تفسير ابن عثيمين — ابن عثيمين
لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُوا۟ خَآئِبِينَ ﴿١٢٧﴾
لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ اللام هنا للتعليل، والفاعل في قوله: ﴿يَقْطَعَ﴾ يعود إلى الله سبحانه وتعالى، والمراد بالقطع هنا الإهلاك، أي: ليهلك طرفًا، والجار والمجرور: اللام هذه متعلقة إما بقوله: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ ولكن هذا ضعيف؛ لأنه بعيد، يعني أنه جاءت آيات كثيرة تفصل بين العامل والمعمول، وهذا لا نظير له، وإما أن يكون متعلقًا بمحذوف تقديره: فَعَل ذلك ليقطع طرفًا، وهذا القول أصح، فتكون اللام متعلّقة بفعل محذوف يُقدّر على وجه مناسب.
قوله: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: ليهلكهم، ولكن هل هذا فيما إذا انتصروا على المسلمين أو فيما إذا انتصر المسلمون عليهم؟ أو على الوجهين جميعًا؟
الصواب: أنه على الوجهين جميعًا؛ لأنه إن انتصر المسلمون وهزموهم فقد هلك طرف منهم، وإن انتصروا هم على المسلمين فإنهم سوف يلحقهم الغرور ونشوة النصر، ثم يعيدون الكرّة مرة ثانية وحينئذٍ يُقضى عليهم، فيكون الوجهان حاصلين سواء غَلبوا أم غُلبوا.
وقوله: ﴿طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الطرف: طرف الشيء هو منتهاه من أسفل أو من أعلى، فهل المراد بالطرف هنا الذي يلي المسلمين؟
الجواب: نعم، المراد الذي يلي المسلمين؛ وذلك لأن المسلمين مطالبون بقتال من يليهم من الكفار حتى يفتحوا بلاد الكفار بلدًا بلدًا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ [التوبة ١٢٣] وهذا كما أنه سُنّة الله الشرعية فهو أيضًا موافق للفطرة؛ لأنه ليس من الحكمة أن تذهب إلى البعيد تقاتله وتترك القريب؛ إذ إن القريب في هذه الحال ربما يكون كمينًا؛ يعني يحول بينك وبين رجوعك إلى بلدك.
وقوله: ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ يعني يخذلهم ويذلهم وإن لم يحصل فيهم قتل.
﴿فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾ ينقلبوا إلى مَن؟ ينقلبوا إلى بلادهم خائبين أي: لم يحوزوا خيرًا، وذلك كما حصل في غزوة الأحزاب، فإن الأحزاب في غزوة الأحزاب رجعوا خائبين بدون قتال، كما قال الله تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾. [الأحزاب: ٢٥]. إذن لا قتال، ردّهم الله بالريح والجنود التي لم نرها.
﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ ﴿لَيْسَ لَكَ﴾ قال بعض العلماء: إن المعنى: ليس إليك من الأمر شيء، مثل قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ [آل عمران ١٩٣] يعني ينادي إلى الإيمان، ولكن الظاهر أن اللام على بابها ليست بمعنى (إلى)، والمعنى أنك لا تملك شيئًا، وليس المعنى أنه لا يُرد إليك شيء، بل المعنى أنك لا تملك شيئًا، فاللام على ما هي عليه، والخطاب في قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ للنبي ﷺ.
وقوله: ﴿مِنَ الْأَمْرِ﴾ يعني الأمر الكوني، أما الأمر الشرعي فإن للرسول عليه الصلاة والسلام منه شيء؛ لقوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء ٨٠] أما الأمر الكوني فلا.
واختلفت الروايات في سبب نزول هذه الآية، ففي بعض الروايات أن سببها أن النبيّ ﷺ دعا على قوم من الكفار مثل أبي سفيان، وسهيل بن عمرو، وصفوان بن أمية، والحارث بن هشام، هؤلاء أربعة كان الرسول ﷺ يدعو عليهم، يلعنهم، إذا صلّى الفجر في الركعة الأخيرة يدعو عليهم: «اللَّهُمَّ الْعَنْ فلانًا وفلانًا وفلانًا»[[أخرجه البخاري (٤٠٧٠) من حديث سالم بن عبد الله، وأحمد في المسند (٥٩٩٧) من حديث ابن عمر.]]. بأسمائهم، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ فالأمر إلى الله.
وفيه أيضًا رواية أخرى صحيحة: أن النبي ﷺ لما شجوا وجهه في أُحُد، جعل يمسح الدم عن وجهه ويقول: «كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجُّوا وَجْهَ نَبِيِّهِمْ وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ؟». »[[أخرجه مسلم (١٧٩١ / ١٠٤) من حديث أنس بن مالك.]] فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾.
والقاعدة في أسباب النزول أنه إذا لم يمكن الترجيح فلا مانع من أن يتعدد السبب، فيكون لنزول الآية سببان؛ يعني أنها نزلت بعدهما جميعًا، فيكون الأمران سببين لنزول الآية، أولًا: إنكاره عليه الصلاة والسلام على هؤلاء القوم وقوله: «كَيْفَ يُفْلِحُ؟» استبعاده فلاحهم.
والثاني: لعنه هؤلاء الأربعة. ولا محظور في ذلك، فإن الآية قد يكون لنزولها سببان.
وقوله: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ قيل: إنها معطوفة على ﴿يَقْطَعَ﴾، وقيل: إن ﴿أَوْ﴾ بمعنى (إلى) أن يتوب عليهم.
فعلى القول الأول لا إشكال في الآية، ويكون الله عز وجل ذكر عاقبة هؤلاء الكفار أربعة أمور: يقطع طرفًا من الذين كفروا، أو يكبتهم، أو يتوب عليهم، أو يعذّبهم، وهذا الوجه -كما ترون- وجه حسن ليس فيه إلا الجملة المعترضة في قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ وهذا لا يضر، ففي القرآن جمل معترضة بين أشياء متقاربة في المعنى، بل فيه آيات، فمثل قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة ٢٣٨] ذُكرت هذه في أثناء آيات العِدد، ولا يظهر للإنسان وَجْه مناسبة، لكن الله عز وجل أعلم منا، كذلك أيضًا هنا نقول: لا يضر أن توجد جملة معترضة مع أننا سنبين -إن شاء الله- المناسبة فيها.
أما القول الثاني: الذي يقول ﴿أَوْ﴾ بمعنى (إلى)، فيقولون: إن في الآية حذفًا، والتقدير: