تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
وَلَمْ يَكُن لَّهُم مِّن شُرَكَآئِهِمْ شُفَعَـٰٓؤُا۟ وَكَانُوا۟ بِشُرَكَآئِهِمْ كَـٰفِرِينَ ﴿١٣﴾
وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ﴾ ﴾ أي: ممن أشركوهم بالله -وهم الأصنام- ليشفعوا لهم ﴿﴿شُفَعَاءُ﴾ ﴾) إلى آخره.
﴿لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ﴾ ﴿شُفَعَاءُ﴾ أيش إعرابه؟
* طالب: فاعل.
* الشيخ: لا.
* طالب: اسم ﴿يَكُنْ﴾.
* الشيخ: اسم ﴿يَكُنْ﴾. ﴿مِنْ شُرَكَائِهِمْ﴾ خبرها مقدمًا.
وقوله: ﴿شُرَكَائِهِمْ﴾ جمع (شريك)، وهو بمعنى اسم المفعول، كقتيل بمعنى مقتول، أي: مشروك به، والمعنى: مَن جعلوهم شركاء له شركاء مع الله، كما قال المؤلف: (أي: من أشركوهم بالله)، فصار هنا الإضافة من باب إضافة الشيء إلى مفعوله أو إلى فاعله؟ من باب إضافة الشيء إلى مفعوله، أي: الذين جعلوهم شركاء لهم.
وقوله: ﴿شُفَعَاءُ﴾ جمع (شفيع) بمعنى شافع، والشافع هو مَن يتوسط لك إما بجلب منفعة وإما بدفع مضرة، الشافع مَن يشفع لك إما بجلب منفعة أو دفع مضرة، وسمي شافعًا لأنك به كنت شفعًا، كنت قبله منفردًا ومعه شفعًا؛ ولهذا سمي الشفيع شافعًا لهذا الوجه.
قلنا: إن الشفيع هو من يشفع لك ويتوسط إما بجلب منفعة أو دفع مضرة، مثالها في جلب المنفعة؟
* طالب: (...).
* الشيخ: إي مثل أيش؟
* الطالب: إنسان فقير يتوسط له عند الملك يعطيه من الصدقات.
* الشيخ: صح هذا جلب المنفعة.
ودفع المضرة؟ مثال دفع المضرة؟ يتوسط له بدفع مضرة.
* طالب: يطلعه من السجن، يتوسط له.
* الشيخ: يطلعه من السجن؟
* الطالب: إي.
* الشيخ: صحيح هذا؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: نعم، ومثالها أيضًا في الشرع: شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام لأهل النار ألَّا يدخلوها، ها؟
* طالب: دفع مضرة.
* الشيخ: دفع مضرة.
وشفاعته لأهل الجنة أن يدخلوها.
* طالب: جلب منفعة.
* الشيخ: هذا جلب منفعة.
هؤلاء ﴿لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ﴾
(﴿﴿وَكَانُوا﴾ ﴾ أي: يكونون) -مثل ما قال في ﴿لَمْ يَكُنْ﴾: (أي: لا يكون)- (أي: يكونون ﴿﴿بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ﴾ ﴾ أي: متبرئين منهم). نعم، في يوم القيامة هؤلاء الشركاء الذين كانوا يرجون منفعتهم، في يوم القيامة؟
* طالب: يكفرون.
* الشيخ: يكفرون بهم ويتبرؤون منهم، ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾ [البقرة ١٦٦]..﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا﴾ [البقرة ١٦٧]، فهم يوم القيامة يكفرون بهم، لا هؤلاء ولا هؤلاء، المعبودون يكفرون والعابدون أيضًا يكفرون، كل منهم يكفر ببعض والعياذ بالله، بينما كانوا في الدنيا يرجون شفاعتهم وخيرهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر ٣]، لكنه في يوم القيامة -والعياذ بالله- يتبرأ بعضهم من بعض: ﴿وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ (١٣) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ [الروم ١٣، ١٤].
﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ نقول فيها ما قلنا فيما سبق: أن المراد بالساعة ساعة البعث المعهودة المعلومة.
وقوله: (﴿﴿يَوْمَئِذٍ﴾ ﴾ تأكيد، ﴿﴿يَتَفَرَّقُونَ﴾ ﴾ أي: المؤمنون والكافرون).
قوله: ﴿يَتَفَرَّقُونَ﴾ هي متعلَّق ﴿يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾، يعني أن ﴿يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ متعلِّق بـ ﴿يَتَفَرَّقُونَ﴾. و﴿يَوْمَئِذٍ﴾ الثانية؟
* طالب: تأكيد.
* الشيخ: تأكيد للأولى، والدليل على أنها تأكيد أنها لو حُذِفت وقيل: (ويوم تقوم الساعة يتفرقون) استقام الكلام ولَّا لا؟
* طالب: يستقيم.
* الشيخ: استقام ولكنه يفوت التوكيد الذي أراده الله عز وجل، يعني: في ذلك اليوم في ذلك اليوم، للتأكيد.
وقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ التنوين في ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ في كل مواردها يقولون: إنه عِوَض؟
* طالب: عن جملة.
* الشيخ: عن جملة، أي: يوم إذ تقوم الساعة، وكذلك يقال في حينئذ، ويقال أيضًا في وقتئذ: أن التنوين هنا عوض عن جملة، أي: يوم إذ، وحين إذ يكون كذا وكذا، ووقت إذ يكون كذا وكذا.
وقوله: ﴿يَتَفَرَّقُونَ﴾ الضمير يعود على الخلق فيشمل المؤمن والكافر، حتى لو كانوا أقارب؟ لو كان الأب مسلمًا وابنه كافرًا أو بالعكس تفرقوا؛ لأنها دار الجزاء وكلٌّ يُجزَى بعمله.
﴿يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ كيف التفرق؟ قال: (﴿﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ﴾ ﴾: جنة ﴿﴿يُحْبَرُونَ﴾ ﴾: يُسَرُّون) [الروم: ١٥].
(أمَّا) يقولون: إنها حرف شرط وتفصيل؛ ولذلك يؤتَى فيها دائمًا في مواضع التفصيل: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ [الليل ٥] ثم قال ضده؟
* طالب: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾ [الليل ٨].
* الشيخ: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾. وهي أيضًا حرف شرط، ولذلك تحتاج إلى جواب: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ﴾ [الليل ٥ - ٧]، وهنا: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ﴾ [الروم ١٥]، فتكون إذن حرف شرط وتفصيل، وهي أيضًا متضمِّنة لمعنى التوكيد، فإنها تؤكِّد، فإن قولك: أمَّا مَن فعل كذا فله كذا، أقوى من قولك: فمَنْ فعل كذا فله كذا. فتفيد على هذا الشرطية والتفصيل والتوكيد، وهو تقوية للكلام.
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ، والخبر: ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ﴾.
قوله: ﴿آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ يعني جمعوا بين الإيمان والعمل، واعلم أن الإيمان إذا أُطلِق شمل العمل كما أن عمل الصالحات إذا أُطلِق يشمل الإيمان، يعني إذا أُفرِد قصدي، قصدي بالإطلاق الإفراد، وإذا قُرِن أحدهما بالآخر صار الإيمان بالأعمال الباطنة، والأعمال بالأعمال الظاهرة بعمل الجوارح.
الإيمان يشمل الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، هكذا فسره النبي ﷺ لجبريل حين سأله: ما الإيمان؟ قال: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»[[أخرجه مسلم (٨ / ١) عن ابن عمر رضي الله عنهما.]].
الأعمال الصالحة العمل كلمة (عمل) يشمل الفعل والقول، العمل الصالح يشمل قول اللسان وعمل الجوارح، والعمل الصالح مرَّ علينا كثيرًا بأنه ما جمع بين أمرين، وهما: الإخلاص لله عز وجل، والمتابعة لرسوله ﷺ.
وقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ لا بد من هذين الأمرين: إيمان، وعمل. مجرد الإيمان ينفع ولَّا لا؟
* طالب: لا.
* الشيخ: ما ينفع بدون عمل، والعمل بدون إيمان أيضًا لا ينفع، لا بد من إيمان وعمل، وبهذا نعرف أن بعض النصوص المطلَقة التي فيها الوعد بالجنة لمن كان في قلبه أدنى حبة خردل من إيمان وما أشبه ذلك، أن المراد الإيمان المتضمِّن للعمل تحقيقًا أو تقديرًا.
* طالب: ما التحقيق والتقدير؟
* الشيخ: تحقيقًا بأن يكون عاملًا فعلًا، وتقديرًا بأن يكون ما تمكَّن من العمل لكن معه الإيمان، كما لو آمن عند قرب وفاته مثل الأُصَيْرم من بني عبد الأشهل، قصته معروفة في أُحُدٍ.
وقوله: ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ الجملة هنا اسمية للدلالة على الثبوت والاستمرار، ﴿فِي رَوْضَةٍ﴾ يقول المؤلف: (جنة)، وهي كذلك، الروضة: هي عبارة عن البساتين المشتملة على الأزهار والأشجار والروائح الطيبة والمناظر البهيجة؛ ولهذا قال: (﴿﴿يُحْبَرُونَ﴾ ﴾ أي: يُسَرُّون). وقيل: ﴿يُحْبَرُونَ﴾: يُنَعَّمون، وهما متلازمان؛ لأن النعيم يحصل به السرور، هؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضة يحبرون.
التقسيم الثاني: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ [الروم ١٦]، ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بترك العمل الصالح، ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ فلم يؤمنوا.
وقول المؤلف: (﴿﴿بِآيَاتِنَا﴾ ﴾: القرآن) صحيح؟
* طالب: سابق.
* الشيخ: القرآن لا، ما هو من السابق، القرآن وغير القرآن، هذا قطعًا يشمل القرآن وغير القرآن؛ لأن الذين آمنوا وعملوا الصالحات والذين كفروا وكذبوا بآيات الله ولقائه هؤلاء يكونون في هذه الأمة ويكونون في غيرها.
وقوله: (﴿﴿وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ﴾ ﴾ البعث وغيره) ويش هو البعث؟ الإخراج من القبور، (وغيره): من الحساب والجزاء والجنة والنار، فيكذبون بها ويقولون: ما فيه لا جنة ولا نار ولا حساب ولا عذاب.
والعجيب أن هذا القول الباطل الفاسد نحا إليه مَن يسمون أنفسهم بالحكماء -وهم الفلاسفة- يقولون: إنه ما فيه جنة ولا نار ولا بعث، ولكن الرسل قالوا للناس هذا من أجل إقامتهم على الطريق التي اخترعوها لهم، ويزعمون -والعياذ بالله- أن الرسل رجال عباقرة عندهم ذكاء وحسن سيرة وتنظيم، لكنهم لو قالوا للناس: افعلوا كذا أو لا تفعلوا كذا، بدون ترغيب ولا ترهيب؛ ما أطاعهم الناس، فكانوا يقولون للناس: إن لكم ربًّا عظيمًا وإلهًا قادرًا وإن لكم معادًا يكون فيه الجنة أو النار.
وهم -والأمر ليس كذلك عندهم يعني- وإنما ذكروا ذلك من أجل إقامة الناس على الطريق التي سنُّوها لهم. وهذا معناه الكفر بالبعث وبالرسالة وحتى بأنفسهم؛ لأن مَن لم يؤمن بالله عز وجل فقد كفر أول ما كفر بنفسه؛ لأنه أنكر أن يكون له خالقًا.
