في المشي الحسي فليكن كذلك في المشي المعنوي من الآداب والأخلاق لا ينبغي للإنسان أن يسرع سرعة مخلة ولا أن يتباطأ تباطؤًا مُفَوِّتًا للمقصود، أما الإسراع إلى الخير فقد أمر الله به ولكنه لا يتجاوز الحد؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِذَا سَمِعْتُمُ الْإِقَامَةَ فَامْشُوا إِلَى الصَّلَاةِ، وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ وَلَا تُسْرِعُوا»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٣٦)، ومسلم (٦٠٢ / ١٥١) من حديث أبي هريرة.]].
* ويستفاد من الآية أيضًا -من الآية الكريمة-: أنه ينبغي للإنسان أن يَغُضَّ من صوته؛ لقوله: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾، وذكرنا أمس أنه يشمل الكمية والكيفية، فإنه في بعض الأحيان ينبغي رفع الصوت كما في الأذان والخطبة وما أشبهها.
* ويُستفاد من الآية الكريمة: أن رفع الصوت في غير محله محرم؛ لقوله: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان ١٩] فإن هذا التشبيه يقتضي التنفير منه، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٢٢) واللفظ له، ومسلم (١٦٢٢ / ٥) من حديث ابن عباس.]].
* ومن فوائد الآية الكريمة: ذمُّ أصوات الحمير؛ لقوله: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان ١٩]. وهل يؤخذ منها أن للجار أن يُطالِبَ جاره إذا كان عنده حمار نهَّاق ببيعه وإزالته ولَّا لا؟ إي نعم، له أن يطالب بذلك إذا كان نهيقه غير معتاد؛ لأن بعض الحمير كثير النهيق، فعلى هذا له أن يطالب، مثلما قال الفقهاء رحمهم الله: إن له أن يمنعه من الرحى التي يطحن بها دائمًا، وكذلك من تغسيل الثياب وبثِّها دائمًا، كل ما يؤذي الجار فلجاره أن يمنعه منه، فإذا كان الله قد وصف النهيق بأنه أنكر الأصوات فإنه له أن يطالب فيقول: بع هذا الحمار وإلا اجعله في محل آخر حتى لا أتأذى به.
* طالب: شيخ، آلات اللهو هذه أعظم من النهيق.
* الشيخ: نعم، له أن يطالب جاره بهذا؛ يعني: لو أنه صار يرفع أصوات المزامير -والعياذ بالله- والغناء فله الحق أن يطالب حتى وإن لم تزعجه؛ لأن هذا منكر، لكن لو كان له جار يصعد إلى السطح في أيام الصيف وعنده مسجل فيه أشرطة من القرآن ثم يفتحها برفع صوت فلجاره أن يطالب بالمنع؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: نعم (...) لو قال: كيف؟! (...) القرآن، نقول: لا، ما أمنعك، نقول: استمع، لكن اخفض الصوت، هذا يؤذيني، وليس يؤذيني لأني أكره القرآن، لكن أريد النوم وأولادي يريدون النوم وأهلي يريدون النوم، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «لَا يَجْهَرْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالْقُرْآنِ»[[أخرجه أحمد في المسند (١٩٠٢٢)، ومالك في الموطأ (١ / ١٣١)، والنسائي في الكبرى (٣٣٤٦) من حديث البياضي.]] فله أن يمنع مع أن هذه عند العامة أمرها كبير؛ يعني: لو أحد طلب منع جاره من ألا يرفع صوته بقراءة القرآن لحَمَل الناس عليه راية الاستنكار، ولكن لا يهم، العامة ما يهم، إنكارهم أو إقرارهم ليس له أصل، (...).
* طالب: طيب، إذا احتاج إلى (...).
* الشيخ: ما فيه بأس، بل قد يجب أحيانًا كما لو احتاج إلى إنقاذ نفسه أو إنقاذ غيره من الهلكة فكل مقام له مقال، المقصود هذا في المشي العادي.
* الطالب: يعني: مثل أن يبغي أن يروح..
* الشيخ: المهم إذا احتاجه لا بأس به، ما فيه مانع.
* الطالب: أقول: يبغي يروح الشغل هو من عادته كل يوم مستعجل، له أن يمشي كل يوم كذا ولا؟
* الشيخ: الأولى أنه يرتب وقته حتى يخرج إلى شغله بالمشي المعتاد، لكن لو فُرِضَ أنه تأخر في يوم من الأيام فله أن يفعل.
ثم قال تعالى: ﴿