تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
وَلَا تُؤْمِنُوٓا۟ إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ ٱلْهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ أَن يُؤْتَىٰٓ أَحَدٌ مِّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ ۗ قُلْ إِنَّ ٱلْفَضْلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ ﴿٧٣﴾
وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: أن المسلم يرد كيد هؤلاء بإعلان أن الهدى هدى الله، وأنهم مهما حاولوا أن يصدونا عن ديننا وقد أراد الله هدايتنا فإن ذلك لا يضرنا، فيتفرع على هذه الفائدة: أنه ينبغي للعبد أن يعتمد على ربه في طلب الهدى، وأن لا يعتمد على نفسه؛ لأنه إذا اعتمد على نفسه خُذل مهما كان من الذكاء والحيلة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الذين صنعوا هذه الخديعة بيّنوا وأظهروا أن الذي حملهم على ذلك هو الحسد لقولهم: ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾ لأن اليهود من أبرز صفاتهم الحسد ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء ٥٤]، ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة ١٠٩].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن أهل الكتاب يؤمنون بالبعث والحساب لقوله: ﴿أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾، ولهذا اتفقت الأديان الثلاثة؛ اليهودية والنصرانية والدين الإسلامي على الإيمان بالبعث، لكن ليس كل من آمن بالبعث يعمل له، فاليهود والنصارى ما داموا على كفرهم بمحمد ﷺ فإنهم لم يعملوا لهذا البعث؛ إذ لو عملوا له لآمنوا بالرسول ﷺ.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات أن العطاء عطاء الله عز وجل، وأن الله إذا منَّ على أحد بفضل فلن يستطيع أحد منعه لقوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات اليد لله عز وجل لقوله: ﴿بِيَدِ اللَّهِ﴾، وهذه اليد يد حقيقية يقبضها الله عز وجل، ويقبض بها، ويأخذ بها كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر ٦٧] وأخبر النبي ﷺ: «أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَبْسُطُ يَدَهُ فِي اللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ وَفِي النَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ»[[أخرجه مسلم (٢٧٥٩ / ٣١) من حديث أبي موسى.]].
وأخبر ﷺ: «أَنَّ الإنْسَانَ إِذَا تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ -أي بما يعادل التمرة- مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا الطَّيِّبَ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْخُذُهَا بِيَمِينِهِ فَيُربِّيهَا كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٤١٠) ومسلم (١٠١٤ / ٦٤) من حديث أبي هريرة.]] الحديث. أهل السنة والجماعة يؤمنون بأن ذلك حق على حقيقته؛ لأن الله تعالى أخبر به عن نفسه، وهو أعلم بنفسه وأعلم بغيره، وأخبر به عن نفسه بكلام فصيح بيّن لا يحتمل الشك.
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء ٨٧] وأخبر به عن نفسه بخبر هو أصدق الأخبار لقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء ١٢٢] فخبر الله أصدق الأخبار، وأخبر به عن نفسه ليهتدي الناس به كما قال الله تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة ١٦]، وقال تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء ١٧٦]، وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [النساء ٢٦]، فهذه أربعة أوصاف اتصف بها خبر الله تعالى عن نفسه، الوصف الأول؟
* طالب: أولًا: أنه أصدق.
* الشيخ: الوصف الأول؟
* الطالب: الوصف الأول أنه أحسن حديثًا.
* الشيخ: الوصف الأول؟
* الطالب: أصدق.
* الشيخ: نعم.
* طالب: يريد الله.
* الشيخ: لا، الوصف الأول في كلامه.
* طالب: ومن أحسن من الله قيلًا؟
* الشيخ: لا، نريد الوصف الأول، أنا أريد أن أرتبها؟
* الطالب: العلم.
* الشيخ: أنه خبر صادر عن علم، كذا؟ فإن الله عالم بنفسه وبغيره، هذه واحدة. الوصف الثاني؟
* الطالب: ومَن أحسن من الله حديثًا.
* الشيخ: كيف من أحسن من الله، ويش لونها؟
* الطالب: أن كلام الله أحسن الحديث.
* الشيخ: زين، أن كلام الله أحسن الحديث؛ يعني بالفصاحة والبيان والوضوح. الثالث؟
* الطالب: أن الخبر الذي يصدر عن الله أصدقه.
* الشيخ: طيب، أن خبر الله عن نفسه أصدق خبر. الرابع؟
* طالب: أنه يريد البيان لنفسه يريد الله أن يبين لكم.
* الشيخ: طيب، أن الله تعالى يريد بما أخبر به عن نفسه أن يهتدي الناس به لئلا يضلوا، فإذا اجتمعت هذه الأوصاف الأربعة في كلام لم يبقَ فيه أدنى شك، ولا يمكن أن نقول: إنه من المتشابه خلافًا لمن زعم أن آيات الصفات من المتشابِه، ولهذا قالوا: إنها من المتشابه، وإنَّ فرْضنا نحوها أن نمرّها بدون أن نتعرض لمعناها، وهذا -كما مر علينا كثيرًا- خطأ، بل نقرأ آيات الصفات ونتعرض لمعناها ونسأل عن معناها، لكن لا نسأل عن الكيفية؛ يعني نسأل: ما معنى استوى؟ نسأل ما فيه مانع، ما معنى استوى على العرش؟ لكن كيف استوى؟ ما نقول، ما نسأل، هنا يد الله، نسأل ما هذه اليد؟ هل هي حسية أو معنوية؟ الجواب: أنها حسية يأخذ بها ويقبض عز وجل، ولكن لا نسأل عن كيفيتها، ما نقول: كيف هذه اليد؟ هل كف الرحمن عز وجل ككفّ الإنسان أو لا؟ ما نقول هكذا.
فإن قال قائل: إنه جاء في الحديث عن النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ»[[أخرجه مسلم (٢٦١٢ / ١١٥) من حديث أبي هريرة. ]] وفي رواية: «عَلَى صُورَةِ الرَّحْمَنِ»[[أخرجه الطبراني في الكبير (١٣٥٨٠) من حديث عبد الله بن عمر.]]، وهذا يقتضي أن تكون صفات الله كصفات المخلوق، فوجهه كوجه المخلوق، ويده كيد المخلوق، وعينه كعين المخلوق، وساقه كساق المخلوق، وقدمه كقدم المخلوق، فما الجواب؟
الجواب على ذلك: أن هذا لا يمكن أن يكون مراد الحديث؛ لأنه لو كان هذا مراد الحديث لكان تكذيبًا لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١] وخبر الله ورسوله لا يتكاذب، بل يصدّق بعضه بعضًا، فإذا كان كذلك فما معنى الحديث؟ فالجواب أن نقول: لا يلزم من كون آدم على صورة الله أن يماثلة؛ فقد يكون الشيء على صورة الشيء من حيث العموم لا من حيث التفصيل، ويدل لهذا أن النبي ﷺ أخبر بأن «أَوَّل زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٤٦) ومسلم (٢٨٣٤ / ١٤) من حديث أبي هريرة.]] وهل يلزم من ذلك أن يكونوا مثل القمر؟ أبدًا لكن من حيث الإجمال على صورة القمر، وإلا فليس للقمر أنف، وليس له عين، وليس له فم، وأهل الجنة لهم آناف وأعين وأفواه، لكن من حيث العموم، وهذا وجه قوي جدًّا ويبقي النص على ظاهره.
والوجه الثاني: أن نقول: إن الله خلق آدم على صورة الرحمن أي: على الصورة التي اختارها عز وجل، على صورته على الصورة التي اختارها كما لو قلت: هذا الباب صنعة فلان؛ يعني هو الذي صنعه، فالله هو الذي صوَّر آدم، وإضافة صورة آدم إلى الله تقتضي التشريف؛ ولذلك جاءت هذه الجملة في بعض الأحاديث تعليلًا للنهي عن ضرب الوجه وتقبيح الوجه؛ لأن آدم خُلق على صورة الرحمن، فإذا ضربت الوجه الذي خلقه الله عز وجل واختار هذه الصورة له فإن ذلك الضرب قد يخدشه ويغيّره، وإذا قبّحت الوجه قلت: ما أقبح هذا الوجه! فإن هذا أيضًا قدح في الصورة التي خلقها الله عز وجل واختارها لهذا الوجه.