وقوله: (﴿﴿وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ﴾ ﴾ البعث وغيره ﴿﴿فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ ﴾) أعوذ بالله، ﴿أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ﴾ المراد بالعذاب هنا العقوبة وجعل العذاب ظرفًا لهم؛ لأنه محيط بهم من كل جانب، كما قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [العنكبوت ٥٥].
﴿فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ أيش معنى ﴿مُحْضَرُونَ﴾؟ من الإحضار، أحضرته بمعنى جعلته يحضر هذا الشيء، فهؤلاء مُحضَرون في العذاب غصبًا عليهم، لو رجع الأمر إلى أنفسهم ما حضروا، لكنهم يُحضَرون فيه كرهًا: ﴿فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾.
قال الله تعالى: (﴿﴿فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (١٦) فَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ ﴾ أي: سبِّحوا الله) [الروم: ١٦، ١٧].
إعراب ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ﴾.
* طالب: منصوبة على أنها مصدر، وهي ملازمة له.
* الشيخ: وعاملها؟
* الطالب: وعاملها: سبحوا الله.
* الشيخ: نعم، المؤلف يقول: (أي: سبحوا الله) فجعل المفعول المطلق هنا بمعنى فعل الأمر، لا على أن عامله محذوف، بل جعله نائبًا عن فعله (أي: سبحوا الله)، وتسبيح الله تعالى معناه تنزيهه عما لا يليق به، وهذا يتضمن شيئين أحدهما: تنزيه الله عن كل نقص في صفات كماله، والثاني: تنزيه الله عن مشابهة المخلوقين.
﴿سُبْحَانَ اللَّهِ﴾، أقول: التنزيه يتضمن أمرين:
أولًا: تنزيه الله عن النقص في صفات كماله.
وثانيًا: تنزيه الله عن مشابهة المخلوقين.
أما الأول فإننا نرى كثيرًا ما يذكر الله عز وجل أنه لا يتعب ولا يظلم ولا يغفل وما أشبه ذلك، لماذا؟ لكمال صفاته.
وأما مشابهة المخلوقين فقد قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى ١١]، وتنزيه الله عن مشابهة المخلوقين هو في الحقيقة تنزيه له عن النقص؛ لأن المخلوق ناقص، وتشبيه الكامل بالناقص يجعله ناقصًا، بل إن المقارنة بينه وبينه تحط من رتبته، كما قيل:
أَلَمْ تَرَ أَنَّ السَّـــــــيْفَ يَنْقُـــــــصُقَدْرُهُ ∗∗∗ إِذَا قِيلَ إِنَّ السَّيْفَ أَمْضَى مِنَالْعَصَا
﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ يقول المؤلف: (أي: سبحوا الله، بمعنى صلوا)، فأفادنا المؤلف أن المراد بتسبيح الله تعالى هنا: تسبيح خاص وهو الصلاة، من أين أخذ هذا التخصيص؟ يعني لو قال قائل: التسبيح عام يشمل الصلاة وغيرها؟ أخذه المؤلف من تقييده بهذه الأوقات، فإن تقييده بهذه الأوقات يدل على أن المراد الصلاة.
وأُطلِق على الصلاة التسبيح؛ لأن التسبيح من واجباتها، كما قال الله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة ٧٤]، قال النبي ﷺ: «اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ»، ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى ١] قال: «اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ»[[أخرجه أبو داود (٨٦٩) عن عقبة بن عامر رضي الله عنه.]]. وعلى هذا فتكون الصلاة هي المراد بالتسبيح، ويدل على التقييد أيش؟ أو ما يدل على التخصيص؟ تقييدها بأوقات الصلاة (...).
* * *
﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الروم ١٠].
* يستفاد من هذه الآية: سوء العاقبة للمسيئين؛ لأن عاقبة هؤلاء الذين أساؤوا أيش عاقبتهم؟ ﴿السُّوأَى﴾.
* طالب: (...) أم على الشك؟
* الشيخ: نشوف، لقوله: ﴿السُّوأَى﴾، وهذا على رأي المؤلف ظاهر؛ لأنه جعل ﴿السُّوأَى﴾ هي خبر (كان) أو اسمها على اختلاف القراءة في ﴿عَاقِبَةَ﴾.
