تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ ﴿١٤﴾
فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فَهُمْ فِى رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ ﴿١٥﴾
وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَكَذَّبُوا۟ بِـَٔايَـٰتِنَا وَلِقَآئِ ٱلْـَٔاخِرَةِ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ فِى ٱلْعَذَابِ مُحْضَرُونَ ﴿١٦﴾
وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ [الروم ١٤، ١٥] إلى آخره.
* يستفاد من الآية من قوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾: إثبات القيامة.
* ومن فوائدها: أنه في ذلك اليوم يتفرق الناس إلى فريقين: فريق في الجنة، وفريق في السعير.
* ومن فوائدها: أن الآباء مع أولادهم، والأمهات مع أولادهم، إذا كان أحدهم كافرًا والثاني مؤمنًا يتفرقون، ولَّا يمكن أن ينقذ أحد أحدًا في ذلك اليوم؛ لعموم قوله: ﴿يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الروم ١٤، ١٥]، ولم يستثنِ الأولاد مع والديهم أو بالعكس، ففي ذلك اليوم ما فيه اجتماع إلا إذا كانوا على الحق.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا ما يشمل (...)؛ لأن المؤمنين تفرُّقُهم إلى جهة واحدة؛ ولهذا قال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ﴾ ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فجعلهم قسمين.
* الطالب: (...).
* الشيخ: في منازلهم في الجنة معلوم أن كلًّا في منزلته، ولكن في عرصات القيامة يكون الفريق جميعًا فريق المؤمنين جميعًا وفريق الكفار جميعًا، لكن في منازلهم في الجنة يختلفون، الكل في منزلته.
* طالب: لكن تفرقوا، يُحْمَل على (...) كل إنسان مستقل بنفسه، حتى ولو كفروا (...).
* الشيخ: لا ما هو بالظاهر؛ لأن قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يقتضي أن المقصود تفرق الجنس، يعني ينقسمون مثل ما قال الله: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى ٧].
* طالب: تفرقهم يا شيخ في الجنة والنار ولَّا في عرصات القيامة؟
* الشيخ: في عرصات القيامة يوم تقوم الساعة، فيتفرق هؤلاء فريق إلى الجنة وفريق إلى النار.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الجزاء؛ لقوله: ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ﴾، والثانية: ﴿فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾.
* ومن فوائدها: فضيلة الإيمان والعمل الصالح حيث كان جزاؤه ما ذُكِر، والتحذير من الكفر حيث كان جزاؤه ما ذُكِر أيضًا.
* ومن فوائد الآية أيضًا: أن الإيمان والعمل يختلفان إذا اجتمعا، ويتفقان متى؟ إذا افترقا، يتفقان إذا افترقا ويختلفان إذا اجتمعا، وعلى هذا يكون كل منهما بمعنى الآخر عند الافتراق، ويختلف كل منهما عن الآخر عند الاجتماع.
* ومن فوائد الآية: أن العمل لا ينفع إلا إذا كان صالِحًا؛ لقوله: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، وحيث فسرنا الصالح بأنه ما اجتمع فيه الإخلاص والمتابعة، يستفاد منه: أن العمل الذي فيه الشرك لا ينفع صاحبه، وهذا واضح، ففي الصحيح من حديث أبي هريرة رضى الله عنه، عن النبي ﷺ أن الله قال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِيَ غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) عن أبي هريرة رضي الله عنه.]].
وهل هذا يشمل الشرك في الصفة وفي أصل العمل، أو نقول: إذا كان أصل العمل لا شرك فيه والصفة فيها شرك قُبل أصل العمل دون صفته؟ يعني مثلًا رجل أراد أن يصلي الراتبة لله لكنه أحسنها وأتقنها واطمأن فيها مراءاة، هل نقول: إن هذا (...)؟
يذكر الله يسبح لكان يسبح مرة واحدة، وللمراءاة يسبح ثلاثًا، نقول: التسبيح الثلاث هذا ما ينفعه منه (...)، لكنه لا يكفي أيضًا أن نقول: إنه بطل العمل، بل يأثم على ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨]. فالشرك من خصائصه -ولو كان أصغر- ما يغفر إلا بتوبة.