وعلى هذا فيكون إضافة الصورة إلى الله من باب إضافة المخلوق إلى أيش؟ إلى خالقه كقوله: ناقة الله، وبيت الله، ومساجد الله، بيوت الله، وما أشبه ذلك، وحينئذٍ تبقى النصوص -ولله الحمد- سليمة لا تتناقض ولا تتعارض، فاليد ثابتة لله على الوجه اللائق به من غير أيش؟ من غير مماثلة، نجزم ونعلم علم اليقين أنه لا مماثلة بين صفات الخالق وصفات المخلوق.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن يعلّق الرجاء بالله خوفًا وطمعًا لقوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ فإذا علمت أن الفضل بيد الله فممن تسأل الفضل؟ من الله، وإذا علمت أن الفضل بيد الله، فمن الذي تخاف أن يمنع الفضل عنك؟ الله، إذن فينبغي، بل يجب على المؤمن أن يعلّق قلبه بالله تعالى رجاءً وخوفًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات قيام الأفعال الاختيارية بالله عز وجل، ويش الكلام هذا معناه؟ ويش معنى هذا؟ معنى هذا أن الله تعالى يُوصف بصفات الأفعال المتعلقة بمشيئته لقوله: ﴿يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ فالإتيان فعل عُلّق بالمشيئة، إذن فنؤمن بأن الله تعالى له أفعال يفعلها يحدثها تتعلق بمشيئته. ففيه ردّ على المعطّلة الذين قالوا: إن الله تعالى لا يُوصف بالصفات الفعلية الاختيارية؛ لأنه ما فيه صفة عندهم ما فيه صفة لله تتعلق بمشيئته، كل الصفات أزلية، ليس فيه صفات تحدث بمشيئة الله، وهذه الآية ترد عليهم، لماذا يقولون: إن الله ما يفعل؟ يقولون: إن الله لا يستوي على العرش استواءً فعليًّا، ولا ينزل إلى السماء الدنيا، ولا يأتي للفصل بين عباده، لماذا؟ قالوا: لأن الحوادث لا تقوم إلا بحادث والله عز وجل ليس بحادث، الله أزلي أبدي، سبحانه وتعالى، فإذا أثبتّ له الأفعال الاختيارية المتعلقة بالمشيئة أثبتّ قيام فعل حادث به ولا يقوم الحادث إلا بحادث. فما هو الجواب عن هذا؟
الجواب: أن هذه القضية أو هذا الحكم حُكم عقلي معارض للنص؛ لأنه يتضمن رد كل نص يدل على قيام الأفعال الاختيارية بالله، وما تضمّن رد النصوص فهو باطل؛ لأن ما تضمن رد الحق فهو باطل.
ثانيًا: أن نقول: هذه القضية أو القاعدة التي ذكرتم قاعدة باطلة؛ فإن الأفعال تأتي بعد الفاعل، ولا يلزم أن تكون قديمة بقدمه، ولا يلزم أن يكون حادثًا بحدوثها، ولذلك نحن نأكل اليوم ونأكل بالأمس وما قبل أمس، هل يلزم إذا أكلنا اليوم أننا لم نوجد إلا اليوم؟
* طلبة: لا، لا يلزم.
* الشيخ: يعني وجودنا يسبق أفعالنا، فكذلك أفعال الله الاختيارية وجود الله سابق عليها، ولا يلزم أن نقول: إذا أثبتنا الأفعال الحادثة فقد أثبتنا حدوث الفاعل أبدًا، فهذه الملازمة العقلية ملازَمة باطلة لذاتها، وهي أيضًا ملازمة باطلة لمصادمتها لأيش؟ للنصوص.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات المشيئة لله؛ لقوله: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾، ولا أحد ينكر إثبات المشيئة لله فيما يتعلق بفعله، أنه تابع لمشيئته، ولا يكون إلا بمشيئته، لكن اختلفت الأمة في فعل العبد هل يكون بمشيئة الله أو لا يكون، فأهل السنة والجماعة قالوا: إنه يكون بمشيئة الله مع إثبات إرادة العبد، أنتم معنا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: فعل العبد بمشيئة الله مع إثبات إرادة العبد له، وذهبت القدريّة -مجوس هذه الأمة- إلى أن فعل العبد لا يقع بمشيئة الله، وأن العبد حُرّ يفعل ما يشاء، ولا تعلق لإرادة الله ومشيئته بفعله، ولهذا سموا مجوس هذه الأمة؛ لأنهم اعتقدوا أن العبد مستقل بما يحدثه، فجعلوا للحوادث خالقَيْنِ: الله عز وجل فيما يتعلق بفعل نفسه، والإنسان فيما يتعلق بفعل نفسه أيضًا؛ فالله خالق لأفعاله والإنسان خالق لأفعاله، والله شاءٍ لأفعاله والإنسان شاءٍ لأفعاله، ولا تعلق لمشيئة الله بفعل العبد.