* يتفرع على هذه الفائدة: أن عاقبة المحسن الحسنى؛ لأن الحكم يدور مع علته، فإذا كانت عاقبة المسيئين السوأى فإن عاقبة المحسنين الحسنى، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس ٢٦].
* ومن فوائد الآية: أن الإساءة هنا هي التكذيب بآيات الله، والاستهزاء بها على تقدير المؤلف؛ لأنه قال: (أي: بأن ﴿﴿كَذَّبُوا﴾ ﴾). وعلى الرأي الثاني يكون قوله: ﴿أَنْ كَذَّبُوا﴾ هي العاقبة.
* ويستفاد منها: أن عاقبة المعاصي تكون الكفر؛ التكذيب بآيات الله والاستهزاء بها، إذا قلنا: إن قوله: ﴿أَسَاءُوا السُّوأَى﴾ أي: عملوا السيئات؛ كان عاقبتهم التكذيب والاستهزاء، يكون معنى ذلك أن المعاصي تكون سببًا للكفر، وهو كذلك، وقد قال أهل العلم: إن المعاصي بريد الكفر.
* ومن فوائد الآية: أن الوحي الذي أنزله الله على الرسل من آياته؛ لقوله: ﴿أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾، وإنما كان من آياته لما يشتمل عليه من الصدق في الأخبار، والنفع في القصص، والعدل في الأحكام، والإصلاح، فكل الكتب النازلة كلها متضمنة لهذه الأمور: صدق في الخبر، نفع في القصص، عدل في الأحكام، مصلحة للعباد؛ ولهذا كانت هذه الكتب من آيات الله؛ لأنه لا يمكن للبشر أن يضعوا مثلها.
* من فوائد الآية: الفرق بين التكذيب والاستهزاء، فالتكذيب: رد الخبر، والاستهزاء: السخرية بالأعمال الظاهرة أو الباطنة، أيهما أشد؟
* طالب: الاستهزاء.
* الشيخ: الاستهزاء أشد؛ لأنه جامِعٌ بين التكذيب والسخرية.
* ومن فوائد الآية: التحذير من أعمال السيئات، حيث كانت هذه عاقبتها، سواء قلنا: إن السوأى هي العاقبة، أو إن العاقبة هي التكذيب، فإنه يتضمن التحذير من الأعمال السيئة.
ثم قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الروم ١١].
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: قدرة الله سبحانه وتعالى حيث ابتدأ الخلق.
* الفائدة الثانية: ثبوت حدوث العالم، وأنه ليس قديمًا لا أوَّل له كما زعمت الفلاسفة؛ لأن الله ابتدأه، والمبتدأ معناه أنه كان بالأول؟
* طالب: عدم.
* الشيخ: عدمًا.
* ومن فوائد الآية: ثبوت البعث؛ لقوله: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾.
* ومن فوائدها: أن البعث ليس ابتداء خلق ولكنه إعادة، خلافًا لمن قال: إن البعث ابتداء خلق، منين نأخذها؟
* طالب: ﴿يُعِيدُهُ﴾.
* الشيخ: من قوله: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾، والضمير يعود إلى خلق المبتدأ، وقد سبق لنا في كلامنا على هذه الآية أنه لو كانت الإعادة ابتداء خلق جديد لكان يعذَّب مَن لم يعمل ويُنعَّم من لم يعمل، ولكن البعث إعادةٌ لما سبق.
* طالب: شيخ، إعادة لنفس الأجسام، ولَّا تنبت نباتًا جديدًا؟
* الشيخ: نفس الأعيان هذه التي تفتت وذهبت تُعاد يعيدها الله، نفس التراب إذا تحول إلى تراب يُعاد، وهكذا.
* الطالب: ما هو يعني يخلق جسمًا (...).