* طالب: ما يفرق بين الإصرار وعدمه في الشرك؟
* الشيخ: لا ما يفرق، ما دام لم يصل إلى حد الأكبر فهو أصغر، لكنه يفرق بينهما من جهة الإصرار، فالإصرار عليه يكون أعظم من فعله مرة دون أخرى.
* الطالب: لكن (...).
* الشيخ: إذا طرأ الرياء في أثناء العبادة فإنه إن كافحه ودافعه ما ضره، وإن استرسل معه واطمأن إليه فإنه يضره، ثم هل يكون مبطلًا للعبادة ولَّا غير مبطل؟ إن كانت العبادة تتجزأ كما لو أراد أن يتصدق بصاعين فأخرج صاعًا بدون رياء، ثم أخرج الثاني برياء، فإن البطلان يختص بما حصل به الرياء فقط؛ لأن الأول صار صحيحًا.
وإن كان بالعكس ما تتجزأ كما في الصلاة فإن من أهل العلم مَن يرى أنها تبطل الصلاة، تبطل لأنه طرأ عليه الرياء، وهي لا تتجزأ فلا يمكن أن يصح أولها دون آخرها. ومنهم مَن يقول: لا تبطل لأن أصل هذا العمل خالصًا لله عز وجل، فلا يبطله الرياء.
* ومن فوائد الآية: أن الجنة روضة؛ لقوله: ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾، ويُروى أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام قال للنبي ﷺ ليلة عُرج به: «أَقْرِئْ أُمَّتَكَ مِنِّي السَّلَامَ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ الْجَنَّةَ قِيعَانٌ، وَأَنَّ غِرَاسَهَا: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ»[[أخرجه الترمذي (٣٤٦٢) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.]].
* ومن فوائدها أيضًا: أن هذه الجنة مملوءة بالسرور؛ لقوله: ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾؛ لأن الحبور معناه التنعم والسرور الذي لا شيء فوقه.
* طالب: ﴿يُحْبَرُونَ﴾ هذه، الفعل بتاعها (حبر) ولا أيش؟
* الشيخ: ﴿يُحْبَرُونَ﴾ هذه فعل مضارع مبني للمجهول.
* الطالب: الماضي منها؟
* الشيخ: الماضي (حُبِر) مبني للمجهول. والماضي منه إذا كان مبنيًّا للفاعل الظاهر أنه بالكسر (حَبِر)، خصوصًا إذا قلنا: إنه بمعنى (سُرَّ)، فتكون مثل: فَرِحَ يَفْرَحُ، حَبِرَ يَحْبَرُ. قال: ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾.
* ومن فوائد الآية أيضًا: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلى آخره، فمن فوائدها أن الكفر أعمُّ من التكذيب؛ لأن العطف يقتضي المغايرة: ﴿كَفَرُوا وَكَذَّبُوا﴾؛ لأن الكفر ينقسم إلى قسمين: إما جحد، وإما استكبار؛ فلهذا كان أعم من التكذيب.
* ومن فوائد الآية: أن الكتب المنزلة من آيات الله، وسبق لنا قبل قليل وجه كونها من آيات الله؛ لقوله: ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾.
* ومن فوائدها: إثبات البعث وأن منكره كافر؛ لقوله: ﴿وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ﴾، هذا اللقاء العظيم الذي يتلاقى فيه كل المخلوقات ويلاقون الله سبحانه وتعالى.
* ومن فوائد الآية: أن هؤلاء المكذبين الكافرين يُحضَرون إلى العذاب قسرًا وقهرًا؛ لقوله: ﴿فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾، وهو كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور ١٣]، يعني: يُدفَعون بعنفٍ وشدة والعياذ بالله، ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [الطور ١٤]. ومعلوم أنهم لو رجع الأمر لاختيارهم يدخلونها ولَّا لا؟
* طلبة: لا يدخلونها.
* الشيخ: ما يدخلونها، لكنهم يُدفعون بعنف وشدة حتى يدخلوها. وقال: ﴿