طائفة أخرى قابلتهم، قالت: أفعال العبد بمشيئة الله ولا إرادة للعبد فيها، عرفتم؟ هؤلاء هم الجبرية، قالوا: إن أفعال العبد بمشيئة الله ولا إرادة له فيها أبدًا، إن قام فهو مجبر، وإن جلس فهو مجبر، وإن نزل من السطح على الدرج فهو مجبر، وإن تدحرج غصبًا عنه فهو مجبر، وإن مات فهو مجبر، وإن شرب فهو مجبر، كله إجبار ما له اختيار، وهؤلاء أيضًا خالفوا المعقول والمنقول والمحسوس، لو أن أحدًا منهم وقف أمامنا وقال: الإنسان مجبر على فعله، فقام أحدنا وضربه كفًّا وقال: والله هذا غصب عليّ، أنا مجبر على أن أضربك كفًّا، ويش يقول؟ ما يرضى، إن قال: أبدا لأيش تتعدى عليّ؟ نقول: الآن أبطلت قاعدتك.
ولهذا يذكر أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه رُفع إليه سارق فأمر بقطع يده، قال: اقطعوا يده ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة ٣٨] فقال: مهلًا يا أمير المؤمنين، والله ما سرقت إلا بقدر الله؛ يعني غصبًا عليّ، فقال: ونحن لا نقطع يدك إلا بقدَر الله. فرد عليه بحجّته مع أن أمير المؤمنين يقطع يد السارق بقدر الله وشرع الله، والسارق يسرق بأيش؟ بقدر الله لا بشرع الله؛ لأن الله ينهاه عن السرقة. المهم أن إثبات المشيئة لله في الآيات كثير، وهي شاملة لفعله ولفعل المخلوقين.
وهنا نقول: هل مشيئة الله مطلقة؟ يعني يشاء ما تقتضيه الحكمة، وما تقتضي الحكمة عدمه، أو مقيدة بالحكمة؟
الجواب: مقيَّدة بالحكمة، كلما مر بك آية فيها إثبات المشيئة فإنها مقيّدة بالحكمة، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠] فقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ يدل على أن مشيئة الله عز وجل مقرونة بالعلم والحكمة وهو كذلك، فلا يشاء سبحانه وتعالى شيئًا إلا لحكمة، ولكن الحكمة قد تبين لنا، وقد أيش؟ وقد تخفى علينا؛ لأن عقولنا قاصرة، قد نظن مثلًا أن نزول المطر في هذا الوقت ضرر وليس بضرر، قد نظن أن حبس المطر عنا ضرر وليس بضرر، فنحن نؤمن بأنه ما من شيء يجريه الله سبحانه وتعالى إلا لحكمة، ولكن الحكمة قد تخفى علينا وقد تظهر لنا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله وهما: واسع، والثاني: عليم، واسع بأي شيء؟ في كل صفاته؛ كل صفاته سبحانه وتعالى واسعة، رحمته وسعت كل شيء، وعلمه وسع كل شيء، وسلطانه شمل كل شيء، وقدرته على كل شيء، واسع بكل معناها، حتى إن الله قال: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ١١٥]. أيّ مكان تولي وجهك له فالله أمامك، إذا كنت في الصلاة فإن الله تعالى يناجيك وهو أمامك كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَإِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٠٦) ومسلم (٥٤٧ / ٥٠) من حديث عبد الله بن عمر.]] أي إنسان، الذين يستقبلون المشرق كالذين يقعون غربًا عن مكة، والذين يستقبلون المغرب كالذين يقعون شرقًا عن مكة، والذين يستقبلون الجنوب كالذين يقعون عنها شمالًا، والذين يستقبلون الشمال كالذين يقعون عنها جنوبًا، كل هؤلاء أينما تولوا فإن ثَمَّ وجه الله؛ لأن الله واسع، واسع عليم. ولكن لا تظن أن الله سبحانه وتعالى في الأرض قِبل وجهك وأنت تصلي، فإنه قِبل وجهك وهو في السماء؛ لأن الله ليس كمثله شيء في جميع صفاته، وإذا كان المخلوق وهو مخلوق يمكن أن يكون في السماء وقِبَل وجهك فما بالك بالخالق؟ لو استقبلت الشمس حين شروقها لكانت أيش؟ قِبل وجهك وأين هي؟ في السماء، وكذلك عند الغروب تكون قِبل وجهك وهي في السماء، فالحاصل أن الله تعالى واسع بجميع صفاته وبكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى.