* الشيخ: إي، لكن هذا الجسم المخلوق هو نفس الأول، يجمع الله تعالى ما تفرق منه ثم يحييه.
* ومن فوائد الآية: الاستدلال بالمبدأ على المعاد، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿يَبْدَأُ﴾ ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾؛ لأن هذا استدلال بالمبدأ على المعاد، والاستدلال بالمبدأ على المعاد استدلال حقيقي ومنطقي ومعقول، أيهما أصعب وأشد؟
* طلبة: الأول.
* الشيخ: الأول، فالقادر على الابتداء قادر على الإعادة؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الروم ٢٧]، الكل هيِّن لكن هذا أهون؛ لأن هذا إعادة.
* ومن فوائد الآية: أن مرجع الخلائق إلى الله عز وجل في الآخرة ولَّا حتى في الدنيا؟ في الدنيا وفي الآخرة، أما في الآخرة فيرجعون إلى الله ليحكم بينهم بالجزاء، وأما في الدنيا فيرجعون إلى الله ليحكم بينهم بالعمل: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى ١٠] هذا خبر، و: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء ٥٩]. فالمهم أن المرجع إلى الله دنيا وأُخرى، فنحن نرجع إلى الله تعالى في أمور دنيانا، وفي أمور ديننا، وكذلك في أمر الآخرة نرجع إلى الله ويجازينا بما نستحق.
* طالب: في الآية (...) الآخرة.
* الشيخ: لا هي كان الآخرة بالأولوية فقط؛ لأنه في السياق هذا، ولكنها لا مانع أن تكون على العموم لا سيما أنه ذكر: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾ [الروم ٢٧].
* ومن فوائدها: أنه لا يجوز التحاكم إلى غير الله، من أين تؤخذ؟
* طالب: (...).
* الشيخ: إي، تؤخذ من الجملة هذه، لكن ما وجهه؟ الحصر؛ لقوله: ﴿إِلَيْهِ﴾، فإنه يعني: لا إلى غيره.
ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الروم ١٣].
* يستفاد من هذه الآية: أولًا قيام الساعة، وأنه كائن لا محالة؛ لقوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾.
* ومن فوائدها: أن أهل الشرك إذا قامت القيامة سكتوا وأَيِسُوا من الرحمة؛ لقوله: ﴿يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾، بخلافهم في الدنيا، فإنهم في الدنيا يعاندون ويستعلون بآلهتهم، كما قال أبو سفيان: اعل هبل[[كما في حديث البخاري (٣٠٣٩) عن البراء بن عازب رضي الله عنه.]]. لكن في الآخرة لا حراك لهم ولا صوت: ﴿يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾.
* ومن فوائدها: أن هذه المعبودات لا تنفع أصحابها في أحوج ما يكونون إليه ولَّا لا؟ وجه ذلك من الآية: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ﴾، وهذاك محل الشفاعة، ذلك اليوم هو محل الشفاعة، لكنهم لا يستفيدون من هذه الأصنام، بل أكثر من هذا * إفادة ثانية: أنهم يكفرون بها: ﴿وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ﴾، يكفرون بهم، كما أن الأصنام تكفر بهم أيضًا: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف ٥، ٦]، ويتبرأ كلٌّ من الآخر مع أن ذلك هو محل الأزمة ومحل الفرج.
* ومن فوائد الآية: الإشارة إلى أن هؤلاء المشركين إنما أشركوا لطلب أن يكون هؤلاء المشرَكون شفعاء، وهذا ما صرح الله به في قوله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر ٣].
فإذا قال هؤلاء الذين يعبدون القبور: نحن لا نعبدهم لأننا نرجو منهم نفعًا مباشرًا، لكن نعبدهم ليشفعوا لنا إلى الله. قلنا: هذا شرك الأولين، وهذا ما حكى الله عن المشركين؛ أنهم لا يريدون النفع المباشر، لكنهم يريدون أن تكون شفيعة لهم عند الله عز وجل.
ثم قال تعالى: ﴿