* ومن فوائد الآية: إثبات علم الله سبحانه وتعالى في قوله: ﴿عَلِيمٌ﴾ عِلم الله في قوله: ﴿عَلِيمٌ﴾، فما هو العلم؟ العلم إدراك الشيء على ما هو عليه، فمن لم يدرك الشيء فليس بعالم، ومن أدركه على خلاف ما هو عليه فليس بعالم، والأول جاهل بسيط، والثاني جاهل مركب. فلو سألَنا سائل: متى كانت غزوة الفتح؟ فقيل له: كانت في السنة الثالثة من الهجرة، فالقائل جاهل جهلًا مركبًا، ولو سألنا سائل فقال: متى كانت غزوة الفتح؟ فقيل له: الله أعلم، فالقائل جاهل لكن جهله بسيط، أيهما أشد عمًى؟ الأول أشد عمًى، المشكل، جاهل وهو جاهل أنه جاهل، ولهذا قيل: إن الجهل المركب أشد قبحًا من الجهل البسيط؛ فعالم لم ينتفع بعلمه أشد إثمًا من الجاهل؛ لأن العالم الذي لم ينتفع بعلمه علم ولكنه -والعياذ بالله- لم يعمل بعلمه.
ولو سألنا سائل: متى كانت غزوة الفتح؟ فقيل له: في السنة الثامنة في رمضان، لكان عالِمًا، إذن الله تعالى عالم مدرك للأشياء على ما هو عليه، وعِلْمه سبحانه وتعالى تامّ من كل وجه أزلًا وأبدًا، فلم يزل عالِمًا يعلم ما سيكون وإذا علم -وهو عالم عز وجل- فلن ينسى كما قال موسى عليه الصلاة والسلام: ﴿فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه ٥٢].
هل يوصف الله بأنه عارف؟
* طلبة: لا.
* الشيخ: قال أهل العلم: لا يوصف الله بأنه عارف، لماذا؟ لأن المعرفة انكشاف بعد لُبس، انكشاف بعد خفاء، أحسن أو أبْين لكم، المعرفة انكشاف بعد خفاء، ولهذا إذا علمت الصبي تقول له: هل عرفت؟ فيقول أيش؟ نعم؛ يعني بعد أن كان خافيًا عليه صار الآن معلومًا له، فمن أجل أنها انكشاف بعد خفاء لم يصح إطلاقها على الله؛ لأن الله لم يزل ولا يزال عليمًا.
ثانيًا: أن المعرفة تطلق على العلم والظن، ولهذا إذا قلنا: العِلم معرفة الحق بدليله شمل قولنا معرفة الحق بدليله شمل العلم والظن؛ لأن المعلومات إما علمية وإما ظنيَّة؛ لهذا لا يصح أن يطلق على الله بأنه عارف.
فإن قال قائل: كيف تقولون هذا وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: «تَعَرَّفْ إِلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ»[[أخرجه أحمد في المسند (٢٨٠٣) من حديث ابن عباس.]] يعرفك، وهذا فعل؟ فالجواب عن ذلك: أن هذه معرفة خاصة تستلزم العناية؛ العناية بالذي تعرَّف إلى الله من قبل، والدليل على أنها ليست معرفة العلم، بل هي معرفة العناية؛ الدليل أنه قال: تعرَّف إلى الله مع أن الله يعرفك سواء قمت بعبادته أم لم تقم، يعلمك عز وجل، يعلمك سواء قمت بعبادته أم لم تقم، لكن إذا قمت بعبادته فقد تعرَّفت إليه، فإذا تعرفت إليه في الرخاء عرفك في الشدة.
ثم قال الله عز وجل: ﴿